العراق للخليج: قدموا أدلة على هجمات المسيّرات قبل التدويل
تواجه الحكومة العراقية الآن جبهة مزدوجة؛ أمنية وسياسية، بعد أن تصاعدت اتهامات من عدة دول خليجية بانطلاق هجمات بطائرات مسيّرة من الأراضي العراقية. وفي خطوة دبلوماسية حازمة، طالبت بغداد نظيراتها في الخليج بتقديم "أدلة تقنية واستخباراتية" قاطعة تثبت هذه الاتهامات، بدلاً من الاكتفاء بالتهم العامة التي تهدد مسار الانفتاح الاقتصادي والدبلوماسي الذي بنته العراق مع المنطقة خلال السنوات الأخيرة.
لكن الأمر لا يتعلق فقط بكلمات. ففي الرابع من مارس 2026، استدعت دولة الكويت القائم بالأعمال العراقي لتقديم احتجاج رسمي حول هجمات شنتها فصائل مسلحة من داخل الحدود العراقية. ولم تبقَ الكويت وحدها؛ فقد تبعتها كل من مملكة البحرين والمملكة العربية السعودية بإجراءات دبلوماسية مماثلة، مما يشير إلى تنسيق إقليمي غير مسبوق في التعامل مع هذا التهديد الأمني المتصاعد.
مأزق سياسي وأمني: بين الانفتاح والتهديدات
هناك شيء غريب يحدث هنا. فمن جهة، تسعى بغداد جاهدة لتعزيز روابطها الاقتصادية والسياسية مع المنظومة الخليجية. ومن جهة أخرى، تجد نفسها محاصرة بتهم خطيرة قد تدفع هذه الدول إلى خيار "التدويل"، أي رفع الملف إلى منصات دولية أو هيئات أمانٍ عالمية لمعاقبة العراق أو عزلته دبلوماسياً.
يشير تقرير لـ"الحرة" إلى أن الحكومة العراقية تقف أمام "مأزق سياسي وأمني مزدوج". الضغوط ليست رخيصة الثمن. فأي تأخير في الرد أو عدم تقديم تفسيرات مقنعة قد يكلف العراق فرصاً استثمارية ضخمة كانت متوقعة في قطاع الطاقة والبنية التحتية. المخاوف حقيقية: هل ستتحول هذه الأزمة الأمنية إلى حاجز يعيق الاستثمار الخليجي في العراق؟
المطالبة بالأدلة: رد فعل بغداد
رد بغداد لم يكن سلبياً. وفقاً لصحيفة "الأخبار" اللبنانية، فإن الموقف الرسمي العراقي يصر على أن الاتهامات يجب أن تكون مدعومة بأدلة ملموسة. "أعطونا أدلة تقنية واستخباراتية"، كان هذا هو الجواب الموجه للجهات الخليجية. هذا الطلب يعكس محاولة عراقية للتحكم في السرد الإعلامي والأمني للأزمة، وتجنب الوقوع في فخ التهم غير المؤكدة التي قد تستخدم لأغراض سياسية ضد الفصائل المسلحة المحلية.
في نفس الوقت، كشفت قناة i24NEWS عن خطوات عملية اتخذتها بغداد. لم يقتصر الأمر على الدبلوماسية؛ بل أطلقت الحكومة مراجعة شاملة لمنظومتها الدفاع الجوي. لماذا؟ لأن الاتهامات تشير إلى عجز واضح في مراقبة الأجواء العراقية ومنع انطلاق هذه المسيّرات. تكثيف التنسيق الأمني مع دول الخليج أصبح ضرورة ملحة، ليس فقط لإرضاء الشركاء الإقليميين، بل لحماية السيادة العراقية نفسها من تحول أراضيها إلى منصة لهجمات إقليمية.
الغموض الداخلي: من يقف وراء الهجمات؟
لكن القصة لها وجه آخر داخلي. بينما تتبادل الأطراف الخارجية الاتهامات، تظل الهوية الحقيقية للمتورطين في الهجمات الداخلية غامضة. أفاد "مركز الإمارات للسياسات" بأن الحكومة العراقية لم تكشف حتى الآن عن هوية الجهات المسؤولة عن هجمات المسيّرات المفخخة التي استهدفت أهدافاً عسكرية حساسة، ومطارات، ومنشآت نفطية داخل البلاد.
