تقرير UNRWA #188: أزمة جوع مدمرة في غزة وتصعيد أمني في جنين
لم يعد الأمر مجرد أرقام على ورقة، بل هو واقع مرير يعيشه آلاف العائلات على امتداد قطاع غزة. في الفترة الممتدة من 4 إلى 10 سبتمبر 2025، أي مع دخول الحرب يومها رقم 696 وحتى 702، كشف تقرير جديد للأمم المتحدة عن صورة قاتمة تتجاوز كل التوقعات. المشكلة ليست فقط في نقص الطعام، بل في انعدام التنوع الغذائي الذي يقتل صمت.
تشير البيانات التي نشرتها وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا) إلى أن نسبة الأطفال الذين يعانون من سوء التغذية في مدينة غزة وصلت إلى مستويات مخيفة بلغت 28.5 في المائة بحلول منتصف أغسطس 2025. يعني ذلك أن واحداً من كل ثلاثة أطفال تقريباً يواجه خطر النقص الغذائي الخطير. أما عند النظر للقطاع ككل، فإن النسبة تثبت عند 14.5 في المائة، وهو رقم لا يعكس نصف الحقيقة لأن نقص المعلومات في مناطق النزاع يجعل التقدير الحقيقي أصعب بكثير.
جوع صامت يهدد جيل كامل
الحقيقة المؤلمة تكمن في التفاصيل الدقيقة. وفقاً لتقارير مجموعة التنسيق المشترك للتغذية عبر مكتب الشؤون الإنسانية (OCHA)، فإن جميع الأطفال دون سن الخامسة في غزة، ويبلغ عددهم حوالي 320 ألف طفل، معرضون لخطر الإصابة بسوء التغذية الحاد. الغالبية منهم -حوالي 290 ألف- تتراوح أعمارهم بين ستة أشهر وخمس سنوات، وهم الفئة الأضعف أمام أي اضطراب في توفر الغذاء.
هناك فرق كبير بين مجرد عدم وجود طعام، وبين "عدم وجود تنوع غذائي". عندما يختفي الخيار الأساسي مثل الخضار أو البروتين الحيواني، يتحول النظام الغذائي إلى الاعتماد الكلي على الحبوب، مما يؤدي إلى نقص في الفيتامينات والمعادن. هذا النقص هو الذي يزيد من معدلات الوفيات المرتبطة بالأمراض البسيطة التي كان الجسم يقاومها سابقاً. تشير وزارة الصحة الفلسطينية إلى ارتفاع ملحوظ في هذه الأرقام، حيث تم تسجيل 404 حالات وفاة مرتبطة بسوء التغذية منذ بداية الحرب في أكتوبر 2023، منها 141 حالة تتعلق بأطفال.
إذا نظرنا للأزمنة الزمنية، ستكون الصورة أكثر قتامة: كانت الوفيات 4 حالات فقط في 2023، ثم ارتفعت إلى 49 في 2024، وقبل أن ينتهي أغسطس 2025، سجلت 260 حالة وفاة. التسارع هنا ليس صدفة، بل نتيجة لحصار خانق ومحدودية المساعدات. الخوف الأكبر يكمن في أن هذه الأرقام قد تكون أقل من الواقع الفعلي نظراً لصعوبة الوصول الطبي والتوثيق الدقيق وسط الركام.
مدرسة بلا أبواب وأطفال بلا مستقبل
بينما تعاني أجسادهم من الجوع، تتوقف عقولهم أيضاً. بدأت السنة الدراسية في الأراضي الفلسطينية المحتلة رسمياً في 8 سبتمبر 2025، لكن لأطفال غزة لم تكن المدارس أبواباً مفتوحة. هذا العام الثالث على التوالي، يتم حرمان 660 ألف طفل من التعليم الوجاهي. الخيارات المتاحة محدودة جداً وتتعلق بالتعلم عن بعد، لكن كيف يمكنك الدرس عبر الإنترنت وانقطاع الكهرباء والاتصالات المستمر؟
وزارة التربية والتعليم العالي والأونروا يحاولان إدارة الوضع من خلال فصول مؤقتة، لكن التحديات هائلة. تشير البيانات إلى أن 370 ألف طالب مقيم حالياً في برامج التعلم عن بُعد، بينما يستفيد أكثر من 59 ألف طفل من مساحات تعلم مؤقتة داخل مدارس الأونروا المتحولة إلى ملاجئ. خلال الأسبوع الأخير من أغسطس، استفاد 4,595 طفلاً من أنشطة التعلم في 128 مكاناً مخصصاً، وهي أرقام تبين حجم التضحيات، لكنها أيضاً تذكرنا بكم هو كثير ممن لا يزال خارج هذا النظام تماماً.
الضفة الشمالية تحت ضغط حقيقي
لا تقتصر المعاناة على قطاع غزة فقط. في مخيم جنين بالضفة الغربية، تواصلت العمليات العسكرية تحت اسم "عملية درع الجدار" لأكثر من سبعة أشهر. الوضع هنا يشبه إلى حد بعيد المعاناة في الجنوب، مع نزوح قسري وإخلاء واسع النطاق. في 8 سبتمبر 2025، وقعت حادثة مروعة أدت إلى مقتل طفلين فلسطينيين كانوا يحاولان الدخول إلى المخيم برفقة عائلاتهم، حيث فرض الجيش الإسرائيلي قيوداً كاملة على الوصول.
