عقابيل ضد الدرونز: كيف تحولت الطيور الجارحة لسلاح عسكري حديث؟
في مفارقة غريبة تعيدنا إلى عصور الصيد القديمة ولكن بلمسة تكنولوجية، بدأت الجيوش في الاعتماد على الطيور الجارحة لاعتراض وإسقاط طائرات الدرون بدون طيار، وهي محاولة لسد الثغرات الأمنية التي خلفتها المسيرات الانتحارية. هذه الاستراتيجية التي بدأت تظهر في مناطق النزاعات المعاصرة، تحول النسور والعقابيل من مجرد كائنات برية إلى "أنظمة دفاع جوي" بيولوجية قادرة على تنفيذ مهام معقدة في وقت قياسي.
الأمر ليس مجرد صدفة أو سلوك غريزي، بل هو نتاج عمليات تدريب شاقة وممنهجة. فبينما يتسابق العالم في تطوير موجات التشويش الإلكتروني، تبين أن مخلب العقاب قد يكون أكثر فعالية من بعض الرادارات في إسقاط درون صغير يحلق على ارتفاعات منخفضة. لكن هذا التوجه العسكري الجديد يفتح باباً من الجدل الأخلاقي حول تحويل الحيوانات إلى أدوات في الحروب.
مراحل تحويل العقاب إلى "صياد مسيرات"
لا يمكن لأي طائر أن يقوم بهذه المهمة؛ فقد حدد الخبراء أربعة أنواع فقط من الجوارح التي تمتلك القدرات الذهنية والبدنية اللازمة، وهي: العقاب الذهبي، والعقاب الملكي، والعقاب الأصلع، ونوع رابع من العقابيل. عملية التدريب ليست عشوائية، بل تمر بثلاث مراحل دقيقة:
- المرحلة الأولى (تكوين الرابط): تبدأ في سن مبكرة جداً، حيث يتم "خداع" الطائر الصغير بإقناعه أن طائرة الدرون هي مصدر غذائه. يتم وضع قطع من اللحوم على أجنحة المسيرة، مما يجعل الطائر يربط بصرياً بين شكل الدرون وبين الطعام.
- المرحلة الثانية (الصيد الفعلي): بمجرد أن يتمكن الطائر من الطيران المستقل، ينتقل التدريب إلى اصطياد الدرونز الحقيقية. هنا تأتي "المكافأة الدسمة"؛ فكلما نجح العقاب في إسقاط مسيرة، يحصل على وجبة لحم وفيرة، مما يعزز هذا السلوك لديه.
- المرحلة الثالثة (الإتقان الميداني): وهي المرحلة النهائية التي يصبح فيها الطائر جاهزاً للعمل في بيئة عسكرية حقيقية.
هنا تكمن النقطة الجوهرية؛ فالعقاب يمتلك خصائص فيزيائية مذهلة، حيث يمكن أن تصل سرعته إلى 400 كيلومتر في الساعة. والسر في ذلك يكمن في "عظمة الدرنة" الموجودة في منخاره، والتي تعمل كمخفف لضغط الهواء الداخل إلى الرئتين أثناء الهجوم السريع، مما يجعله يتفوق على الكثير من المسيرات التجارية من حيث السرعة والمناورة.
صراع البقاء: تهديدات الاندثار تلاحق الجوارح
بينما تحاول بعض الجهات توظيف هذه الطيور عسكرياً، يواجه عالم الجوارح كارثة بيئية صامتة. تشير الإحصائيات إلى أن أعداد النسور في أفريقيا و آسيا تراجعت بنسبة صادمة تصل إلى 95% خلال العقود الماضية. هذه ليست مجرد أرقام، بل هي إبادة تدريجية لأحد أهم عناصر التوازن البيئي.
وفقاً لبيانات الاتحاد العالمي لحماية الطبيعة (IUCN)، هناك 16 نوعاً من أصل 23 نوعاً من النسور معرضة للخطر عالمياً. وقد أدرج الاتحاد أربعة أنواع آسيوية وأربعة أفريقية ضمن القائمة الحمراء للأنواع "المهددة بشكل خطير"، ومن أبرزها "نسر الأذون" و"النسر أبيض الظهر".
