العراق ينفي انطلاق هجمات الخليج من أراضيه تفادياً لمواجهة
في خطوة تعكس حساسية دقيقة في العلاقات الإقليمية، اختارت بغداد الصمت الاستراتيجي بدلاً من الاعتراف الصريح. فالسلطات العراقية تتجنب الإقرار بأن الهجمات التي استهدفت دول الخليج المجاورة انطلقت فعلياً من الأراضي العراقية. لماذا؟ ببساطة، لتفادي "مواجهة مبكرة" لم تكتمل شروطها بعد. هذا ما كشفته صحيفة الشرق الأوسط في تقرير نشر يوم الخميس 30 يوليو 2026.
الأمر ليس مجرد إنكار عابر. المصادر التي نقلت عنها بوابة راصد نيوز أكدت أن الهدف من هذا الإنكار الرسمي هو تجنيب العراق تبعات مباشرة قد تشمل ضغوطاً عسكرية أو سياسية من دول الخليج العربي والمملكة الأردنية الهاشمية. هنا يكمن التوازن الدقيق: رفض علني للاعتداءات، وإنكار داخلي للمصدر الفعلي.
شرارة الأزمة: البيان الخليجي المشترك
لفهم الصورة كاملة، يجب العودة إلى الوراء قليلاً. بدأت الأمور تشتعل في 25 مارس 2026، عندما أصدرت خمس دول خليجية بالإضافة إلى الأردن بياناً مشتركاً من القاهرة. الدول المعنية كانت الكويت، الإمارات، السعودية، قطر، والأردن. المطالبة كانت واضحة وحازمة: "اتخاذ الإجراءات اللازمة لوقف فوري" للهجمات المنطلقة من العراق.
وضع هذا البيان بغداد تحت ضغط دبلوماسي خانق. ورداً على ذلك، سارعت وزارة الخارجية العراقية في اليوم التالي (26 مارس) لإصدار بيان رفض قاطع لأي اعتداء يطال جيرانها. لكن اللافت للنظر كان الربط الذكي الذي أجرته الوزارة بين أمن الخليج والأردن وبين الأمن القومي العراقي نفسه، مؤكدة أن استقرار المنطقة "مصلحة مشتركة للجميع".
الفصائل الموالية لإيران: الطرف الخفي في المعادلة
إذا كانت الحكومة تنفي، فمن يقف خلف هذه الهجمات؟ التقارير الإعلامية، بما فيها تلك الصادرة عن وكالة شينخوا و«يورونيوز»، تشير بإصبع الاتهام نحو «فصائل مسلحة موالية لإيران». جماعات مثل «سرايا أولياء الدم» تُذكر غالباً في هذا السياق، رغم أن التفاصيل الدقيقة لكل هجوم تبقى غامضة بعض الشيء.
هنا تظهر المعضلة الحقيقية لبغداد. فهي تريد طمأنة شركائها العرب، لكنها في الوقت ذاته تواجه واقعاً ميدانياً معقداً بوجود فصائل قوية لا تلتزم دائماً بقرارات المركز. النفي الرسمي إذن ليس كذباً بالضرورة، بل هو محاولة لشراء الوقت وترتيب الأوراق الداخلية قبل أي تصعيد محتمل.
الإجراءات الميدانية: البصرة والصحراء الغربية تحت المجهر
رغم الخطاب الدبلوماسي الهادئ، تحركت الآلة الأمنية العراقية بسرعة. تقارير موقع 964Media كشفت عن اجتماع أمني طارئ عقد في بغداد، أعقبه إعلان مكتب رئيس الوزراء (المشار إليه بلقب «الزيدي») عن تشكيل لجنة أمنية مشتركة.
- آليات رادعة: تم وضع آليات جديدة لمنع تكرار الخروقات.
- عقوبات شديدة: تهديد بفرض عقوبات صارمة على أي مسؤول أمني يثبت تقصيره في نطاق مسؤوليته.
- مناطق ساخنة: تركيز خاص على محافظة البصرة جنوباً والصحراء الغربية، باعتبارهما نقاط انطلاق محتملة للصواريخ أو المسيّرات.
التعليمات كانت صريحة: جاهزية القوات المسلحة لإحباط أي محاولة تستهدف دول الجوار، وعدم السماح باستخدام الأراضي العراقية كممر للاعتداء.
