الجنائية الدولية ترفض إلغاء مذكرات اعتقال نتنياهو وغالانت
وجهت المحكمة الجنائية الدولية ضربة قانونية قوية لإسرائيل بعدما رفضت طلباتها لإلغاء مذكرات الاعتقال الصادرة بحق رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو ووزير الدفاع السابق يوآف غالانت. هذا القرار يعني أن المذكرات لا تزال سارية المفعول وملزمة لـ 124 دولة موقعة على نظام روما الأساسي، مما يجعل تحرك المسؤولين الإسرائيليين في مساحة واسعة من العالم مخاطرة قانونية حقيقية.
بدأت القصة في 21 نوفمبر 2024، عندما أصدرت الدائرة التمهيدية الأولى في المحكمة مذكرات الاعتقال بتهم تتعلق بجرائم ضد الإنسانية وجرائم حرب ارتكبت في الفترة من 8 أكتوبر 2023 وحتى 20 مايو 2024. المثير في الأمر أن هذه هي المرة الأولى في تاريخ المحكمة الممتد لـ 22 عاماً التي تصدر فيها مذكرات اعتقال ضد مسؤولين رفيعي المستوى من حلفاء الغرب. الأمر ليس مجرد إجراء قانوني، بل هو تحول جذري في كيفية تعامل القضاء الدولي مع القوى الكبرى وحلفائها.
كواليس الصراع القانوني ومحاولات إسرائيل للمناورة
حاولت إسرائيل بكل الطرق وقف هذا القطار. بدأت المناورات في 26 سبتمبر 2024، حين قدمت تل أبيب طلبين للطعن في اختصاص المحكمة. في الطلب الأول، حاولت التشكيك في قدرة المحكمة على ممارسة ولايتها القضائية على "الوضع في دولة فلسطين" بشكل عام، وعلى المواطنين الإسرائيليين بشكل خاص. أما الطلب الثاني، فكان يهدف لإجبار الادعاء على تقديم إخطار جديد ببدء التحقيق، على أمل أن يؤدي ذلك إلى تعطيل الإجراءات.
لكن المحكمة كانت لها كلمة أخرى. تبين أن الادعاء كان قد أخطر إسرائيل ببدء التحقيقات منذ عام 2021، وعندما طُلب منها تقديم طلبات تأجيل، اختارت إسرائيل الصمت. لذا، قرر القضاة أن المعطيات لم تتغير، وأنه لا يوجد سبب لإعادة الإخطار أو وقف النظر في مذكرات الاعتقال. (يبدو أن الرهان على الثغرات الإجرائية لم يفلح هذه المرة).
قرارات حاسمة: لا مخرج قانونياً حالياً
في مايو 2024، طلبت إسرائيل سحب المذكرات ريثما يتم البت في مسألة الاختصاص، لكن المحكمة رفضت ذلك في 16 يوليو 2025، مؤكدة أنه "لا يوجد أساس قانوني" للإلغاء بينما لا تزال قضية الاختصاص قيد المراجعة. ولم تتوقف إسرائيل هنا، بل قدمت استئنافاً في 23 يوليو 2025، ليرد القضاة في حكم معقد من 13 صفحة بأن المسألة التي طرحتها إسرائيل "غير قابلة للاستئناف".
وفي تطور آخر في 27 نوفمبر 2024، استأنفت إسرائيل قرارين صدرا بالتزامن مع مذكرات الاعتقال. وبحلول 27 أبريل 2025، حسمت غرفة الاستئناف الجدل برفض طلب تعليق مذكرات الاعتقال. ورغم أن إسرائيل حققت "انتصاراً جزئياً" في أبريل 2025 عندما قررت غرفة الاستئناف أن الدائرة التمهيدية أخطأت في رفض تحديها للاختصاص وأمرتها بإعادة فحص الحجج بالتفصيل، إلا أن هذا الانتصار ظل حبراً على ورق فيما يخص الاعتقال؛ فالمذكرات ظلت نافذة والتحقيقات مستمرة.
