الحشد الشعبي في العراق: من فتوى الجهاد الكفائي إلى أزمة السيادة
تخيّل لحظة سقوط الموصل في يونيو/حزيران 2014؛ كانت الفوضى تعمّ البلاد والجيش العراقي ينهار أمام زحف تنظيم الدولة الإسلامية. في تلك اللحظة الحرجة، لم يكن هناك جيش كافٍ، فخرج العراقيون من بيوتهم. هذا هو الجوهر البسيط لتأسيس الحشد الشعبي، القوة التي غيّرت خريطة الأمن في العراق جذرياً.
لكن ماذا حدث بعد ذلك؟ تحولت هذه الميليشيات الطوعية إلى قوة نظامية ضخمة تضم عشرات الفصائل، وأصبحت لاعباً سياسياً واقتصادياً لا يمكن تجاهله. اليوم، يقف العراق أمام مفترق طرق حاسم: هل يبقى الحشد كذراع موازية للدولة، أم يندمج ضمن هيكل أمني موحّد؟
من فتوى دينية إلى مؤسسة عسكرية رسمية
القصة بدأت فعلاً في 13 يونيو/حزيران 2014، عندما أصدر المرجع الشيعي الأعلى آية الله علي السيستاني فتوى "الجهاد الكفائي". لم تكن مجرد دعوة، بل كانت أمرًا شرعياً لكل قادر على حمل السلاح للتطوع دفاعاً عن الوطن. استجابةً لذلك، شكل رئيس الوزراء آنذاك نوري المالكي لجنة وزارية لإدارة الأزمة، وأعلن في 11 يونيو/حزيران 2014 عن إنشاء "مديرية الحشد الشعبي".
لم يستمر الأمر عند حدود التطوع العشوائي. بحلول عام 2016، وبعد تصويت مجلس النواب، صدر القانون رقم (40) لسنة 2016 والأمر الديواني رقم (91)، ليصبح الحشد الشعبي هيئة رسمية تتمتع بالشخصية المعنوية وتكون جزءاً لا يتجزأ من القوات المسلحة العراقية، مرتبطة مباشرة بالقائد العام للقوات المسلحة (رئيس الوزراء). هذا التحول القانوني منح الحشد شرعية كاملة، لكنه فتح الباب أيضاً لسؤال أكبر: من يتحكم فعلياً بهذه القوة؟
الأرقام والنفوذ: أكثر من مجرد مقاتلين
الأرقام تتحدث عن حجم هائل. في عام 2014، كان العدد حوالي 60 ألف مقاتل. لكن بحلول عام 2022، ادعت المصادر الرسمية أن الرقم ارتفع إلى 230 ألفاً، وتقديرات أخرى لوكالة اللجوء الأوروبية (EUAA) تشير إلى نطاق بين 204,000 و238,000 مقاتل مسجلين. الأهم من العدد هو الميزانية؛ فقد تجاوزت ميزانية الحشد الشعبي 3.4 مليار دولار أمريكي في عام 2024، مقارنة بـ 2.8 مليار دولار في 2023. هذه ليست أرقاماً صغيرة لدولة مثل العراق، مما جعل للحشد نفوذاً اقتصادياً وسياسياً يتجاوز دوره العسكري.
- التكوين: يضم نحو 67 فصيلة، معظمها شيعية، مع وجود أقلية سنية ومسيحية وإيزيدية.
- المهام الحالية: انتقلت من المعارك الكبرى ضد داعش إلى ملاحقة الخلايا النائمة، تأمين الحدود، وحماية المواقع الدينية.
- الجدل الدائر: اتهامات من منظمة العفو الدولية بارتكاب جرائم حرب وإعدامات عشوائية خلال عمليات التحرير، ودور في قمع احتجاجات أكتوبر/تشرين الأول 2019.