الرئيس آميدي: حسم الموقف في «حوار بغداد»
لم تكتفِ الحكومة بالإجراءات الأمنية، بل انتقلت الدبلوماسية إلى مستوى أعلى. في 22 أغسطس 2026، وخلال مشاركته في مؤتمر حوار بغداد الثامن الذي ينظمه المعهد العراقي للحوار، أكد الرئيس نزار آميدي موقف بلاده بشكل قاطع.
قال آميدي حرفياً إن العراق يرفض استخدام أراضيه منطلقاً لتنفيذ اعتداءات على دول الخليج. الرسالة كانت مزدوجة: للعرب مفادها أن العراق لن يكون ساحة للصراعات الإقليمية، وللداخل مفادها أن الدولة هي المسؤولة الوحيدة عن إدارة ملف السيادة. هذا التصريح يأتي ليضع حداً للتكهنات حول مدى جدية بغداد في ضبط إيقاع الفصائل.
ماذا يحدث الآن؟ توازن هش واستعداد مستمر
حتى تاريخ كتابة هذا التقرير، يبدو أن الاستراتيجية العراقية قائمة على "النفي النشط". أي نفي رسمي لانطلاق الهجمات من الداخل، مقرون بتعزيزات أمنية فعلية على الأرض. الأجهزة الأمنية تؤكد تنسيقها المستمر مع نظرائها في دول الجوار، ومستعدة لتلقي أي أدلة حول هجمات مستقبلية والتعامل معها "بشكل مسؤول وسريع".
يبقى السؤال الكبير: هل ستصمد هذه الهدنة الدبلوماسية أمام اختبار جديد؟ أم أن فصائل مثل «سرايا أولياء الدم» ستجد ثغرة أخرى لإطلاق صواريخها؟ العيون الآن شاخصة نحو البصرة والصحراء الغربية، حيث يمكن أن يتحول أي خرق بسيط إلى شرارة لحريق إقليمي أكبر.
أسئلة شائعة حول أزمة الهجمات من الأراضي العراقية
لماذا تنفي السلطات العراقية انطلاق الهجمات من أراضيها رغم الأدلة الميدانية؟
بحسب مصادر لصحيفة الشرق الأوسط، تهدف بغداد من وراء هذا النفي إلى تجنب "مواجهة مبكرة" لم تكتمل شروطها السياسية والعسكرية بعد. الاعتراف الرسمي قد يجبرها على اتخاذ إجراءات جذرية ضد فصائل مسلحة نافذة داخل البلاد، مما قد يؤدي إلى اضطرابات داخلية غير مرغوبة حالياً.
ما هي الدول التي طالبت العراق باتخاذ إجراءات فورية؟
في 25 مارس 2026، أصدرت خمس دول خليجية (الكويت، الإمارات، السعودية، قطر) بالإضافة إلى المملكة الأردنية الهاشمية بياناً مشتركاً من القاهرة. طالبوا فيه الحكومة العراقية باتخاذ تدابير ضرورية لوقف الهجمات التي تشن على الدول المجاورة انطلاقاً من الأراضي العراقية.
ما هي الإجراءات الأمنية التي اتخذتها بغداد لضبط الحدود ومنع الهجمات؟
شملت الإجراءات تشكيل لجنة أمنية مشتركة، ووضع آليات رادعة، وتوجيه تهديدات بفرض "عقوبات شديدة" على المسؤولين الأمنيين الذين تثبت تقصيرهم في مناطقهم. كما تم تكثيف المراقبة في نقاط استراتيجية مثل محافظة البصرة والصحراء الغربية لمنع إطلاق الصواريخ أو المسيّرات.
من هم المسؤولون عن تنفيذ هذه الهجمات وفقاً للتقارير؟
تشير التقارير الإعلامية، ومنها وكالات شينخوا ويورونيوز، إلى أن الهجمات نسبت إلى "فصائل مسلحة عراقية" موالية لإيران. ذُكرت أسماء محددة مثل جماعة "سرايا أولياء الدم" ضمن السياق العام للاتهامات، مما يعقد المشهد الداخلي للحكومة العراقية.
ما هو موقف الرئيس نزار آميدي من هذه الأزمة؟
خلال مؤتمر "حوار بغداد الثامن" في 22 أغسطس 2026، أكد الرئيس نزار آميدي رفض بلاده القاطع لاستخدام أراضيها منطلقاً لاعتداءات على دول الخليج. وشدد على ضرورة عدم تحويل العراق إلى ساحة للصراعات الإقليمية، مؤكداً حرص بغداد على حماية سيادتها وعلاقاتها الأخوية مع الجيران.