وفي الوقت نفسه، شهدت منطقة شمال القدس توتراً عالياً بعد وقوع هجوم إطلاق نار قرب المدينة أدى لاستشهاد ستة إسرائيليين، وهو ما نتج عنه إغلاق مناطق واسعة وعمليات تفتيش مطولة. هذه الديناميات الأمنية المتسارعة تعني أن السكان الفلسطينيين في المنطقة الشمالية يعانون من احتجاز جماعي فعلي، حيث تحولت القرى المحيطة إلى سجون مفتوحة لا يُسمح بالخروج منها بسهولة.
تحركات إجرامية جديدة في غزة
أصدرت القوات الإسرائيلية أوامر إخلاء في 5 سبتمبر 2025 استهدفت ناطحات سحاب معينة في غزة، وهو ما يبدو محاولة لضغط أكبر على السكان للتهجير نحو المناطق المحددة مسبقاً. في 6 سبتمبر، أعلنت authorities بأن منطقة "المawasi" في خان يونس هي الآن "منطقة إنسانية"، وتدعو سكان مدينة غزة للإخلاء إليها عبر شارع الرشيد. المساحة المحددة تبلغ حوالي 12 بالمائة من مساحة القطاع، وهو أمر غير كافٍ لاستيعاب ملايين النازحين، ولا يكفي لإنقاذ حياة مئات الآلاف الذين يسعون لإيجاد مأمن.
المأساة الأكبر تتمثل في المواقع التي تعتبر الملاذ الآمن. سجلت مفوضية حقوق الإنسان أكثر من 2,256 حالة وفاة بالقرب من مواقع مؤسسة غزة الإنسانية التي بدأت العمل في مايو 2025، بالإضافة إلى طرق القوافل. كما أفادت تقارير سابقة بوفاة موظف في الأونروا في منطقة الجرون بجنوب غزة في ظروف تبدو مريبه. السؤال الذي يطرح نفسه بقوة: هل هذه الملاجئ حقاً آمنة أم أنها أصبحت أهدافاً استراتيجية في خرائط العدو؟
الأسئلة الشائعة حول التقرير
كيف يؤثر سوء التغذية على الأطفال تحديداً في غزة؟
يؤثر سوء التغذية بشكل مباشر وحاد على النمو البدني والعقلي للأطفال، خاصة دون الخامسة، حيث يؤدي نقص العناصر الغذائية المتنوعة إلى ضعف المناعة وارتفاع معدلات الوفيات من أمراض معدية بسيطة. التقرير يشير إلى 28.5% إصابة في مدينة غزة.
ماذا يحدث للتعليم المدرسي الحالي في غزة؟
تم تعليق التعليم الحضوري تماماً للعام الثالث على التوالي، ويعتمد معظم الطلاب على التعلم عن بعد الذي يعاني من صعوبات هائلة بسبب انقطاع الكهرباء والإنترنت، ويستفيد جزء محدود فقط من مساحات التعلم المؤقتة في مدارس الأونروا.
ما هي أبرز التطورات الأمنية في الضفة الغربية خلال الفترة المذكورة؟
شهدت الضفة الشمالية استمرار "عملية درع الجدار" في مخيم جنين مع تهجير قسري، ووقعت حوادث قتل لأطفال فلسطينيين ومحاصرة قرى شمال القدس عقب هجوم قناصة، مما أدى إلى تقييد حركة المدنيين بشدة.
إلى أين تُوجه سكان مدينة غزة الآن؟
تم تحديد منطقة "المawasi" في خان يونس كمقر "إنساني" جديد، وتم إصدار أوامر إخلاء لسكان مدينة غزة للانتقال إليها، رغم أن المساحة المتاحة تمثل نسبة ضئيلة فقط من إجمالي احتياجات السكان النازحين.
Ali al Hamidi
هذا التقرير لا يقدم مجرد أرقام بل يعرض جثراً لحياة كاملة تنزف صمتاً دون صوت يسمع.
إن نسبة الأطفال المصابين بسوء التغذية ليست رقماً عشوائياً بل هي نتيجة حتمية لإهمال متعمد واستراتيجية مبطنة.
عندما يفقد الطفل مصدره الغذائي المتنوع فإن مناعته تسقط مثل ورقة في الريح الأولى.
المدارس التي تغلق أبوابها تخلق جيلاً ضائعاً بلا خرائط أو بوصلة للمستقبل.
الطالب لا يستطيع التعلم عبر شاشة عندما تكون الكهرباء معدومة والقلق يسكن غرف النوم.
الملاجئ الآمنة أصبحت أماكن خطرة حيث تتحول الملاذات إلى أهداف عسكرية مباشرة.
نحن نقرأ عن عمليات إخلاء لكن الحقيقة تكمن في أن الإخلاء نفسه هو عقاب وليس حلاً.
المنطقة المحددة كمأوى لا تكفي لاستيعاب النازحين الذين يملأون الشوارع بالدمع.
التاريخ يشهد على أن الجوع يستخدم كأداة حرب قديمة لتعطيل إرادة الشعوب بالكامل.
الصحة النفسية للأطفال تتآكل بسرعة أكبر من جسد المتناقص يوماً بعد يوم.
المجتمع الدولي يراقب التقارير ويوقع العبارات ولا يقدم الحلول العملية اللازمة للحياة.
يجب أن نعي أن كل طفل يموت هو مستقبل لم يعد سيصل أبداً لهذا العالم.
الأرقام تتسارع وتوحي بأننا نقترب من نقطة اللاعودة الإنسانية بأكملها.
المسؤولية تقع الآن على عاتق الضمير الجماعي لوقف هذا التدهور البطيء والمستمر.
لا يمكن للمجتمع أن يبرر نفسه إذا بقي شاهداً صامتاً على هذه الكارثة المتصاعدة.