محاكمة عاطف نجيب: دمشق تفتح ملفات 'النظام البائد' في أولى جلسات العدالة الانتقالية

محاكمة عاطف نجيب: دمشق تفتح ملفات 'النظام البائد' في أولى جلسات العدالة الانتقالية

تستعد دمشق لحدث قضائي غير مسبوق، حيث تبدأ السلطات السورية يوم الأحد، المحاكمات العلنية لكبار المسؤولين في النظام السابق دمشق، في خطوة عملية هي الأولى من نوعها ضمن مسار العدالة الانتقالية. ستتولى محكمة الجنايات الرابعة في دمشق النظر في قضية عاطف نجيب, الرئيس السابق لفرع الأمن السياسي في درعا، وهو ابن عم الرئيس السابق بشار الأسد، وسط حضور لافت لعائلات الضحايا وممثلي وسائل الإعلام الذين ينتظرون لحظة الحقيقة.

هذه المحاكمات ليست مجرد إجراءات قانونية روتينية، بل هي جزء من إطار شامل للمحاسبة تنسق فيه وزارة العدل السورية مع وزارة الداخلية والهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية. الهدف هنا واضح: ملاحقة رموز النظام السابق ومجرميه لترسيخ سيادة القانون وإنهاء حقبة الإفلات من العقاب التي استمرت لسنوات طويلة.

بداية من درعا.. رمزية "مهد الثورة" في ساحات القضاء

في تدوينة عبر منصة (X)، تحدث مظهر الوائس, وزير العدل السوري، بنبرة حملت الكثير من الدلالات، مؤكداً أن "المحاكمات الأولى لبلطجية النظام السابق ستكون حول أحداث درعا". وأوضح الوائس أن هذه الجلسات لا تهدف فقط لإصدار أحكام، بل هي عملية لكشف الحقائق وتخليد الذاكرة الجماعية لضحايا العنف.

وبحسب الوزير، فإن اختيار البدء بملفات درعا يأتي لأنها كانت "مهد الثورة»، ومنطق العدالة يفرض أن تبدأ منها العملية القضائية المتخصصة في العدالة الانتقالية. ومن المثير للاهتمام أن هذه الإجراءات تسير حالياً وفق قانون أصول المحاكمات الجزائية، بانتظار أن يمنح البرلمان موافقته النهائية على قانون العدالة الانتقالية الشامل.

كواليس الاعتقالات وتفاصيل قائمة الاتهام

لم يكن وصول عاطف نجيب إلى قفص الاتهام سهلاً؛ فقد تم اعتقاله في ريف جبلة بعد عملية أمنية استمرت عدة أيام. ولكن نجيب ليس الوحيد في قائمة الحساب، فقد شهد يوم الجمعة الذي سبق المحاكمة اعتقال أحمد يوسف، المشتبه الرئيسي في ارتكاب "مجزرة التضامن" المروعة في دمشق عام 2013، في عملية نفذتها قوات وزارة الداخلية.

وبالعودة إلى الوراء، وتحديداً في 30 يوليو 2025، كان القاضي النائب العام حسن التربة قد أعلن عن بدء دعاوى الحق العام ضد أربعة رموز بارزين، وهم:

  • عاطف نجيب: المسؤول الأمني السابق في درعا.
  • أحمد بدر الدين حسون: المفتي السابق المتهم بالتحريض على قتل السوريين.
  • محمد الشعر: وزير الداخلية السابق.
  • إبراهيم الحويجة: رئيس جهاز المخابرات الجوية السابق، والذي يُعرف بأنه كان يقود أحد أكثر الأجهزة فتكاً بالسوريين.

أما عن التهم الموجهة لهؤلاء، فهي ثقيلة ومؤلمة: القتل العمد، التعذيب الذي أدى إلى الوفاة، الاعتداء بهدف إثارة حرب أهلية، والتحريض المباشر على القتل والمشاركة في عمليات تصفية جسدية.

العدالة الانتقالية: مأسسة كشف الحقيقة والتعويضات

لكي لا تكون هذه المحاكمات مجرد "تصفية حسابات"، تم تأسيس الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية رسمياً في مايو 2025. هذه الهيئة ليست مجرد جهة رقابية، بل تمتلك تفويضات واسعة تشمل كشف الحقيقة حول الانتهاكات الجسيمة، استجواب المسؤولين، وتنسيق تعويضات مادية ومعنوية للضحايا، مع وضع ضمانات لـ "عدم التكرار»

وفي تصريح لصحيفة (العربي الجديد)، أكد المحامي راديف مصطفى، العضو في هيئة العدالة الانتقالية، أن وقوف عاطف نجيب أمام القضاء يمثل "حجر الزاوية" في تطبيق هذا الإطار الجديد في البلاد. (ويبدو أن الدولة تحاول إرسال رسالة مفادها أن أحداً، مهما كانت صلة قرابته بالسلطة السابقة، لن يكون بمنأى عن القانون).