Abdullah Shaker
الموقف العراقي هنا ليس مجرد إنكار، بل هو محاولة يائسة للحفاظ على سيادة هشة وسط فوضى إقليمية متفاقمة.
لا يمكن فصل هذا الحدث عن السياق الأوسع للصراعات بالوكالة التي تعصف بالمنطقة منذ عقود. بغداد تدرك تماماً أن الاعتراف الصريح بمصدر الهجمات سيجبرها على اتخاذ إجراءات جذرية ضد فصائل مسلحة نافذة، وهو ما قد يؤدي إلى اضطرابات داخلية لا تحمد عقباها في الوقت الراهن.
البيان الخليجي المشترك من القاهرة كان رسالة واضحة وحازمة بأن دول الجوار لم تعد تقبل بسياسة "النفي النشط" كذريعة دائمة للتقصير الأمني. الضغط الدبلوماسي الذي مارسته الكويت والإمارات والسعودية وقطر والأردن وضع الحكومة العراقية أمام خيارين لا ثالث لهما: إما ضبط الفصائل الموالية لإيران فعلياً على الأرض، أو تحمل تبعات المواجهة العسكرية والسياسية المحتملة.
من المنطقي تماماً أن تلجأ بغداد إلى استراتيجية شراء الوقت، خاصة مع وجود تهديدات بفرض عقوبات شديدة على المسؤولين الأمنيين المقصرين. التركيز على البصرة والصحراء الغربية يعكس فهماً دقيقاً للنقاط الاستراتيجية التي قد تكون نقاط انطلاق للهجمات، لكن السؤال يبقى حول مدى جدية هذه الإجراءات الميدانية مقارنة بالخطاب الدبلوماسي الهادئ.
تصريحات الرئيس نزار آميدي في مؤتمر حوار بغداد الثامن جاءت لتؤكد هذا التوازن الدقيق بين رفض استخدام الأراضي العراقية للساحات الإقليمية وبين الحاجة الملحة لحماية الاستقرار الداخلي. العراق يحاول رسم خط أحمر جديد يقول للعرب وللداخل إنه الدولة هي المسؤولة الوحيدة عن إدارة ملف السيادة، لكن الواقع الميداني للفصائل المسلحة غالباً ما يتحدى هذه القرارات المركزية.
ما يحدث الآن هو اختبار حقيقي لقدرة الدولة العراقية على احتكار السلاح وفرض هيبتها. إذا استمرت الهجمات رغم التعزيزات الأمنية، فإن مصداقية بغداد ستواجه ضربة قاسية قد تؤثر على علاقاتها الاقتصادية والسياسية مع جيرانها الخليجيين.
نحن نشهد مرحلة انتقالية دقيقة تتطلب حساسية عالية في التعامل مع الملفات الشائكة. النفي الرسمي ليس كذباً بالضرورة، بل هو أداة دبلوماسية تستخدمها الدول عندما تكون خياراتها الفعلية محدودة جداً بسبب الضغوط الداخلية.
الأهم من ذلك كله هو ضرورة عدم تحويل العراق إلى ساحة مفتوحة للصراعات الإقليمية التي لا تخدم مصالح شعبه. الهدنة الحالية هشّة، وأي خرق بسيط في البصرة أو الصحراء الغربية قد يكون شرارة لحريق إقليمي أكبر يصعب إخماده لاحقاً.
لذلك، يجب على جميع الأطراف التحلي بالصبر والحكمة، والبحث عن حلول جذرية تعالج جذور المشكلة بدلاً من الاكتفاء بإطفاء الحرائع الصغيرة المتكررة.
إن استقرار المنطقة مصلحة مشتركة للجميع كما ذكرت الخارجية العراقية، وهذا يعني أن التعاون الأمني الحقيقي وليس الشكلي هو المفتاح الوحيد للخروج من هذه الحلقة المفرغة.
بغداد تحاول طمأنة شركائها العرب، لكنها تواجه واقعاً ميدانياً معقداً يتطلب وقتاً وجهداً كبيرين لترتيب الأوراق الداخلية قبل أي تصعيد محتمل.
التاريخ علمنا أن الإنكار المؤقت لا يحل المشاكل، بل يؤجلها فقط إلى موعد أكثر صعوبة وخطورة. لذلك، يجب أن تتبع الأقوال أفعال ملموسة على أرض الواقع.
العراق اليوم يقف عند مفترق طرق حاسم، واختياره الصحيح سيحدد شكل العلاقات الإقليمية لسنوات قادمة.
