قليبا ف يرسل رسالة "ساعة الصفر" بصور أطفال مقتولي القصف الأمريكي
في خطوة رمزية محملة بالرسائل السياسية، فاجأ محمد باقر قالباف, رئيس مجلس الشورى الإيراني، الجمهور والمراقبين بنشر صورة من داخل طائرة الوفد التفاوضي، لم تكن تحتوي على ملفات دبلوماسية أو خرائط، بل على صور لأطفال ونساء وصفهم بـ "الشهداء". هذه الصور، التي وُضعت بعناية على مقاعد الطائرة وبجانبها حقائب مدرسية صغيرة، تعود لضحايا ضربة صاروخية أمريكية استهدفت مدرسة في إيران بتاريخ 28 فبراير 2026، مما حول الرحلة الدبلوماسية إلى تظاهرة عاطفية وسياسية قبل ما وصفته مصادر مطلعة بـ "ساعة الصفر".
القصة بدأت عندما شارك قالباف هذه الصورة عبر منصة إكس (X)، معلقاً عليها بكلمات مقتضبة لكنها عميقة: "رفاقي في الرحلة". هذه العبارة لم تكن مجرد تعبير عن الحزن، بل كانت بمثابة تذكير صارم للطرف الآخر في المفاوضات بأن دماء المدنيين، وتحديداً الأطفال، هي المحرك الأساسي للموقف الإيراني الحالي. الأمر المثير للدهشة هو توقيت النشر؛ فالمؤشرات تشير إلى أن الصورة لم تكن عفوية، بل جزء من استراتيجية تواصل مدروسة تسبق منعطفاً حاسماً في المفاوضات.
لعبة التوازنات: مفاوض يقبله الغرب ويرتاب منه الحرس
هنا تكمن العقدة. قالباف ليس مجرد سياسي يترأس البرلمان، بل هو رجل يتحرك في حقل ألغام سياسي. يرى المحللون أن الرجل يعيش حالة من "الفصام السياسي" المفروض عليه؛ فهو من جهة الشخص الذي تراه واشنطن شريكاً مقبولاً للتفاوض، ومن جهة أخرى، يواجه نظرات شكوك مريبة من داخل أروقة الحرس الثوري الإيراني.
يقول حسن رادي، مدير مركز الأحواز للدراسات الإعلامية والاستراتيجية، في تحليل قدمه لشبكة "سكاي نيوز عربية"، إن قالباف يحاول الحفاظ على توازن خطير جداً. المفارقة الصادمة هي أن قالباف ليس غريباً عن المؤسسة العسكرية، بل هو -حسب وصف رادي- "ثاني إرادة في الحرس الثوري". هذا يعني أنه يحتل المرتبة الثانية في هرم السلطة داخل أقوى مؤسسة أمنية وعسكرية في الجمهورية الإسلامية، وهو ما يجعل أي خطوة "توفيقية" أو "معتدلة" يقوم بها في مفاوضاته مع الولايات المتحدة مخاطرة قد تكلفه مكانته، أو ربما وجوده السياسي برمته.
دلالات "ساعة الصفر" والرسائل المبطنة
لماذا وضع حقائب الأطفال على مقاعد الطائرة؟ ولماذا الآن؟ الإجابة تكمن في مفهوم "ساعة الصفر" الذي يتردد في الكواليس. يبدو أن إيران تريد إيصال رسالة مفادها أن أي اتفاق لن يمر دون استحضار "فاتورة الدم" التي دفعها المدنيون في 28 فبراير 2026. وضع الصور في مكان مخصص للمفاوضين يعني أن الضحايا حاضرون في كل جلسة نقاش، وفي كل بند من بنود الاتفاقية المحتملة.
تأتي هذه التحركات في وقت تشهد فيه إيران واحدة من أعقد المراحل في تاريخها السياسي. فبينما تسعى الدولة لفك العزلة الاقتصادية وتخفيف الضغوط، تصر الأجنحة المتشددة على عدم تقديم تنازلات "مذلة". في هذا السياق، يعمل قالباف كصمام أمان، لكنه صمام معرض للانفجار في أي لحظة إذا ما شعر الحرس الثوري بأن "الرجل الثاني" بدأ يميل كثيراً نحو واشنطن.