لماذا تموت النسور؟
السبب الأكثر رعباً هو "التسميم غير المقصود". ففي أفريقيا، يتم تسميم الضباع وابن آوى للتخلص منها لأنها تهدد الماشية، وعندما تهبط النسور لتتغذى على هذه الجثث (الجيف)، تموت ميتة مؤلمة بسبب السموم المتراكمة. وبصراحة، تدخل الجهل البشري في الأمر؛ حيث أشار مارك أندرسون، مدير قسم حماية الحياة البرية في جنوب أفريقيا، إلى ممارسة غريبة بدأت منذ عام 2010 (تزامنًا مع كأس العالم)، حيث يقوم بعض المهووسين بالرهانات بأكل "مخ النسور" اعتقاداً منهم أن ذلك يساعدهم في التنبؤ بنتائج المباريات!
السموم الدوائية وأزمة "الديكلوفيناك" في أوروبا
لم تكن أوروبا بمنأى عن هذه المأساة. في إسبانيا و إيطاليا، حيث يتواجد 80% من نسور أوروبا، استمر استخدام مادة "ديكلوفيناك" في علاج الأبقار والخنازير. هذه المادة كانت بمثابة "حكم إعدام" للنسور في الهند في التسعينات، حيث أفنت نحو 99% من أعدادها هناك. ورغم الضغوط، لا تزال بعض الدول ترفض حظرها بشكل كامل، على عكس ألمانيا التي حظرت المادة لحماية "النسر الملتحي".
المفارقة هنا أن النسور في جبال الألب الألمانية تعاني من الجوع، ليس بسبب نقص الحيوانات، بل لأن "عشاق الجمال" في تلك المناطق يسارعون لنقل الجثث من الجبال إلى الوديان لإبعاد المنظر عن السياح، مما يحرم النسور من مصدر غذائها الوحيد.
مستقبل الجوارح بين الحرب والحماية
لقد انتهى مؤتمر عُقد في مدينة طليطلة الإسبانية بوضع خطة عمل لإنقاذ النسور من الانقراض. ولكن يبقى السؤال: هل من العدل أن نسعى لإنقاذ هذه الطيور من الانقراض في جهة، بينما نقوم بتدريبها لتكون "قذائف حية" في جهة أخرى؟
تؤكد جمعيات حقوق الحيوان أن إقحام هذه الكائنات في النزاعات العسكرية يمثل انتهاكاً لسلوكها الطبيعي وقد يعرضها لمخاطر لا يمكن التنبؤ بها. لكن في ظل تطور "حرب المسيرات"، يبدو أن الجيوش تفضل الفعالية الميدانية على الاعتبارات الأخلاقية.
الأسئلة الشائعة حول استخدام الجوارح في الحروب وحمايتها
كيف يتم تدريب العقاب على صيد طائرات الدرون؟
تتم العملية عبر ثلاث مراحل: تبدأ بخداع الطائر في سن مبكرة بوضع اللحم على أجنحة الدرون ليربطها بالغذاء، ثم ينتقل لتدريب الصيد الفعلي مع مكافآت غذائية عند كل نجاح، وأخيراً مرحلة الإتقان الميداني للعمل في الظروف العسكرية.
لماذا يُعتبر العقاب تحديداً مناسباً لهذه المهمة؟
بسبب سرعته الهائلة التي تصل لـ 400 كم/ساعة، وقوته البدنية، ووجود "عظمة الدرنة" في منخاره التي تساعده على التنفس بكفاءة أثناء الهجمات السريعة، بالإضافة إلى مخالبه الحادة التي يمكنها تمزيق هيكل الدرون بسهولة.
ما هي مادة "ديكلوفيناك" وكيف تؤثر على النسور؟
هي مادة فعالة تُستخدم في الطب البيطري لعلاج الماشية. عندما تتغذى النسور على جثث حيوانات عولجت بهذه المادة، تسبب لها تسمماً حاداً يؤدي للوفاة، وقد تسببت في إبادة 99% من نسور الهند في التسعينات.
ما هو وضع النسور في أفريقيا وآسيا حالياً؟
تواجه النسور هناك أزمة انقراض حادة، حيث تراجعت أعدادها بنسبة 95%. 16 نوعاً من أصل 23 معرض للخطر، وذلك بسبب التسميم غير المقصود عبر جيف الحيوانات المفترسة، وممارسات شعبية غريبة مثل أكل مخ النسور للتنبؤ بالرهانات.