إلغاء مشروع مطار بغداد الدولي بقيمة 764 مليون دولار بسبب شبهات فساد

إلغاء مشروع مطار بغداد الدولي بقيمة 764 مليون دولار بسبب شبهات فساد

لم يكن خبر التوقيع على عقد ضخم لتطوير مطار بغداد الدولي مجرد إنجاز بنية تحتية، بل كان يمثل نقطة تحول تاريخية في علاقة العراق بالقطاع الخاص. لكن ما بدأ بحماس كبير وتغطية إعلامية واسعة، انتهى فجأة بإلغاء المشروع بالكامل. القرار جاء من مكتب رئيس الوزراء العراقي السابق محمد شياع السوداني (والذي تشير التقارير اللاحقة إلى أن السلطة انتقلت لاحقاً لـعلي الزيدي الذي أصدر أمر الإلغاء)، بعد ظهور ادعاءات حول وجود "شبهات فساد" في العقد المبرم مع ائتلاف دولي.

لنعد قليلاً إلى الوراء. في عام 2023، كانت الحكومة العراقية جادة في رغبة فتح أبواب الاستثمار أمام الشركات العالمية. المشكلة؟ الموازنة العامة كانت مثقلة بالأعباء، ولم يعد هناك مجال للاعتماد الكلي على الإيرادات النفطية لتمويل مشاريع البنية التحتية الضخمة. الحل؟ نموذج الشراكة بين القطاعين العام والخاص (PPP). الفكرة بسيطة نظرياً: المستثمر يمول ويبنى ويشغل، والحكومة تحصل على نسبة من الأرباح دون دفع قرش واحد upfront.

كيف وصلنا إلى رقم 764 مليون دولار؟

القصة بدأت فعلياً في 3 سبتمبر/أيلول 2023، عندما وقّعت الحكومة اتفاقية استشارية مع مؤسسة التمويل الدولية (IFC)، التابعة لمجموعة البنك الدولي. دور المؤسسة هنا لم يكن استثمارياً مباشراً، بل تقنياً وقانونياً: إعداد الهيكل، دراسة الجدوى، وإدارة المناقصة. هذا المشروع كان الأول من نوعه في قطاع الطيران العراقي، وأول تفويض من هذا النوع للـIFC في البلاد.

بعد سنوات من التحضير، وتحديد المواعيد النهائية للعطاءات في سبتمبر 2025، توصلت وزارة النقل إلى قائمة نهائية بأربعة ائتلافات قوية تقدمت بعروضها:

  • ائتلاف سعودي-صيني تقوده شركة "أسعاد هولدينغ" و"توب إنترناشونال".
  • ائتلاف تركي-بحريني-أيرلندي يضم "YDA" و"لامار" و"daa".
  • ائتلاف بريطاني-تركي تقوده "ERG International".
  • الفائز النهائي: ائتلاف يقوده كوربوراسيون أمريكا للمطارات (CAAP) المسجلة في لوكسمبورغ، بالشراكة مع الشركة العراقية أمواج إنترناشونال.

لماذا فازوا؟ المعيار الوحيد للحسم كان مالياً: من يدفع أعلى نسبة من الإيرادات السنوية للخزينة العراقية. عرض CAAP تضمن تخصيص 43.05% من إجمالي إيرادات المطار للدولة العراقية طوال فترة الامتياز البالغة 25 عاماً. الرقم كان جذاباً، والمبلغ الإجمالي للاستثمار المقدر بلغ 764 مليون دولار أمريكي، وهو مبلغ ضخم مقارنة بميزانية أي دولة عربية مجاورة.

التفاصيل الفنية: ماذا كان سيُبنى؟

لم يكن الأمر مجرد ترميم واجهات. الخطة كانت طموحة للغاية. بموجب العقد، كان الائتلاف الفائز مسؤولاً عن بناء صالة ركاب جديدة كلياً بطاقة استيعابية أولية تصل إلى 9 ملايين مسافر سنوياً، قابلة للتوسع لاحقاً إلى 15 مليوناً. كما يشمل المشروع تحديث المدارج، وتحسين أنظمة مكافحة الحرائق، وترقية أنظمة التهوية والتكييف (HVAC) لتلائم المعايير الدولية الصارمة.