تداعيات الموقف على المسار الدبلوماسي
من المرجح أن تؤدي هذه الإشارات الرمزية إلى تعقيد المشهد التفاوضي بدلاً من تسهيله. فبينما قد تراها واشنطن محاولة لاستعطاف الرأي العام أو تكتيكاً ضاغطاً، يراها الداخل الإيراني ضرورة أخلاقية وسياسية لشرعنة أي اتفاق قادم. التوتر الحالي ليس مجرد خلاف على بنود تقنية، بل هو صراع على "الكرامة الوطنية" في مواجهة الضربات العسكرية الأمريكية.
السيناريوهات القادمة تتأرجح بين اختراق دبلوماسي مفاجئ يقوده قالباف بضمانات من الحرس الثوري، أو صدام داخلي يؤدي إلى إزاحة قالباف من المشهد إذا ما تجاوزت "الاعتدالية" الحدود المسموح بها. الحقيقة أن كل صورة ينشرها قالباف هي في الواقع "رسالة تأمين" موجهة للداخل قبل أن تكون موجهة للخارج.
جذور الصراع: مدرسة 28 فبراير
للعودة إلى الخلف، كانت الضربة التي وقعت في 28 فبراير 2026 نقطة تحول كبرى. استهداف مدرسة بـ "صواريخ أمريكية" لم يكن مجرد حادث عسكري، بل تحول إلى رمز للمظلومية في الخطاب الإيراني. تلك الحادثة خلفت عشرات القتلى والجرحى من الأطفال والمدنيين، وأعطت المتشددين في طهران الذخيرة الكافية لرفض أي تقارب مع الولايات المتحدة دون اعتذار أو تعويضات ملموسة.
لذلك، عندما يحمل قالباف صور هؤلاء الأطفال معه في طائرة المفاوضات، فهو لا يحمل صوراً فحسب، بل يحمل "الشرعية" التي تمكنه من الجلوس على طاولة المفاوضات دون أن يُتهم بالخيانة. إنها عملية "تغطية سياسية" ذكية تهدف إلى حماية ظهره من طعنات الحرس الثوري بينما يمد يده لواشنطن.
الأسئلة الشائعة حول تحركات قالباف الرمزية
ماذا يعني مصطلح "ساعة الصفر" في سياق هذه الصور؟
يشير مصطلح "ساعة الصفر" إلى لحظة حاسمة أو موعد محدد لاتخاذ قرار استراتيجي أو تنفيذ خطة سياسية/عسكرية. في حالة قالباف، فإن نشر الصور قبل هذه اللحظة يوحي بأن إيران تضع شروطاً عاطفية وأخلاقية مرتبطة بضحايا القصف الأمريكي كشرط أساسي قبل المضي قدماً في أي اتفاق نهائي.
لماذا يُنظر إلى قالباف بعين الريبة من قبل الحرس الثوري؟
لأن دوره كمفاوض مقبول لدى واشنطن يضعه في منطقة رمادية. الحرس الثوري يخشى أن تؤدي هذه المرونة الدبلوماسية إلى تقديم تنازلات تمس بأمن إيران أو نفوذ الحرس. ورغم أن قالباف هو "الرجل الثاني" في الحرس، إلا أن أي ميل نحو الاعتدال قد يُفسر على أنه خروج عن الخط الثوري المتشدد.
ما هي تفاصيل الضربة الأمريكية التي أشار إليها قالباف؟
الضربة وقعت في 28 فبراير 2026، واستهدفت مدرسة، مما أدى إلى مقتل وvجرح عدد من الأطفال والنساء. هذه الحادثة تحديداً تم تحويلها إلى أداة ضغط سياسية وإعلامية من قبل إيران لإثبات "الوحشية الأمريكية" وتبرير المواقف المتصلبة في المفاوضات.
كيف تؤثر هذه التحركات على مستقبل المفاوضات الإيرانية الأمريكية؟
تؤدي هذه التحركات إلى رفع سقف التوقعات والمطالب الإيرانية. بدلاً من التركيز فقط على رفع العقوبات، أصبح هناك تركيز على "الجانب الإنساني والاعتذاري". هذا قد يبطئ عملية التوصل لاتفاق تقني سريع، ولكنه يضمن لقالباف قبولاً داخلياً في طهران، حيث يظهر بمظهر المدافع عن دماء الشهداء.