628 منظمة تطالب الأمم المتحدة بإنهاء إقصاء النساء من مفاوضات السلام
في تحرك دبلوماسي واسع النطاق، وجهت 628 منظمة من المجتمع المدني رسالة مفتوحة إلى الدول الأعضاء في الأمم المتحدة في 8 أكتوبر 2024، تطالب بإنهاء حقبة تهميش النساء في عمليات صنع السلام. هذه الصرخة الجماعية، التي انطلقت من 110 دول، تأتي في توقيت حساس للغاية، حيث تسبق المناقشة المفتوحة التي سيجريها مجلس الأمن حول أجندة المرأة والسلام والأمن والمقررة في أكتوبر 2024. الأمر لا يتعلق فقط بتمثيل شكلي، بل بمطالبة صريحة بأن تكون النساء شريكات أساسيات في صياغة الاتفاقيات التي تحدد مصير الشعوب، خاصة وأن العالم يقف على أعتاب الذكرى الخامسة والعشرين لدورة الجمعية العامة للأمم المتحدة.
الحقيقة المرة التي كشفتها الرسالة هي أننا نعيش في زمن يتسم بزيادة مرعبة في النفقات العسكرية وتصاعد النزاعات المسلحة، وهو ما يهدد بمسح عقود من المكاسب التي حققتها النساء في حقوقهن الأساسية. وهنا تكمن المعضلة؛ فبينما تشتعل الحروب، تظل طاولة المفاوضات حكراً على الرجال، رغم أن النساء والفئات المهمشة هن من يدفعن الثمن الأكبر من خلال العنف الجنسي، والفقر، والنزوح القسري، والجوع.
شرط أساسي: لا سلام بدون تمثيل نسائي حقيقي
تضع الرسالة التي أصدرتها مجموعة عمل المنظمات غير الحكومية المعنية بالمرأة والسلام والأمن شرطاً حازماً أمام المجتمع الدولي: يجب ألا تدعم الأمم المتحدة أو تيسّر أي عملية سلام سياسية تستبعد النساء. الأمر هنا يتجاوز مجرد حضور بعض السيدات في القاعات؛ المطالب تركز على "المشاركة المباشرة والمعنوية" في المسارات الرسمية (Track-One)، بحيث تملك المدافعات عن حقوق الإنسان وبانيات السلام قدرة فعلية على التأثير في نتائج المفاوضات وكيفية تنفيذها على أرض الواقع.
وبحسب ما ورد في الوثيقة، فإن إقصاء النساء ليس مجرد خطأ إداري، بل هو ثغرة أمنية تضعف استدامة السلام. فالتجارب الدولية أثبتت أن الاتفاقات التي تشارك النساء في صياغتها تكون أكثر شمولاً وأطول عمراً. لذا، فإن الضغط الحالي يهدف إلى تحويل هذه الممارسة من "خيار إضافي" إلى "متطلب أساسي" غير قابل للتفاوض.
أزمات إنسانية ومطالبات بالعدالة الجنائية
لم تكتفِ المنظمات الموقعة بالمطالبة بمقاعد على الطاولة، بل انتقلت إلى تفاصيل المعاناة الميدانية. دعت الرسالة إلى ضرورة وجود عمل إنساني يستجيب للنوع الاجتماعي، تقوده جهات محلية تدرك احتياجات النساء في مناطق النزاع. كما شددت على ضرورة ضمان الوصول الآمن وغير المقيد للمساعدات الإنسانية لجميع الفئات بغض النظر عن التنوع أو النوع، وفقاً لما يفرضه القانون الدولي الإنساني.
أما فيما يخص المحاسبة، فإن النبرة كانت شديدة الوضوح. هناك مطالبة بضرورة الإدانة العلنية والتحقيق الفوري في كافة الانتهاكات الموجهة ضد حقوق المرأة، بما في ذلك العنف الجنسي المرتبط بالنزاعات. الرسالة تقول بوضوح: لا يمكن تحقيق سلام مستدام بينما يظل الجناة بعيدين عن يد العدالة، خاصة أولئك الذين استهدفوا المدافعات عن حقوق الإنسان لإسكاتهن.
دعم الحركات النسوية وحماية الحقوق الصحية
تعتبر المنظمات الموقعة أن دعم الحركات النسوية هو "جوهر" أجندة المرأة والسلام والأمن. وفي هذا السياق، طالبت الأمم المتحدة والدول الأعضاء بتبني نهج "التسامح الصفرى" تجاه أي هجوم أو ترهيب أو انتقام يطال النساء بسبب مشاركتهن السياسية أو تعاونهن مع آليات الأمم المتحدة. (من المثير للاهتمام أن هذه المطالب تأتي في وقت تشهد فيه العديد من الدول تراجعاً في الحريات المدنية للنساء).
