وفاة ماجد الفطيم: رحيل رائد تجارة التجزئة في الإمارات وعزاء رفيع المستوى من قيادات الفجيرة ودبي
رحل عن عالمنا يوم 17 ديسمبر 2021، في دبي، رجل الأعمال الإماراتي الذي بناه من الصفر إلى إمبراطورية تُعدّ من أكبر مراكز التجزئة في الشرق الأوسط: ماجد محمد الفطيم. وفاته لم تكن خبراً اقتصادياً عابراً، بل كانت لحظة وطنية توقفت عندها شوارع دبي، وانحنت قيادات الإمارات رأساً لتكريم من جسّد نموذج النجاح المحلي في عالم الأعمال. لم يُعلن فقط عن وفاته، بل أُحيي ذكراه بحضور ولي عهد إمارة الفجيرة ومستشار رئيس الدولة، في مشهد نادر يعكس مكانة الفقيد Beyond commerce — كرمز للانتماء والإنجاز.
عزاء رفيع المستوى من قيادات الإمارات
في يوم الأحد 19 ديسمبر 2021، وصل ولي عهد الفجيرة، الشيخ محمد بن حمد بن محمد الشرقي، إلى منزل أسرة الفقيد في دبي، مصطحباً معه شقيقه الشيخ مكتوم بن حمد الشرقي. لم يكن هذا مجرد تعبير عن تعزية، بل كان إشارة واضحة إلى أن الفقيد لم يكن مجرد رجل أعمال، بل جزءاً من النسيج الاجتماعي للدولة. وفقاً لوكالة أنباء الإمارات، تقدم الشيخ محمد الشرقي بخالص مواساته لطريق ماجد الفطيم، نجل الفقيد، ولعائلة الفطيم بأكملها، الذين وصفوا الحضور بـ"الشرف الكبير".
وفي نفس اليوم، وصل الشيخ الدكتور سلطان بن خليفة بن زايد آل نهيان، مستشار صاحب السمو رئيس الدولة، مصطحباً نجله الشيخ محمد بن سلطان بن خليفة آل نهيان. وبحسب بيان نُشر في جريدة الوطن، أعرب سموه عن "صادق تعازيه لأسرة وذوي الفقيد، داعياً الله العلي القدير أن يتغمده بواسع رحمته وأن يسكنه فسيح جناته". لم يكن هذا مجرد تعبير رسمي — بل كان تأكيداً على أن ماجد الفطيم كان رمزاً يتجاوز الحدود الإقليمية.
إمبراطورية بنيت على الثقة والابتكار
ماجد الفطيم لم يكن مجرد مالك لعلامة تجارية. كان مهندس نموذج تجاري جديد في المنطقة. أسس مجموعة ماجد الفطيم في عام 1992، وتحولت من متجر صغير في دبي إلى إمبراطورية تضم أكثر من 20 مركزاً تجارياً في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. أشهر هذه المراكز؟ كارفور — الذي أصبح مصطلحاً مألوفاً في كل شارع تقريباً في الإمارات، السعودية، مصر، والأردن.
الشركة لم تكتفِ بالتجزئة. امتدت استثماراتها إلى العقارات، والترفيه، والخدمات اللوجستية. في عام 2020، حققت المجموعة إيرادات بلغت 4.5 مليار دولار أمريكي، وفقاً لتقريرها السنوي. وبحلول نوفمبر 2021، كانت محفظة استثماراتها تتجاوز 15 مليار دولار. لكن الأرقام لا تقول كل شيء. ما يميز المجموعة أنها وظفت أكثر من 42,000 موظف من 100 جنسية مختلفة — ما جعلها نموذجاً للاندماج الوطني والعالمي في آن واحد.
من هو الرجل خلف العلامة؟
ماجد الفطيم لم يُعرف فقط بثروته، بل بأسلوبه الهادئ، وتقديمه للشباب، ودعمه للمبادرات الثقافية. كان يُشار إليه في الدوائر التجارية بـ"الرجل الذي لا يتحدث كثيراً، لكنه يُحدث فرقاً". لم يُنشر عنه الكثير من المقابلات، لكن من عرفوه يؤكدون أنه كان يُعطي الأولوية للجودة، والخدمة، والثقة. حتى في أوقات الأزمات، مثل جائحة كورونا، قرر ألا يُقلص عدد الموظفين، بل دعمهم ببرامج مساعدة مالية — وهو ما جعله محبوباً ليس فقط كصاحب عمل، بل كقائد إنساني.
كانت وفاته مفاجئة للكثيرين. لم تُذكر أي تفاصيل طبية رسمية، لكن مصادر قريبة من الأسرة أشارت إلى أنه تلقى رعاية طبية مكثفة في دبي خلال الأسابيع الأخيرة. لم يُعلن عن سبب الوفاة، لكن الجميع يتفق على أنه رحل وهو يُكمل مسيرته، لا يُنهيها.
