تقلبات أسعار المحروقات في لبنان: رحلة الصعود والهبوط بين 2025 و2026
بين ليلة وضحاها، يجد المواطن اللبناني نفسه أمام لغز يومي جديد: هل ارتفعت أسعار الوقود أم انخفضت؟ هذه التساؤلات ليست مجرد تفاصيل عابرة، بل هي محرك أساسي لتكلفة المعيشة في البلاد. ففي لبنان، تحولت أسعار المحروقات إلى مؤشر يومي للقلق، حيث شهدت الفترة الممتدة من أواخر 2025 وحتى مطلع 2026 تذبذبات حادة تعكس حالة عدم الاستقرار الاقتصادي.
إليكم الحكاية باختصار؛ في أكتوبر 2025، كانت الصفيحة من بنزين 95 تُباع بـ 1,490,000 ليرة لبنانية، ولكن مع دخول عام 2026، بدأت الأرقام تتغير بشكل مفاجئ. الغريب في الأمر أن هذه التقلبات لا تتبع منطقاً واحداً، بل تتأرجح بين قرارات رسمية وضغوطات السوق العالمية، مما جعل السائقين وأصحاب المولدات في حالة ترقب دائم.
خريطة الأسعار: من تذبذبات 2025 إلى صدمات 2026
إذا نظرنا إلى البيانات التي وفرها موقع TheFuelPrice.com، سنجد أن يوم الجمعة 3 أكتوبر 2025 كان محطة فارقة. حينها، استقر سعر بنزين 95 عند 1,490,000 ليرة للصفيحة (التي تحتوي على 20 لتر)، بينما وصل بنزين 98 إلى 1,530,000 ليرة. أما الديزل، الذي تعتمد عليه آلاف المولدات في القرى والمدن، فقد سجل 1,381,000 ليرة، فيما بلغت قارورة الغاز (10 كغم) 1,096,000 ليرة.
لكن، هل استمر هذا الهدوء؟ بالطبع لا. فوفقاً للتحديثات الصادرة عن وزارة الطاقة والمياه في 2 كانون الثاني (يناير) 2026، شهدت الأسعار تراجعاً ملحوظاً؛ حيث هبط سعر أوكتان 95 إلى 1,359,000 ليرة، وأوكتان 98 إلى 1,320,000 ليرة. المثير للدهشة هنا هو غياب بيانات "الكاز" والمازوت في ذلك التحديث (سُجلت بقيمة 0)، وهو ما يثير تساؤلات حول دقة التحديثات الرسمية في لحظات الأزمات.
الأمر لم يتوقف عند محطات الوقود، بل امتد إلى المولدات الكهربائية التي تعتبر "رئة الحياة" البديلة في لبنان. ففي 30 مارس 2026، تم تحديث تسعير المولدات، حيث سجل سعر الأمبير 5A حوالي 385,000 ليرة، بينما قفز سعر المازوت المخصص لها إلى 1,982,753 ليرة. (تخيلوا حجم الضغط على المواطن الذي يواجه ساعات قطع كهربائية وصلت في إجمالي الإحصائيات إلى 40,580 ساعة شهرياً!).
قراءة في بيانات الديزل: الانهيار والتعافي الوهمي
عندما نغوص في الأرقام التي قدمها موقع GlobalPetrolPrices.com، نكتشف فجوة زمنية مرعبة. بين 18 يناير 2016 و29 ديسمبر 2025، كان متوسط سعر الديزل 25,762.22 ليرة. ولكن، قارنوا هذا الرقم بأدنى سعر سجل في 25 مايو 2020 (435 ليرة فقط!) وأعلى سعر وصل إليه في 20 مارس 2023 (96,850 ليرة للتر الواحد). هذه القفزات ليست مجرد أرقام، بل هي انعكاس لانهيار العملة الوطنية.
في نهاية ديسمبر 2025، سجل سعر اللتر 62,550 ليرة (ما يعادل 0.64 دولار). واللافت هنا هو وجود انخفاضات نسبية؛ فالسعر في 29 ديسمبر 2025 كان أقل بنسبة 13.6% عما كان عليه في نوفمبر من نفس العام. يبدو الأمر وكأنه "تنفس اصطناعي" للأسعار، لكنه لا يغير من واقع الغلاء شيئاً.
