الأردن يحذر من انفجار الضفة بعد حادثة إسعاف مأساوية
تحذير صريح وحاد أطلقه أيمن الصفدي, وزير الخارجية الأردني، يضع أصابع الاتهام مباشرة على السياسات الإسرائيلية التي تدفع المنطقة نحو "انفجار وشيك". ليس الأمر مجرد تصريحات دبلوماسية روتينية، بل هو جرس إنذار يقرعه الأردن في لحظة دقيقة جداً.
خلال لقائه بـأنطونيو غوتيريش, الأمين العام للأمم المتحدة في عمّان يوم الإثنين (27 يوليو 2026)، لم يخفِ الصفدي قلقه العميق. قال بوضوح: "الإجراءات الإسرائيلية الاستفزازية... تدفع الضفة الغربية نحو الانفجار". لكن ما يجعل هذا التحذير ثقيلاً ومؤثراً هو التزامنه مع حادثة إنسانية صادمة وقعت قبل ساعات قليلة فقط، كشفت عن وجه آخر للاحتلال لا يقل خطورة عن السياسة.
حاجز عورتا: حياة امرأة مقابل بيروقراطية عسكرية
هنا تكمن القصة الحقيقية خلف التصريحات السياسية. بينما كان المسؤولون يتبادلون الأدبيات الدبلوماسية، كانت سيارة إسعاف فلسطينية عالقة عند حاجز عورتا قرب نابلس. المسعف بشار قريوتي وصف المشهد لوكالة الصحافة الفرنسية بتفاصيل تجعل الدم يغلي في العروق.
امرأة حامل في شهرها السادس، تبلغ من العمر 28 عاماً، كانت فاقدة الوعي وتنزف بغزارة. حاول قريوتي تجاوز طوابير السيارات بإطلاق صفارة الإنذار، لكن جنوداً إسرائيليين خرجوا من برج مراقبة وأجبروه تحت تهديد السلاح على إطفاء المحرك. تخيلوا ذلك: أجهزة الأكسجين تتوقف، والنزيف يستمر، والمرأة تفقد جنينها داخل السيارة بسبب تأخير تجاوز الثلاثين دقيقة. هذه ليست أرقاماً إحصائية باردة، إنها قصة أم فقدت طفلها لأن بوابة حديدية أُغلقت بلا سبب مقنع.
المثير للدهشة أن الجيش الإسرائيلي نفى الحادثة جملة وتفصيلاً، واصفاً الادعاءات بأنها "كاذبة". لكن منظمة أطباء لحقوق الإنسان الإسرائيلية أكدت وجود تدهور خطير في الوصول للرعاية الصحية في منطقة نابلس، مشيرة إلى حالات ولادة أخرى تمت داخل سيارات الإسعاف أو عيادات صغيرة بسبب الإغلاقات العسكرية المستمرة منذ عملية "مكافحة الإرهاب" الأخيرة.
لماذا يحذر الأردن الآن تحديداً؟
لا تأتي تصريحات الصفدي من فراغ. هناك سياق أوسع يجب فهمه. منذ اندلاع الحرب في غزة في أكتوبر 2023، شهدت الضفة الغربية تصاعداً غير مسبوق في العنف. لكن الأحداث الأخيرة في قرية تل، حيث قتل أربعة فلسطينيين وإسرائيليان في مواجهات دموية، أشعلت فتيل التوتر مجدداً.
الصفدي اتهم الحكومة الإسرائيلية بشكل مباشر بممارسة "إرهاب المستوطنين" وتوسيع الاستيطان ومصادرة الأراضي. الأخطر من ذلك، برأيه، هو محاولة تغيير الوضع التاريخي والقانوني القائم في القدس ومقدساتها الإسلامية والمسيحية. بالنسبة للأردن، الذي يرعى المقدسات الإسلامية في القدس بموجب اتفاقية السلام، فإن أي مساس بهذا الوضع ليس مجرد خلاف سياسي، بل هو تهديد مباشر لشرعيته ودوره الإقليمي.
في منشور له على منصة إكس، ذهب الصفدي أبعد من ذلك محذراً من أن هذه الإجراءات قد تدفع المنطقة نحو "صراع كارثي آخر سترتد تداعياته إلى ما وراء الأراضي الفلسطينية المحتلة". كلمة "كارثي" هنا ليست مجاملة دبلوماسية؛ هي إشارة إلى احتمال اشتعال جبهات متعددة إذا استمر الضغط على الفلسطينيين دون أفق سياسي واضح.