ماذا يعني رحيله للاقتصاد الإماراتي؟
رحيل ماجد الفطيم لا يعني فقط فراغاً في قيادة شركة، بل تغييراً في ديناميكية قطاع التجزئة بأكمله. مجموعة ماجد الفطيم كانت تُعدّ من أكبر موردي التجزئة في المنطقة، وعلاقاتها مع شركاء عالميين مثل كارفور (التابعة لشركة كارفور الفرنسية) كانت أساسية في تدفق السلع والخدمات. الآن، يُنظر إلى مستقبل المجموعة بقلق بعض الشيء — خاصة مع تحوّل السوق نحو التجارة الإلكترونية، وارتفاع تكاليف التشغيل.
لكن الأهم من ذلك، هو فقدان قائد لم يكن يُنظر إليه كرجل أعمال فقط، بل كنموذج للنجاح المحلي. في عصر يُقدّس فيه النجاح الخارجي، كان ماجد الفطيم دليلاً حياً على أن الإماراتي يمكنه أن يبني إمبراطورية عالمية من داخل الإمارات.
ما الذي ينتظر المجموعة الآن؟
يُتوقع أن تنتقل القيادة إلى نجله، طارق ماجد الفطيم، الذي كان يشغل منصب نائب الرئيس التنفيذي منذ عام 2018. لكن التحدي الحقيقي ليس في التوريث، بل في الحفاظ على روح المؤسس. فماجد الفطيم لم يُدير الشركة بخطط مالية فقط، بل بقيم: التواضع، الجودة، والانتماء.
الشركة الآن أمام خيارين: إما أن تُصبح مؤسسة إدارية كبيرة تُشبه الشركات العالمية، أو أن تحافظ على هويتها كمؤسسة عائلية ذات روح إنسانية. كثير من الموظفين يأملون في الخيار الثاني. لأنهم يعرفون أن ما جعل المجموعة ناجحة، لم يكن فقط الأرباح — بل الإنسان خلفها.
خلفية تاريخية: من هم العائلات التي عزّت؟
حضور ولي عهد الفجيرة ومستشار رئيس الدولة ليس صدفة. الشيخ محمد بن حمد بن محمد الشرقي، ولي عهد الفجيرة منذ 2007، هو من سلالة بني ياس، التي تربطها علاقات تاريخية عميقة مع عائلة آل نهيان في أبوظبي وآل مكتوم في دبي. أما الشيخ الدكتور سلطان بن خليفة بن زايد آل نهيان، فهو نجل الراحل الشيخ خليفة بن زايد، وحاصل على دكتوراه في القانون من كامبريدج — ما يجعله أحد أبرز المفكرين في الدوائر الحاكمة.
هذا التقارب بين عائلات الفجيرة ودبي وأبوظبي، في لحظة الحزن، يُظهر أن ماجد الفطيم كان جسراً بين المناطق — ليس فقط في الاقتصاد، بل في الهوية.
أسئلة شائعة
كيف أثرت وفاة ماجد الفطيم على سلسلة كارفور في المنطقة؟
حتى الآن، لم تُعلن مجموعة ماجد الفطيم عن أي تغييرات في إدارة سلاسل كارفور، لكن المراقبين يحذرون من احتمال تباطؤ في التوسعات الجديدة. المجموعة تمتلك 120 فرعاً لكارفور في المنطقة، وتعتمد على شبكة توزيع معقدة. أي تغيير في القيادة قد يؤثر على عقود التوريد مع الموردين الأوروبيين، خاصة مع ارتفاع أسعار الشحن العالمية.
من هو طارق ماجد الفطيم، وما هي خبرته؟
طارق ماجد الفطيم، نجل الفقيد، يشغل منصب نائب الرئيس التنفيذي منذ 2018، وله خبرة في تطوير مراكز الترفيه التابعة للمجموعة، مثل "دبي مول" و"أكوا بارك". حصل على شهادة في إدارة الأعمال من جامعة هارفارد، ويعتبره الكثيرون "الوريث المناسب"، لكنه يواجه ضغوطاً لموازنة الابتكار مع الحفاظ على القيم التي بناها والده.
لماذا كان ماجد الفطيم محبوباً بين الموظفين؟
لأنه لم يكن يُعامل الموظفين كأرقام. في أزمة كورونا، منع إقالات الموظفين، وقدم دعماً مالياً طارئاً، وفتح قنوات مباشرة للشكاوى. أكثر من 70% من موظفيه من جنسيات غير إماراتية، لكنهم يقولون إنه كان يُذكرهم بـ"الأب الذي لا يرفع صوته، لكنه يُغير حياتك". هذه الثقة لم تُبنى برواتب فقط، بل بكرامة.
ما هي أبرز مشاريع المجموعة بعد وفاته؟
من أبرز المشاريع المعلنة قبل وفاته: تطوير "مجمع الفطيم للابتكار" في منطقة القوز بدبي، والذي سيضم مراكز تجارية ذكية ومساحات عمل مشتركة للشركات الناشئة. كما تخطط المجموعة لفتح أول فرع لكارفور في المغرب في 2025. لكن هذه المشاريع الآن معلقة، ويتوقع محللون أن تُراجع خططها خلال الـ6 أشهر القادمة.