صراع التحديثات: بين النقابات والشركات الخاصة
لا يمكن الحديث عن الوقود في لبنان دون ذكر نقابة أصحاب محطات المحروقات، التي تلعب دور الوسيط بين الحكومة والسوق. النقابة أصدرت جداول متناقضة أحياناً، ففي حين سجلت انخفاضاً بمقدار 8,000 ليرة ليصل سعر بنزين 95 إلى 2,382,000 ليرة في إحدى الفترات، كانت هناك تحديثات أخرى تتحدث عن ارتفاعات جنونية وصلت إلى 127 ألف ليرة للبنزين و218 ألف ليرة للمازوت، كما نقلت قناة المنار الإعلامية.
من جهة أخرى، تقدم شركات مثل IPT (Integrated Petroleum Trading) أرقاماً تعكس واقع السوق التجاري، حيث سجل بنزين 95 لديها 2,385,000 ليرة، بينما وصل الديزل إلى 2,362,000 ليرة. هذا التفاوت بين الأسعار الرسمية وأسعار الشركات الخاصة يخلق حالة من التخبط لدى المستهلك.
لماذا يحدث هذا التذبذب؟
- ارتباط العملة: سعر الصرف في السوق الموازية يؤثر لحظياً على تسعير الصفيحة.
- الأسعار العالمية: تتبع وزارة الطاقة والمياه تقلبات برنت والأسعار العالمية للنفط.
- أزمات التوريد: أي تأخير في وصول الناقلات يؤدي إلى مضاربات سريعة في الأسعار.
تداعيات الأزمة: ما الذي ينتظر اللبنانيين؟
إن استمرار هذا التذبذب يعني ببساطة أن تكلفة نقل البضائع ستظل غير مستقرة، مما ينعكس مباشرة على سعر ربطة الخبز وكيلو الخضار. الخبراء يشيرون إلى أن الاعتماد على تسعيرات متغيرة يومياً يجعل من المستحيل على أي شركة صغيرة وضع ميزانية تشغيلية واضحة.
من المتوقع أن تظل الأسعار مرتبطة بشكل عضوي بمدى استقرار الوضع المالي في مصرف لبنان، وقدرة الحكومة على تأمين خطوط ائتمان لاستيراد المحروقات. وفي ظل غياب خطة شاملة، يبدو أن المواطن هو الوحيد الذي يدفع ثمن هذه "المغامرة الرقمية" في أسعار الوقود.
الأسئلة الشائعة حول أسعار المحروقات في لبنان
كيف يتم تحديد سعر صفيحة البنزين في لبنان؟
يتم تحديد الأسعار من قبل وزارة الطاقة والمياه بناءً على أسعار استيراد الوقود من السوق العالمية (FOB) مضافاً إليها تكاليف الشحن والتأمين وهامش ربح محدد لمحطات التوزيع. وبسبب انهيار الليرة، يتم التحويل إلى العملة المحلية بناءً على سعر صرف الدولار المعتمد في تلك اللحظة.
لماذا تختلف أسعار المولدات عن أسعار محطات الوقود؟
تعتمد المولدات على سعر "المازوت" المخصص للمولدات، والذي يتضمن أحياناً تكاليف نقل إضافية وتكاليف تشغيلية للمولد نفسه (صيانة وزيوت). كما أن تسعيرة الأمبير تخضع لاتفاقات بين أصحاب المولدات واللجان الشعبية أو قرارات وزارة الطاقةات بناءً على عدد ساعات القطع.
ما هو الفرق بين بنزين 95 وبنزين 98 من حيث السعر والاستخدام؟
بنزين 98 يتميز برقم أوكتان أعلى، مما يجعله مناسباً للمحركات ذات الأداء العالي والسيارات الحديثة لمنع "القرقعة' في المحرك. وبسبب جودته الأعلى وتكلفة إنتاجه، يكون سعره دائماً أعلى من بنزين 95، بفارق يتراوح عادة بين 10,000 إلى 40,000 ليرة لبنانية للصفيحة الواحدة.
هل شهدت الأسعار انخفاضاً حقيقياً في بداية 2026؟
نعم، سجلت بيانات وزارة الطاقة في يناير 2026 انخفاضاً في سعر بنزين 95 من حوالي 1.49 مليون ليرة (في أكتوبر 2025) إلى 1.359 مليون ليرة. ومع ذلك، فإن هذا الانخفاض قد يكون نسبياً ولا يعكس تحسناً في القوة الشرائية للمواطن نظراً للتضخم العام.