هذا الصمت الحكومي الداخلي يزيد من تعقيد الموقف. إذا لم تستطع بغداد تحديد من يهاجم أهدافها الحيوية داخل حدودها، فكيف يمكنها إثبات براءة نفسها للهجوم الخارجي؟ هذا السؤال هو جوهر المأزق. الفصائل المسلحة، التي تُنسب إليها بعض الهجمات في تقارير "الحرة"، تبقى ظلالاً تحوم فوق المشهد الأمني العراقي، مستفيدة من الغموض لتوسيع نفوذها أو إرسال رسائل سياسية دون تحمل المسؤولية المباشرة.
آفاق مستقبلية: هل سنشهد تدويلاً للأزمة؟
ما الذي سيحدث بعد؟ الخيارات محدودة وخطيرة. إذا استمرت الهجمات دون توضيح مسؤوليتها، فقد تلجأ دول الخليج بالفعل إلى "التدويل" كما حذر التقرير. هذا يعني ضغطاً دولياً على العراق قد يشمل عقوبات أو عزلة دبلوماسية، وهو سيناريو تكرهه بغداد ودول الخليج على حد سواء بسبب تبعاته الاقتصادية.
من ناحية أخرى، هناك مؤشرات على محاولة احتواء الأزمة عبر القنوات الأمنية المشتركة. المراجعة الدفاعية العراقية وزيادة التنسيق قد تؤدي إلى آلية مشتركة لمراقبة الأجواء، مما يقلل من فرص الهجمات المستقبلية ويبني ثقة جديدة. لكن الوقت ضيق، وكل يوم يمر بهجوم جديد يزيد من حدة التوتر ويقلل من مساحة الحلول الدبلوماسية الهادئة.
أسئلة شائعة حول أزمة المسيّرات العراقية-الخليجية
لماذا تطالب العراق بتقديم أدلة تقنية من دول الخليج؟
تطالب بغداد بالأدلة التقنية والاستخباراتية للدفاع عن سمعتها الدولية ولتجنب تحميلها مسؤولية هجمات قد لا تكون تحت سيطرتها المباشرة. بدون أدلة قاطعة مثل بيانات تتبع الطائرات أو صور الأقمار الصناعية، يصعب على الحكومة العراقية اتخاذ إجراءات قانونية أو أمنية دقيقة ضد الفصائل المشتبه بها، كما أن ذلك يحمي العلاقات الدبلوماسية من التصعيد غير المبرر.
ما المقصود بـ"التدويل" في سياق هذه الأزمة؟
يشير مصطلح "التدويل" إلى احتمال لجوء دول الخليج إلى هيئات دولية مثل الأمم المتحدة أو منظمات الأمن الإقليمية لعرض ملف الهجمات المنسوبة للعراق. الهدف من ذلك هو ممارسة ضغط دولي على بغداد لضمان وقف الهجمات ومحاسبة المسؤولين، مما قد يؤدي إلى عزلة دبلوماسية أو اقتصادية للعراق إذا لم يستجب للمطالب الإقليمية.
كيف أثرت الأزمة على العلاقات الاقتصادية العراقية-الخليجية؟
تُثير الأزمة مخاوف جدية بشأن مستقبل الاستثمارات الخليجية في العراق، خاصة في قطاعات الطاقة والبنية التحتية التي تعتمد على الاستقرار الأمني. أي تصعيد إضافي قد يؤدي إلى إعادة تقييم المخاطر من قبل المستثمرين الخليجيين، مما يبطئ وتيرة الانفتاح الاقتصادي الذي عملت عليه بغداد خلال السنوات الأخيرة ويعزز الحذر المالي في التعامل مع المشاريع المشتركة.
ما الإجراءات العملية التي اتخذتها الحكومة العراقية رداً على الاتهامات؟
أطلقت الحكومة العراقية مراجعة شاملة لمنظومتها الدفاع الجوي لتحسين قدرات الرصد والتصدي للهجمات. بالإضافة إلى ذلك، كثفت بغداد التنسيق الأمني المباشر مع دول الخليج لمشاركة المعلومات الاستخباراتية ومنع تكرار الهجمات. هذه الخطوات تهدف إلى معالجة الثغرات الأمنية وإظهار حسن النية في التعاون الإقليمي، رغم استمرار الغموض حول هوية المهاجمين الداخليين.