الفجوة بين الواقع والخطاب الدولي
على الرغم من تحذيرات الصفدي وغوتيريش، يبقى السؤال المؤرق: هل سيحرك المجتمع الدولي ساكناً؟ دعوات الأردن "لتكاتف الجهود الإقليمية والدولية لإلزام إسرائيل" تبدو متكررة، لكن النتائج على الأرض تشير إلى العكس تماماً. استمرار الإغلاقات العسكرية، وتوسع المستوطنات، وعنف المستوطنين اليومي، كلها مؤشرات على أن الردع الدولي مفقود.
الحادثة الإنسانية عند حاجز عورتا تختصر المأساة بكاملها. نظام صحي ينهار أمام حواجز عسكرية، وحقوق أساسية تُنتهك تحت ذريعة الأمن، وسياسات تستفز الناس حتى يصبح الانفجار خياراً وحيداً أمامهم. التفاصيل لا تزال غامضة بشأن التحقيق الرسمي في حادثة الإجهاض، لكن الشهادات الميدانية واضحة وصريحة.
أسئلة شائعة حول التصعيد الحالي في الضفة الغربية
ما هي طبيعة الإجراءات الإسرائيلية التي ذكرها الوزير الصفدي؟
شملت الإجراءات التي انتقدها الصفدي عدة ممارسات ميدانية وسياسية مترابطة. أولاً، تصاعد "إرهاب المستوطنين" ضد القرى الفلسطينية خاصة في مناطق مثل نابلس وسلفيت. ثانياً، التوسع المستمر في بناء المستوطنات ومصادرة آلاف الدونمات من الأراضي الزراعية. ثالثاً، والأكثر حساسية، المحاولات المتكررة لتغيير الوضع القانوني والتاريخي للمسجد الأقصى والمواقع المسيحية في القدس، مما يُعتبر خرقاً لاتفاقية الوصاية الهاشمية.
كيف أثرت الحادثة عند حاجز عورتا على الموقف الدبلوماسي الأردني؟
حوّلت الحادثة الخطاب من تنظير سياسي إلى واقع ملموس ومؤلم. إجبار سيارة إسعاف على التوقف لسيدة حامل أدت إلى فقدان جنينها أعطى تحذيرات الصفدي مصداقية عاطفية وإنسانية قوية. بدلاً من الحديث عن انتهاكات مجردة للقانون الدولي، أصبح هناك دليل حي على كيف أن "الإغلاق العسكري" يقتل الناس حرفياً. هذا يعزز موقف الأردن في المطالبة بتحقيق دولي عاجل وليس مجرد بيانات شجب.
ما هو دور الأمم المتحدة في ظل هذه التطورات؟
زيارة الأمين العام أنطونيو غوتيريش لعمّان تعكس إدراكاً دولياً لحساسية الموقف. رغم أن الأمم المتحدة غالباً ما تكتفي بالدعوات لضبط النفس، إلا أن لقاء الصفدي-غوتيريش يهدف إلى تنسيق ضغط مشترك على مجلس الأمن. الأردن يسعى لتحويل الدعم اللفظي الأممي إلى آليات رقابة فعلية على الحواجز والمستوطنات، خاصة وأن تقارير المنظمات الحقوقية مثل "بتسيلم" و"أطباء لحقوق الإنسان" توفر أدلة دامغة يصعب تجاهلها دولياً.
هل هناك مخاطر حقيقية لانفجار شامل خارج حدود الضفة؟
تحذير الصفدي من "صراع كارثي" يشير إلى احتمالية امتداد التوتر. الأردن، بحكم موقعه الجغرافي واتفاقية سلامه، سيكون أول المتضررين من أي فوضى أمنية في الضفة. بالإضافة لذلك، قد تؤدي هذه الظروف إلى إعادة إشعال جبهات أخرى مرتبطة بقوى محور المقاومة، مما يجعل أي مواجهة محلية قابلة للتوسع إقليمياً بسرعة كبيرة إذا لم يتم احتواء الاستفزازات الحالية عبر تدخل سياسي حقيقي وليس عسكرياً فقط.