ملاحقة "الرأس الكبير" والبعد الدولي

لم تتوقف ملاحقات العدالة عند المسؤولين التنفيذيين. ففي 27 سبتمبر من العام الماضي، أصدر القاضي التحقيقي السابع توفيق العلي مذكرة توقيف غيابية بحق الفارين بشار الأسد، بتهم تشمل القتل العمد والتعذيب المؤدي للموت، خاصة في أحداث درعا 2011، وهي المذكرة التي تم التحضير لتوزيعها عبر "الإنتربول" الدولي.

وبالتوازي مع الجهد المحلي، فتح القضاء الفرنسي ملفاً جديداً لمحاسبة مجرمي النظام السابق، حيث باشر المدعون العامون الفرنسيون تحقيقات أولية في جرائم ضد الإنسانية ارتكبت بين عامي 2010 و2013، وتحديداً ضد شخص يشتبه في إدارته لمركز احتجاز شهد عمليات تعذيب ممنهجة.

مأساة المفقودين: الجرح الذي لم يلتئم

بينما تمضي المحاكمات في طريقها، تظل هناك غصة في قلب كل عائلة سورية؛ وهي قضية عشرات الآلاف من المفقودين والمعتقلين. المقابر الجماعية التي يُعتقد أنها تضم ضحايا التعذيب تمثل الجانب الأكثر مأساوية في هذه الحقبة، خاصة وأن النزاع خلفه أكثر من نصف مليون قتيل، مما يجعل عملية جرد الضحايا وكشف مصائرهم تحدياً لوجستياً وأخلاقياً هائلاً.

وفي سياق متصل، لم تكتفِ القوات الأمنية بالملفات السياسية، بل شنت عمليات واسعة ضد شبكات الجريمة المنظمة، أسفرت عن اعتقال وسيم الأسد ونمير الأسد بتهم تتعلق بالاتجار بالمخدرات، مما يشير إلى رغبة السلطات الجديدة في تنظيف الدولة من كافة أشكال الفساد المرتبطة بـ"العائلة السابقة".

الأسئلة الشائعة حول محاكمات العدالة الانتقالية في سوريا

لماذا تم اختيار عاطف نجيب ليكون أول المتهمين في هذه المحاكمات؟

تم اختيار عاطف نجيب لرمزيته المزدوجة؛ فهو كان رئيساً للأمن السياسي في درعا، المدينة التي شهدت انطلاق الثورة السورية، كما أنه قريب مباشر من بشار الأسد. البدء به يرسل رسالة قوية بأن العدالة ستطال الدائرة المقربة جداً من مركز السلطة السابق، وأن ملفات درعا هي الأولوية في كشف الحقائق.

ما هو الفرق بين هذه المحاكمات والمحاكمات الجنائية العادية؟

المحاكمات العادية تركز على العقوبة الفردية، أما محاكمات العدالة الانتقالية فتهدف إلى "كشف الحقيقة" وتوثيق الانتهاكات الممنهجة. هي عملية تهدف إلى المصالحة الوطنية، وتوفير تعويضات للضحايا، وضمان عدم تكرار هذه الجرائم من خلال إصلاح المؤسسات الأمنية والقضائية، وليست مجرد إجراءات عقابية.

من هم أبرز الرموز الآخرين الذين سيواجهون القضاء قريباً؟

إلى جانب عاطف نجيب، تشمل القائمة أحمد بدر الدين حسون (المفتي السابق) بتهم التحريض، ومحمد الشعر (وزير الداخلية السابق)، وإبراهيم الحويجة (رئيس المخابرات الجوية السابق). كما توجد ملاحقة دولية ومحلية لبشار الأسد عبر مذكرات توقيف صادرة عن القضاء السوري وبالتنسيق مع الإنتربول.

كيف ستتعامل الدولة مع ملف المفقودين والمقابر الجماعية؟

تتولى الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية، التي تأسست في مايو 2025، مسؤولية البحث عن المفقودين وتحديد مواقع المقابر الجماعية. يتم ذلك عبر استجواب الجناة السابقين (مثل عاطف نجيب وغيره) لإجبارهم على كشف أماكن الدفن والمحتجزين السريين، كجزء من حق الضحايا في معرفة مصير ذويهم.