بريطانيا وفرنسا تطلقان مشروع صواريخ جو-جو متطورة في تحالف دفاعي جديد

بريطانيا وفرنسا تطلقان مشروع صواريخ جو-جو متطورة في تحالف دفاعي جديد

في خطوة تعيد رسم خارطة التوازن العسكري في القارة العجوز، أعلن إيمانويل ماكرون, رئيس فرنسا وكير ستارمر, رئيس وزراء المملكة المتحدة عن إطلاق دراسة مشتركة لتطوير الجيل القادم من الصواريخ الجوية بعيدة المدى (خارج نطاق الرؤية) لصالح القوات الجوية الملكية البريطانية. جاء هذا الإعلان خلال زيارة دولة رسمية قام بها ماكرون إلى لندن في 9 و10 يوليو 2025، حيث شهدت القمة الـ 37 بين البلدين توقيع سلسلة اتفاقيات دفاعية شاملة تهدف إلى مواجهة التهديدات المتصاعدة في المنطقة.

هنا تكمن النقطة الجوهرية؛ الأمر لا يتوقف عند مجرد صواريخ جديدة، بل نحن أمام تحديث جذري لمعاهدة «لانكستر هاوس» الموقعة عام 2010، والتي تحولت الآن إلى ما يُعرف بـ "لانكستر هاوس 2.0". هذا الإطار الجديد ليس مجرد حبر على ورق، بل هو إعلان صريح عن "تضامن استراتيجي" يهدف إلى تحويل التعاون العسكري من مجرد تنسيق إلى اندماج صناعي وعملياتي عميق (أو ما يسمونه بـ Entente Industrielle)، لضمان تفوق الجوي للبلدين وحلفائهم.

سباق تسلح تكنولوجي: من الصواريخ الجوية إلى ضربات العمق

الهدف من برنامج الصواريخ الجوية الجديد هو سد الثغرات أمام التهديدات الناشئة وتطوير بديل متطور لصواريخ "ميتيور" الحالية. لكن المفاجأة لم تكن هنا فقط، بل في الاتفاق على تطوير سلاح صواريخ كروز جديد يُعرف ببرنامج Future Cruise and Anti-Ship Weapon (FC/ASW). هذا السلاح سيعمل كبديل لمنظومة صواريخ "ستورم شادو" و"سكالب"، ليوفر قدرات ضرب عميقة وعالية النجاة، وهو ما يعني أن البلدين يخططان لامتلاك "مخالب" أطول وأكثر دقة في مواجهة أي عدوان.

وبعيداً عن الصواريخ الضخمة، لم يغفل الطرفان خطر "الدرونات"؛ حيث شملت الاتفاقيات تعاوناً وثيقاً لتطوير أنظمة أسلحة متقدمة لمكافحة الطائرات المسيرة، وهو الدرس الذي تعلمته الجيوش من الصراعات الأخيرة في أوكرانيا والشرق الأوسط. وبحسب الوثائق، فإن هذه التحركات تعكس رغبة مشتركة في تقليل الاعتماد على الموردين الخارجيين وتعزيز القاعدة الصناعية الأوروبية.

قوة نووية مشتركة وميزانيات ضخمة

من المثير للاهتمام أن ننظر إلى الأرقام لندرك حجم هذا التحالف. بريطانيا وفرنسا هما القوتان النوويتان الوحيدتان في أوروبا، وتمثلان معاً ما يقرب من 40% من ميزانيات الدفاع للحلفاء الأوروبيين، وأكثر من 50% من الإنفاق الأوروبي على البحث والتكنولوجيا. هذه القوة المالية والتقنية هي التي دفعت البلدين للتوافق على تنسيق ترسانتيهما النوويتين لمواجهة التهديدات الكبرى التي قد تستهدف القارة.

لكن، لكي نكون دقيقين، أوضحت وثيقة إعلان لانكستر هاوس 2.0لندن أن هذا التنسيق هو "سياسي" وليس "عملياتي"؛ أي أن كل دولة تحتفظ بقرار إطلاق سلاحها النووي بشكل مستقل، لكنهما سيعملان على توحيد الرؤى والخطط الاستراتيجية لضمان ردع فعال.