الجانب الاجتماعي كان جزءاً من العقد أيضاً: اشتراط خلق 1000 فرصة عمل مباشرة لكل مليون مسافر إضافي يتعامل معه المطار. هذه ليست أرقاماً عشوائية؛ إنها محاولة واضحة لجعل المطار محركاً للاقتصاد المحلي وليس مجرد منفذ لحركة المسافرين فقط. النموذج المتبع هو "البناء والتشغيل ثم النقل" (BOT)، حيث تبدأ المرحلة الأولى بزيادة الطاقة إلى 8.5 مليون مسافر خلال ثلاث سنوات.

لماذا أُلغي المشروع؟

لماذا أُلغي المشروع؟

هنا تكمن المفاجأة التي هزت أركان قطاع الاستثمار في العراق. في 17 يونيو/حزيران 2026، أفاد تقرير متخصص بأن رئيس الوزراء علي الزيدي قرر إلغاء المشروع. السبب المعلن؟ "شبهات فساد". لكن التفاصيل بقيت غامضة بشكل مريب.

هل كان الفساد في اختيار الفائز؟ أم في بنود العقد التي تمنح 43% من الأرباح للدولة بينما تتحمل الشركة المخاطر التشغيلية الكاملة؟ أم أنه ضغط سياسي محلي خوفاً من هيمنة شركات أجنبية (لا سيما تلك المرتبطة بدول منافسة إقليمياً) على بوابة السماء العراقية؟ الأسئلة كثيرة، والإجابات قليلة حتى الآن.

ما هو مؤكد أن الإلغاء يترك أثراً سلبياً عميقاً على سمعة العراق كمستقبل استثماري. الشركات الدولية مثل CAAP، التي تدير أكثر من 50 مطاراً في أمريكا اللاتينية وأوروبا، لا تلغي عقوداً ضخمة إلا إذا تأكدت من جدوى مخاطرها. إلغاء العقد يعني إعادة النظر في كل آلية الشراكة التي بُنيت على مدى ثلاث سنوات بتوجيه من البنك الدولي.

آفاق المستقبل: هل سيعود المشروع للحياة؟

آفاق المستقبل: هل سيعود المشروع للحياة؟

المسار القانوني للإلغاء ليس بسيطاً. عادةً، عندما يتم إسناد عطاء رسمي عبر مؤسسة دولية مثل IFC، فإن الإلغاء يتطلب تعويضات أو إعادة طرح شفافة. السؤال الحقيقي: هل ستعيد الحكومة الطرح بنفس الشروط؟ أم أنها ستبحث عن نموذج مختلف أقل تعقيداً وأكثر قابلية للسيطرة المحلية؟

بغداد بحاجة ماسة إلى مطار حديث. الحركة الجوية تنمو، والسياحة تستعيد زخمها تدريجياً، والمنافسة الإقليمية (دبي، الدوحة، إسطنبول) شرسة. بدون مطار عالمي المستوى، ستبقى العراق خارج الخريطة الرئيسية للطيران العابر والاستثماري. الإلغاء الحالي قد يكون خطوة مؤقتة لإعادة ترتيب الأوراق، لكنه يحمل خطراً حقيقياً بأن تبقى الأبواب مغلقة لفترة أطول مما ينبغي.

أسئلة شائعة

ما هو سبب إلغاء مشروع تطوير مطار بغداد الدولي؟

أعلنت الحكومة العراقية إلغاء المشروع في يونيو 2026 بناءً على توصيات داخلية أشارت إلى وجود "شبهات فساد" في العقد المبرم مع ائتلاف CAAP وأمواج إنترناشونال. لم تُكشف تفاصيل محددة عن طبيعة هذه الشبهات، مما أثار تساؤلات حول الشفافية في عملية اتخاذ القرار السياسي.

من هي الشركة التي فازت بالعقد قبل إلغائه؟

فاز ائتلاف تقوده شركة "كوربوراسيون أمريكا للمطارات" (CAAP) المسجلة في لوكسمبورغ، بالشراكة مع الشركة العراقية "أمواج إنترناشونال". تم اختيارهم لأنهم قدموا العرض المالي الأعلى، حيث وافقوا على تحويل 43.05% من إجمالي إيرادات المطار السنوية لخزينة الدولة العراقية مقابل امتياز تشغيلي لمدة 25 عاماً.