أزمة السيادة: بين بغداد وطهران وواشنطن
هنا تكمن العقدة الحقيقية. يرى معهد "كارنيغي" أن الحشد ينقسم أيديولوجياً إلى ثلاث كتل رئيسية: موالية للمرشد الإيراني علي خامنئي، وأخرى للشيخ مقتدى الصدر، وثالثة تتبع المرجعية العليا في النجف. هذا الانقسام يجعل من الصعب على الحكومة المركزية فرض سيطرة موحدة. في المقابل، يحذر معهد "واشنطن" من أن بعض القيادات العليا في الحشد مصنفة إرهابية أمريكياً، مما يجعل العلاقة مع واشنطن متوترة باستمرار.
في نوفمبر/تشرين الثاني 2025، أشعل وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو فتيل التوتر مجدداً أثناء اتصاله برئيس الحكومة، مطالباً بنزع سلاح الميليشيات التي تتهمها واشنطن بسرقة موارد العراق لصالح إيران. هذا الضغط الخارجي يصادف تحركات داخلية مثيرة للاهتمام.
ما الذي يحدث الآن؟ مشروع القانون الجديد ووزارة الأمن الاتحادية
بحسب تقارير حديثة من بغداد، يناقش البرلمان العراقي مشروع قانون جديد يمنح الحشد استقلالية أكبر كمؤسسة أمنية قائمة بذاتها، بعيداً عن وزارتي الدفاع والداخلية. لكن المفاجأة الأكبر جاءت من مصادر حكومية كشفت عن بحث جاري لإنشاء "وزارة الأمن الاتحادية" جديدة. الفكرة هي دمج جميع التشكيلات المسلحة غير النظامية، بما فيها الحشد الشعبي وقوات البشمركة، تحت مظلة واحدة لضمان وحدة القرار الأمني.
المسألة ليست تقنية فحسب، بل سياسية بالدرجة الأولى. الأحزاب الشيعية الفائزة في الانتخابات الأخيرة تنتظر إجماعاً داخلياً وموافقة إيرانية، فضلاً عن تسوية مع الولايات المتحدة. الخيار المطروح حالياً هو إما دمج أفراد الحشد في الجيش والشرطة، أو الحفاظ على وحداتهم الكاملة ولكن تحت رقابة صارمة. القرار النهائي سيحدد مستقبل التوازنات السياسية في العراق لعقد قادم.
أسئلة شائعة حول الحشد الشعبي
ما هو الفرق بين الحشد الشعبي والجيش العراقي؟
الجيش العراقي هو القوة النظامية الرئيسية للدفاع الوطني بقيادة وزارة الدفاع. أما الحشد الشعبي فهو قوة رديفة تشكلت أصلاً لمواجهة الإرهاب، وتخضع قانونياً للقائد العام للقوات المسلحة (رئيس الوزراء) وليس لوزارة الدفاع مباشرة، مما يمنحه درجة من الاستقلالية الإدارية والمالية الخاصة به.
كم يبلغ عدد مقاتلي الحشد الشعبي حالياً؟
تتراوح التقديرات الرسمية بين 204,000 و238,000 مقاتل مسجل حتى عام 2025. هذا الرقم يشمل الفصائل المختلفة التي تندرج تحت مظلة هيئة الحشد الشعبي، وهو يمثل نسبة كبيرة من إجمالي القوى الأمنية في البلاد.
هل يتبع الحشد الشعبي لإيران فعلاً؟
رغم كونه جزءاً رسمياً من القوات المسلحة العراقية، تشير تحليلات دولية مثل معهد كارنيغي ومعهد الحرب الحديث إلى أن فصائل محددة داخل الحشد تأخذ أوامرها بشكل عملي من طهران. هذا النفوذ يؤثر على قرارات سياسية وعسكرية، ويجعل من ملف الحشد نقطة احتكاك دائمة بين العراق وإيران والولايات المتحدة.
ما هو مصير مشروع "وزارة الأمن الاتحادية"؟
المشروع ما زال في مرحلة النقاش والتبادل وجهات النظر بين القيادات الأمنية والسياسية. الهدف هو توحيد جميع التشكيلات المسلحة غير المدرجة ضمن الجيش والشرطة التقليديين تحت وزارة واحدة. لم يصدر قرار نهائي بعد، ويعتمد نجاحه على توافق سياسي شيعي ودعم خارجي، خاصة من الولايات المتحدة التي تطالب بإصلاحات أمنية حقيقية.