توسيع الميدان: الفضاء، السيبرانية، والذكاء الاصطناعي

لم يكتفِ الزعيمان بالبر والجو والبحر، بل امتد الطموح إلى الفضاء والشبكات. اتفق الطرفان على تحقيق التوافق التشغيلي في اتصالات الأقمار الصناعية، وتطوير قدرات مشتركة في مراقبة الفضاء وأنظمة الاستخبارات (ISR) في المدارات الأرضية المنخفضة. تخيل الأمر وكأنه بناء "درع رقمي وفضائي" مشترك يحمي مصالح البلدين.

وفي المجال السيبراني، هناك مقايضة ذكية: بريطانيا ستدعم إنشاء "أكاديمية التدريب السيبراني" الفرنسية، وفي المقابل ستدعم فرنسا تأسيس "قيادة السيبرانية والكهرومغناطيسية" البريطانية الجديدة. هذا التكامل يهدف إلى جعل لندن وباريس القادة الفعليين في هذا المجال داخل حلف شمال الأطلسي (NATO)، خاصة مع دمج تقنيات الذكاء الاصطناعي في البحوث العسكرية المشتركة.

قوة مشتركة لمواجهة التهديدات الإقليمية

أما على الأرض، فقد تقرر تحويل "القوة الاستكشافية المشتركة" السابقة إلى القوة المشتركة المدمجة (Combined Joint Force). والهدف هنا هو زيادة القدرة القتالية لهذه القوة بمقدار خمسة أضعاف، لتكون بمثابة "الاحتياطي الاستراتيجي" لحلف الناتو، وقادرة على خوض حروب واسعة النطاق في المنطقة الأورو-أطلسية.

وبالنسبة لمكافحة الإرهاب، يظهر التحالف في أبهى صوره من خلال تعميق التنسيق ضد الجماعات الإرهابية في سوريا، وأفريقيا جنوب الصحراء، وآسيا الوسطى. وبصراحة، يبدو أن البلدين أدركا أن التهديدات العابرة للحدود لا يمكن مواجهتها بجهود فردية، بل بتحالف استخباراتي وعسكري عضوي.

الأسئلة الشائعة حول اتفاقية الدفاع البريطانية الفرنسية

ما الذي يميز اتفاقية "لانكستر هاوس 2.0" عن النسخة الأصلية لعام 2010؟

النسخة الجديدة تتجاوز التعاون العسكري التقليدي لتشمل مجالات حديثة مثل الفضاء، الأمن السيبراني، والذكاء الاصطناعي. بينما كانت اتفاقية 2010 تركز على السلاح النووي والتعاون التقليدي، تركز نسخة 2025 على "الاندماج الصناعي" وتطوير أسلحة الجيل القادم لضمان السيادة الأوروبية التكنولوجية.

هل ستدمج بريطانيا وفرنسا ترسانتيهما النوويتين في قوة واحدة؟

لا، الاتفاق ينص صراحة على أن الردع النووي لكل دولة يظل مستقلاً تماماً من الناحية العملياتية. التنسيق المتفق عليه هو تنسيق "سياسي واستراتيجي" فقط، مما يعني أن التخطيط لمواجهة التهديدات سيكون مشتركاً، لكن قرار التنفيذ يظل سيادياً لكل دولة.

ما هي أهمية برنامج الصواريخ FC/ASW الجديد؟

هذا البرنامج يهدف لإنتاج صواريخ كروز مضادة للسفن ذات مدى طويل وقدرة عالية على التخفي والنجاة. أهميته تكمن في كونه البديل الحديث لصواريخ "ستورم شادو" و"سكالب"، مما يمنح القوات الجوية للبلدين قدرة على ضرب أهداف استراتيجية في العمق بدقة فائقة.

كيف سيؤثر هذا التحالف على حلف الناتو؟

من خلال إنشاء "القوة المشتركة المدمجة" وزيادة قدرتها خمسة أضعاف، سيوفر التحالف البريطاني الفرنسي "احتياطياً استراتيجياً" قوياً للناتو. هذا يعزز من قدرة الحلف على الاستجابة السريعة والفعالة في المنطقة الأورو-أطلسية، ويقلل الاعتماد الكلي على الموارد الأمريكية.

1 التعليقات
  • Majd kabha
    Majd kabha

    خطوة استراتيجية ذكية لتعزيز الاستقلالية الأوروبية.

أضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول المطلوبة محددة*