كم تبلغ قيمة الاستثمار المتوقع في المطار؟

كانت القيمة الإجمالية للمشروع مقدرة بـ 764 مليون دولار أمريكي. هذا المبلغ كان سيتكفل به بالكامل القطاع الخاص دون أي تمويل مباشر من الموازنة الحكومية، وفقاً لنموذج الشراكة بين القطاعين العام والخاص (PPP) الذي اعتمدته الوزارة لتقليل العبء المالي على الدولة.

ما هي السعة الاستيعابية الجديدة للمطار؟

كانت الخطة تتضمن بناء صالة ركاب جديدة ترفع الطاقة الاستيعابية الأولية إلى 9 ملايين مسافر سنوياً، مع إمكانية التوسع في مراحل لاحقة لتصل إلى 15 مليون مسافر سنوياً. هذا التطوير كان يستهدف وضع مطار بغداد ضمن فئة المطارات الإقليمية الكبرى القادرة على استيعاب نمو حركة السفر التجارية والسياحية.

هل ستتأثر فرص العمل في قطاع الطيران العراقي بالإلغاء؟

نعم، بشكل مباشر. كان العقد ينص على خلق 1000 وظيفة مباشرة لكل مليون مسافر إضافي. مع إلغاء المشروع، تتوقف هذه الخطط التوظيفية الضخمة، مما يؤثر على سوق العمل المحلي المتخصص في إدارة المطارات والخدمات اللوجستية المرتبطة بها، ويعيد التأخير في تحديث البنية التحتية الحيوية.

4 التعليقات
  • Ahmed MSAFRI
    Ahmed MSAFRI

    إنه لأمرٌ مثيرٌ للسخريةِ للغاية أن نرى كيف تتحولُ المشاريعُ الكبرى، التي يُفترضُ أن تكونَ شواهدَ على التقدمِ الاقتصاديِّ والسياديِّ للدولِ النامية، إلى مجردِ مسرحياتٍ هزليةٍ تُعرضُ على الجمهورِ قبلَ أن تبدأ. إنَّ إلغاءَ مشروعٍ بقيمةِ سبعمئةٍ وأربعةٍ وستينَ مليونَ دولارٍ ليسَ حدثاً عابراً، بل هوَ مؤشرٌ خطيرٌ على غيابِ الاستقرارِ المؤسسيِّ وقصورِ الرؤيةِ الاستراتيجيةِ لدى صانعي القرار. لقد بنينا هذا المشروعُ على أساسِ الشراكةِ بينِ القطاعينِ العامِّ والخاصِّ، وهوَ نموذجٌ نظريٌّ مثاليٌّ في الكتبِ الأكاديمية، لكنهَ يتعثرُ في الواقعِ بسببِ البيروقراطيةِ المفرطةِ وشبهاتِ الفسادِ التي لا تنتهي. من المضحكُ المبكي أنَّ السببَ المعلنَ هوَ "شبهاتُ فساد"، دونَ أيِّ تفاصيلَ ملموسةٍ أوِ أدلةٍ قاطعة، مما يفتحُ البابَ واسعاً أمامَ التفسيراتِ السياسيةِ والمصالحِ الضيقة. يبدو أنَّ هناك خوفاً خفيّاً من هيمنةِ الشركاتِ الأجنبيةِ على البنيةِ التحتيةِ الحيوية، وكأنَّ المطاراتِ أصبحتْ ساحةَ معركةٍ جيوسياسيةٍ أكثرَ منها منشآتٍ خدمية. إنَّ الشركةَ الفائزة، CAAP، كانتِ تمتلكُ سجلاً حافلاً بإدارةِ أكثرَ من خمسينَ مطاراً حولَ العالم، مما يجعلُ الإلغاءَ قراراً جريئاً وغيرَ مدروسٍ على الإطلاق. بدلاً منِ استغلالِ هذه الفرصةِ لتحديثِ البنيةِ التحتيةِ ومجاراةِ المنافسينَ الإقليميينِ كدبيَ والدوحة، اختارتِ الحكومةُ طريقَ التأجيلِ والتأخير. هذا القرارُ سيكلفُ العراقَ غالياً ليسَ فقط من حيثِ المال، بل من حيثِ السمعةِ الدوليةِ والثقةِ الاستثمارية. المستثمرونَ لا يعشقونَ الغموضَ ولا يحبذونَ القراراتِ المتقلبةَ التي تأتيُ من العدم. إنَّ إعادةَ طرحِ المشروعِ مستقبلاً ستكونُ أصعبَ بكثير، خاصةً إذا لم تُعالجِ الأسبابَ الجذريةِ للمشكلة. يجبُ أن يكونَ هناك شفافيةٌ تامةٌ ومحاسبةٌ حقيقيةٌ لمن أفسدوا الصفقة، بدلاً منِ البحثِ عن كبشِ فداءٍ سريع. وإلا، فسنظلُّ ندورُ في حلقةِ مفرغةٍ من الوعودِ الكاذبةِ والأحلامِ المكسورة.