Shatha Goorm
اللي يقرأ المقال ويظن ان الموضوع بسيط فهو مخطئ تماماً
الحشد مش مجرد ميليشيا بل هو معقد اجتماعي وسياسي عميق
في السعودية عندنا تجربة مختلفة لكن الفكرة واحدة وهي كيف نوازن بين الأمن والسيادة
latifah rokhmah
من المهم جداً أن نفهم السياق التاريخي الذي أدى إلى ظهور هذه القوة، فليس من الإنصاف الحكم عليها دون النظر إلى الظروف الاستثنائية التي مر بها العراق في عام 2014 عندما كان الجيش النظامي شبه منهار أمام زحف تنظيم الدولة الإسلامية.
ما يثير الانتباه حقاً هو التحول القانوني السريع من فتوى دينية طارئة إلى مؤسسة رسمية ذات ميزانية ضخمة تتجاوز مليارات الدولارات، مما يجعلها لاعباً اقتصادياً بقدر ما هي عسكري، وهذا التداخل بين المال والسلاح هو ما يعقد المشهد السياسي الحالي بشكل كبير ويجعل أي محاولة لإصلاحه صعبة للغاية.
Essam Hecker
أرى أن المشكلة ليست في وجود الحشد بحد ذاته بل في غياب الرؤية الموحدة للدولة العراقية
كل طرف يريد استخدام هذه القوة كأداة ضغط على الآخر
الحل يكمن في دمج تدريجي يحفظ كرامة المقاتلين ويضمن وحدة القرار الأمني تحت سيطرة بغداد فقط
Rawan Halabi
إن السيادة ليست مجرد كلمة تُقال في القاعات المغلقة، بل هي جوهر الوجود الوطني الذي يتآكل ببطون حين تصبح القرارات الأمنية رهينة مصالح إقليمية متضاربة.
ما يحدث في العراق اليوم هو امتداد لمعاناة أعمق تتعلق بهوية الدولة الحديثة وقدرتها على احتواء تنوعاتها الداخلية دون أن تستعمرها قوى خارجية أو داخلية متطرفة.
الحشد الشعبي يمثل مرآة عاكسة لتلك التناقضات؛ فمن جهة هو درع حامي للوطن ومن جهة أخرى هو ذراع ممتدة لأجندات قد لا تتوافق مع الإرادة الشعبية العامة.
المسألة الفلسفية هنا تكمن في تعريف الولاء: هل هو لراية الدولة أم لفصيل سياسي أم لمرجع ديني؟
إجابة هذا السؤال ستحدد مصير العقد الاجتماعي العراقي لعقود قادمة.
فإذا بقيت هذه التشكيلات خارج الإطار المؤسسي الموحد، فإننا سنظل ندور في حلقة مفرغة من التوترات الأمنية والسياسية التي تخدم مصالح الخارج أكثر من الداخل.
إن بناء دولة حديثة يتطلب شجاعة استثنائية لإعادة هيكلة القوى المسلحة وتحويلها إلى مؤسسات مهنية تخضع للمساءلة القانونية.
وهذا التحول لن يكون سهلاً لكنه ضروري لضمان استقرار مستدام لا يعتمد على توازنات القوى الهشة.
Abdalla Kassim
بصراحه الموضوع معقد جدا وانا شخصيا شايف انه ما فيه حل سحري
الايران لها يد طويله في المنطقة والعراق جزء اساسي من تلك المعادله
لكن اللي يقلقني هو ان الناس العاديين هم اللي يدفعون الثمن في النهايه
مهما كانت المشاريع السياسيه الجديد مثل وزاره الامن الاتحاديه فانها تحتاج وقت طويل لتنفيذها
والوضع الراهن خطير ومفتوح على كل الاحتمالات