ولم تغفل الرسالة الجانب الصحي، حيث دعت الدول إلى تقديم دعم مالي وسياسي شامل للحقوق الصحية والجنسية والإنجابية. ويشمل ذلك ضمان الوصول إلى وسائل منع الحمل، والرعاية الصحية للأمومة، والخدمات الصحية الآمنة، ودمج هذه الحقوق بشكل كامل في خطط الوقاية من الأزمات والاستجابة لها، لضمان ألا تكون الصحة مجرد رفاهية في أوقات الحرب.
ماذا يعني هذا التحرك بالنسبة للمجتمع الدولي؟
هذا الضغط الجماعي يضع الممثلين الدائمين للدول لدى الأمم المتحدة في موقف محرج؛ فمن جهة هناك التزامات دولية بموجب قرارات مجلس الأمن، ومن جهة أخرى هناك واقع ميداني يثبت تجاهل هذه الالتزامات. إذا استجاب مجلس الأمن لهذه المطالب في نقاشات أكتوبر، فقد نشهد تحولاً في كيفية إدارة النزاعات العالمية.
لكن يبقى السؤال: هل ستتحول هذه الرسالة إلى سياسات فعلية؟ التاريخ يخبرنا أن التوصيات غالباً ما تنتهي في أدراج المكاتب البيروقراطية في نيويورك، إلا أن حجم التوقيعات (628 منظمة) يجعل من الصعب تجاهل هذا المطلب في الدورة القادمة للجمعية العامة.
الأسئلة الشائعة حول رسالة منظمات المجتمع المدني للأمم المتحدة
ما الذي دفع 628 منظمة لإرسال هذه الرسالة في هذا التوقيت بالذات؟
جاء توقيت الرسالة (8 أكتوبر 2024) ليتزامن مع استعداد مجلس الأمن لعقد مناقشة مفتوحة حول أجندة المرأة والسلام والأمن في أكتوبر 2024. كما تهدف المنظمات إلى ممارسة ضغط مبكر قبل الذكرى الـ 25 لدورة الجمعية العامة للأمم المتحدة، لضمان أن تكون حقوق النساء ومشاركتهن في السلام على رأس أولويات الدول الأعضاء.
ما الفرق بين "المشاركة الشكلية" و"المشاركة المعنوية" التي تطالب بها الرسالة؟
المشاركة الشكلية هي مجرد وجود نساء في القاعة أو في وفود تابعة، بينما المشاركة المعنوية والمباشرة تعني أن تكون النساء في مراكز صنع القرار، وأن يمتلكن القدرة على التفاوض الفعلي، وتغيير بنود الاتفاقيات، والإشراف على تنفيذها، بدلاً من أن يكون دورهن استشارياً أو ثانوياً.
كيف تؤثر النزاعات المسلحة الحالية على حقوق المرأة وفقاً للرسالة؟
تشير الرسالة إلى أن زيادة العسكرة والإنفاق العسكري تؤدي إلى تراجع الموارد المخصصة للمساواة بين الجنسين. كما تؤكد أن النساء يتحملن العبء الأكبر في الأزمات، حيث تزداد معدلات العنف الجنسي المرتبط بالنزاعات، والنزوح القسري، والفقر المدقع، مما يهدد عقوداً من التقدم في حقوق المرأة عالمياً.
ما هو موقف المنظمات من عمليات السلام التي تستبعد النساء؟
تتخذ المنظمات موقفاً حازماً برفض هذه العمليات، وتطالب الأمم المتحدة ومجلس الأمن والدول الأعضاء بعدم تزكية أو تسهيل أو المشاركة في أي عملية سلام سياسية تهمش النساء. ترى المنظمات أن أي اتفاق يتم التوصل إليه دون تمثيل نسائي حقيقي هو اتفاق ناقص وغير مستدام.
ما هي المطالبات المتعلقة بالحقوق الصحية في سياق النزاعات؟
تطالب الرسالة بدمج الحقوق الصحية والجنسية والإنجابية ضمن خطط الاستجابة للأزمات، بما في ذلك توفير خدمات الصحة الإنجابية الآمنة، ووسائل منع الحمل، ورعاية الأمومة، مع ضرورة توفير دعم مالي وسياسي لضمان وصول هذه الخدمات للفئات الأكثر تضرراً في مناطق النزاع.