  • abdul mohammed
    abdul mohammed

    قرارٌ خاطئٌ تماماً 🤦‍♂️
    الفسادُ موجودٌ دائماً، لكنَّ هذاَ كانَ أفضلَ عرضٍ ممكن.
    نحتاجُ إلى مطارٍ عالميٍّ الآن، وليسَ نقاشاتٍ فلسفية 🏢💸

  • Samira Ramadhani
    Samira Ramadhani

    أتفقُ معكِ تماماً يا ساميرا، فالبنيةُ التحتيةِ ليستُ رفاهيةً بل ضرورةٌ اقتصاديةٌ حيوية. إنَّ تأخيرَ التحديثِ يعني فقدانَ فرصٍ استثماريةٍ كبيرةٍ لصالحِ منافسينا الإقليميين. ربما كانَ ينبغيَ التركيزُ على إصلاحِ آليةِ الرقابةِ الداخليةِ بدلاً منِ إلغاءِ العقدِ بالكامل، خاصةً وأنَّ الشروطَ الماليةَ كانتِ مجزيةً للدولة. آملُ أن تعودَ الأمورُ إلى نصابها قريباً عبرَ مسارٍ قانونيٍّ واضحٍ وعادلٍ لجميعِ الأطراف المعنية.

  • Hany Ain
    Hany Ain

    يا إلهي! 😱
    هذاَ الخبرُ صادَمٌ حقاً.
    تخيلوا: 764 مليونَ دولارٍ تبخَّرَت في الهواء!
    المطارُ الجديدُ كانَ سيكونُ بوابةً للسياحةِ والاقتصاد.
    لكنَّنا هنا... نتحدثُ عنِ الفسادِ مرةً أخرى.
    كلما تقدمنا خطوةً للأمام، تراجعنا خطوتينِ للخلف.
    الشركاتُ العالميةُ مثلُ CAAP لا تخاطرُ هكذا بلا سبب.
    إلغاءُ العقدِ يعني فقدانَ الثقةِ فوراً.
    منَ الذي سيتحمَّلُ تكلفةَ إعادةِ الطرح؟
    المواطنُ العراقيُّ بالطبع، كما هوَ الحالُ دائماً.
    نأملُ فقطَ ألا يستغرقَ الأمرُ سنواتٍ أخرى.
    العراقُ يحتاجُ إلى استقرارٍ سياسيٍّ قبلَ أيِّ شيءٍ آخر.
    بدونِ ذلك، ستبقى أحلامُ التطويرِ حبراً على ورق.
    لكنَّ الأملَ لا يجبُ أن يموتَ أبداً.
    ربما المرةَ القادمةَ سنكونُ أكثرَ حظاً وحكمةً.
    اللهمَّ اشفعنا منِ كلِّ سوءٍ وفساد.
    نتطلعُ إلى مستقبلٍ مشرقٍ رغمَ كلِّ العقبات.
    شكراً للمتابعةِ الدقيقةِ لهذا الملفِ المهم.
    ليستِ نهايةُ الطريق، بل بدايةُ مرحلةٍ جديدةٍ صعبة.
    لكنَّنا سنتعلمُ منِ أخطائنا يوماً ما.
    أو هكذا نتمنى على الأقل.

أضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول المطلوبة محددة*