تداعيات القرار على الساحة الدولية
الآن، يجد بنيامين نتنياهو ويوآف غالانت أنفسهم أمام واقع دبلوماسي معقد. جميع الدول الأعضاء في نظام روما، بما في ذلك كافة دول الاتحاد الأوروبي، ملزمة قانوناً باعتقالهم وتسليمهم للمحكمة في حال دخول أراضيها. هذا يعني أن السفر إلى عواصم أوروبية أو دول حليفة أصبح مرتبطاً بمخاطرة التوقيف في المطار.
لكن، وهنا تكمن العقدة، المحكمة الجنائية الدولية لا تملك قوة تنفيذية أو شرطة خاصة بها، كما أنها لا تعقد محاكمات غيابية. لذا، فإن تنفيذ هذه المذكرات يعتمد كلياً على الإرادة السياسية للدول. ومن جهتها، تواصل إسرائيل نكران كافة اتهامات جرائم الحرب وتصر على أن المحكمة لا تملك سلطة عليها.
السياق التاريخي والمقارنات القضائية
من المثير للاهتمام تذكر أن المحكمة أصدرت مذكرات اعتقال أيضاً ضد ثلاثة من قادة حركة حماس بسبب هجمات 7 أكتوبر 2023، لكن تلك المذكرات سقطت عملياً بعدما قتلتهم إسرائيل في عمليات عسكرية. الفرق هنا هو أن نتنياهو وغالانت لا يزالان في سدة الحكم أو في دائرة القرار، مما يجعل مذكرات اعتقالهم أداة ضغط سياسية وقانونية غير مسبوقة.
تؤكد المحكمة أن اختصاصها يمتد ليشمل الجرائم المرتكبة في فلسطين المحتلة، بما في ذلك قطاع غزة، والضفة الغربية، والقدس الشرقية. هذا التحديد الجغرافي هو ما ترفضه إسرائيل جملة وتفصيلاً، معتبرة إياه تجاوزاً لسيادتها.
الأسئلة الشائعة حول مذكرات اعتقال نتنياهو وغالانت
ماذا يعني رفض المحكمة لاستئناف إسرائيل عملياً؟
يعني ذلك أن مذكرات الاعتقال الصادرة في 21 نوفمبر 2024 تظل سارية المفعول وقانونية. لا يمكن للمسؤولين الإسرائيليين المطالبة بإلغائها بناءً على الحجج التي قدمتها إسرائيل مؤخراً، ويظل لزاماً على 124 دولة عضو في نظام روما اعتقالهم إذا دخلوا أراضيها.
هل يمكن لمحكمة الجنائية الدولية محاكمتهم غيابياً؟
لا، لا تملك المحكمة الجنائية الدولية صلاحية إجراء محاكمات غيابية. يجب أن يكون المتهم حاضراً في قاعة المحكمة لبدء إجراءات المحاكمة، وهذا هو السبب في أن تنفيذ مذكرات الاعتقال عبر الدول الأعضاء هو السبيل الوحيد لإيصالهم إلى القضاء.
ما هي التهم الموجهة لنتنياهو وغالانت تحديداً؟
يواجه المسؤولان تهم ارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية في قطاع غزة. تغطي هذه التهم الفترة الممتدة من 8 أكتوبر 2023 حتى 20 مايو 2024، بناءً على أدلة جمعها الادعاء تشير إلى مسؤوليتهم الجنائية عن انتهاكات جسيمة للقانون الدولي الإنساني.
كيف ردت إسرائيل على هذه المذكرات؟
رفضت إسرائيل هذه المذكرات جملة وتفصيلاً، وطعنت في اختصاص المحكمة الجنائية الدولية، مدعية أن المحكمة لا تملك ولاية قضائية على مواطنيها أو على الأراضي الفلسطينية. كما اتهمت المحكمة بالانحياز، وحاولت قانونياً تعليق المذكرات عبر عدة طلبات استئناف رُفض معظمها.
هل هناك أي انتصارات قانونية حققتها إسرائيل في هذه القضية؟
نعم، في 27 أبريل 2025، قررت غرفة الاستئناف أن الدائرة التمهيدية أخطأت في رفض تحدي إسرائيل للاختصاص القضائي وأمرتها بمراجعة الحجج الإسرائيلية بدقة. لكن هذا "الانتصار" إجرائي فقط ولم يؤدِ إلى إلغاء مذكرات الاعتقال أو وقف التحقيقات.