آمل أن تنجح الحكومة العراقية في ترجمة خطابها الدبلوماسي إلى إجراءات أمنية رادعة تمنع تكرار الخروقات وتحمي سيادة البلاد.
Rawan Halabi
الحقيقة دائماً نسبية، فما تسميه بغداد "نفي استراتيجي" يراه الآخرون "إنكار للواقع".
في فلسفة السياسة، الكذب الأبيض يصبح ضرورياً عندما تكون الحقيقة مدمرة للاستقرار. بغداد لا تكذب، بل تختار صمتاً مدروساً لتجنب زلزال داخلي قد يطيح بما تبقى من مؤسسات الدولة.
الفصائل المسلحة ليست أعداء للدولة فحسب، بل هي مرآة تعكس فشل المشروع الوطني في احتكار العنف. النفي إذن هو محاولة يائسة لإعادة تعريف الحدود بين "الدولة" و"الميليشيا".
دول الخليج تطالب بإجراءات فورية، لكن هل تملك بغداد فعلاً القدرة على تنفيذها دون إشعال حرب أهلية باردة؟ هذا سؤال وجودي يتجاوز الدبلوماسية التقليدية.
الرئيس آميدي يتحدث عن سيادة، لكن السيادة الحقيقية تبدأ من قدرة الدولة على منع صاروخ واحد من الخروج من صحرائها الغربية. كل صاروخ يسقط في الخليج هو صفعة لوجه السيادة المزعومة.
نحن نقف أمام مسرحية سياسية كلاسيكية، حيث الممثلون يعرفون النص، والجمهور يعرف أنه تمثيل، لكن الجميع يلعب دوره خوفاً من سقوط الستار قبل نهاية الفصل.
الهدنة الحالية ليست سلاماً، بل هي توقف مؤقت لعدّ الأنفاس قبل الجولة التالية من التصعيد الإقليمي.
العراق يدفع ثمن موقعه الجغرافي وثقله التاريخي، فهو الجسر الذي لا يريد أن ينهار تحت أقدام المتصارعين من الشرق والغرب.
ربما آن الأوان لأن تتحول لغة التهديدات والعقوبات إلى لغة بناء الثقة الحقيقية، بعيداً عن الحسابات الضيقة للمصالح الآنية.
في النهاية، التاريخ لا يرحم المترددين، وسيحكم على هذه المرحلة بأنها إما بداية الاستقلال الحقيقي للسيادة، أو استمرار التبعية للقوى الإقليمية.
Essam Hecker
كلنا نتفهم الضغط اللي عايشه العراق يا جماعة، بس لازم نحافظ على هدوئنا ونركز على الحلول مش الاتهامات.
المشكلة مو بس بالنفي أو الاعتراف، المشكلة الأساسية هي كيف ممكن نبني جسور ثقة حقيقية بين بغداد وجيرانها.
الإجراءات الأمنية اللي اتخدوها خطوة ممتازة، بس تحتاج متابعة مستمرة ودعم من كل الأطراف المعنية.
لو كل دولة ركزت على مصلحتها المشتركة في الاستقرار بدل ما تركز بس على ردود الأفعال، كانت الأمور صارت أسهل بكثير.
خلونا نكون واقعيين، الفصائل المسلحة جزء من المعادلة، ومحاولة تجاهلها بالكامل ما رح تنفع على المدى الطويل.
الحل يكمن في الحوار البناء والتعاون الأمني الفعلي، مش بس البيانات الصحفية والتصريحات الرسمية.
أنا متأكد إن الشعب العراقي والجيران الخليجيين يستاهلون حياة أفضل وأهدى، وهذي مسؤولية مشتركة علينا جميعاً.
خلينا ندعم أي جهد بيساعد على تهدئة الأوضاع وتقليل التوترات في المنطقة.
الصبر والحكمة هما المفتاح لتجاوز هذي المرحلة الحساسة بأقل خسائر ممكنة.
ما في داعي للتصعيد الكلامي، خلينا نخلي العقل يغلب العاطفة في مثل هذي القضايا المعقدة.
التعاون الإقليمي هو اللي بيحقق الأمن والاستقرار للجميع، بدون استثناء.
يارب تتكلل جهود الجميع بالنجاح وتستقر الأمور قريباً.
خلينا نتذكر إننا جيران ولازم نعيش مع بعض بسلام واحترام متبادل.
الحلول الوسط هي اللي بتنجح عادةً في حل النزاعات المعقدة زي هذي.
أتمنى من الجميع التركيز على المستقبل بدلا من الغرق في تفاصيل الماضي القريب.