لبنان: تذبذب حاد في أسعار الوقود بين أبريل وسبتمبر 2026
في مشهد يعكس حالة عدم اليقين الاقتصادي التي يعيشها المواطن اللبناني، سجلت أسعار المحروقات في لبنان تقلبات حادة ومتناقضة خلال عام 2026. فبينما شهدت بداية الشهر الرابع انخفاضاً طفيفاً في بعض الأصناف، أعقب ذلك موجة ارتفاعات صاروخية استمرت حتى منتصف سبتمبر، مما وضع كاهل الأسر وأصحاب المولدات الخاصة تحت ضغط مالي غير مسبوق.
بدأت القصة يوم الثلاثاء 7 أبريل 2026، عندما نشرت شبكة MTV Lebanon تقريراً يرصد "تغيرات مختلطة" في جدول الأسعار الرسمي. انخفض سعر صفيحتي البنزين (95 و98 أوكتان) بمقدار 21,000 ليرة لبنانية لكل منهما، كما هبط سعر قارورة الغاز المنزلي بشكل ملحوظ بقيمة 71,000 ليرة. لكن المفارقة كانت في ارتفاع سعر المازوت بـ 27,000 ليرة، ليصل إلى 2,442,000 ليرة للصفيحة، بينما ثبتت أسعار البنزين عند مستويات عالية رغم الانخفاض الطفيف.
جدول مزدوج يربك الأسواق ويضاعف الأسعار ظاهرياً
لم تستمر حالة الهدوء النسبي طويلاً. ففي 28 أغسطس 2026، واجه المستهلكون صدمة كبيرة تمثلت في قفزة سعرية بدت مضاعفة. أوضح فادي أبو شقرا, ممثل موزعي المحروقات في لبنان أن هذا الارتفاع لم يكن ناتجاً عن زيادة واحدة، بل كان نتيجة دمج جداول أسعارين بسبب تأخر الإصدار الرسمي.
التأخير جاء بسبب عطلة عيد المولد النبوي الشريف وتقلب الأسعار العالمية، ما دفع وزارة الطاقة والمياه لتأجيل نشر الجدول. النتيجة كانت قفظة وهمية لكنها مؤلمة للجيب: ارتفع سعر صفيحة البنزين 67,000 ليرة، والمازوت 34,000 ليرة، في حين انخفضت قارورة الغاز قليلاً. هنا تكمن المشكلة الهيكلية؛ فغياب الشفافية والتوقيت الدقيق للإصدارات الرسمية يزيد من حدة الصدمات النفسية والاقتصادية للمواطنين.
سبتمبر: شهر الارتفاعات المتتالية وكسر حاجز الـ 30 دولاراً
مع دخول شهر سبتمبر 2026، تصاعدت وتيرة الارتفاعات بشكل مخيف. في 4 سبتمبر، أعلنت المديرية العامة للنفط عن زيادات جديدة بلغت 31,000 ليرة لصفيحة البنزين و28,000 ليرة للمازوت. ثم جاءت الضربة الأقوى في 11 سبتمبر، حيث ارتفع البنزين بـ 49,000 ليرة والمازوت بـ 52,000 ليرة دفعة واحدة.
الأرقام تتحدث بوضوح عن حجم الكارثة. بحلول 18 سبتمبر، سجل سعر صفيحة البنزين 95 أوكتان رقماً قياسياً بلغ 2,810,000 ليرة، بينما قفز سعر المازوت المستخدم للمولدات الكهربائية الخاصة إلى مستوى ينذر بالخطر. صحيفة L'Orient-Le Jour الفرنسية اللبنانية كشفت أن سعر كيلولتر المازوت للمولدات وصل إلى 1,455 دولاراً، بزيادة 127 دولاراً في أسبوع واحد فقط.
حقائق سريعة حول أزمة الوقود في 2026
- الذروة السعرية: تجاوز سعر صفيحة البنزين عتبة الـ 2.8 مليون ليرة في سبتمبر 2026.
- تكلفة المعيشة: أشار الخبير البراكس إلى أن تكلفة تعبئة خزان سيارة أصبحت تعادل 30 دولاراً أمريكياً.
- المازوت الصناعي: سجل ارتفاعاً أسبوعياً قدره 127 دولاراً للكيلولتر الواحد للمولدات الخاصة.
- المقارنة التاريخية: ارتفعت أسعار البنزين بنسبة 81.8% مقارنة بنفس الفترة من العام السابق وفقاً لبيانات GlobalPetrolPrices.com.
تأثير مباشر على جيوب المواطنين وقطاع الكهرباء
لا يمكن فصل هذه الأرقام عن واقع الحياة اليومية. بالنسبة للعائلات التي تعتمد على قوارير الغاز للطهي، فإن أي تغيير في السعر يعني إعادة حساب ميزانية الطعام بالكامل. أما أصحاب السيارات، فهم يواجهون معضلة الاختيار بين التنقل والعمل. وقد أظهرت بيانات موقع Trading Economics أن سعر اللتر الواحد من البنزين وصل إلى 1.41 دولار أمريكي في أغسطس الماضي، وهو رقم يتجاوز القدرة الشرائية لغالبية اللبنانيين الذين يتقاضون رواتبهم بالليرة.
على الصعيد الآخر، يعاني قطاع الكهرباء الخاص. مولدات الاشتراك هي المصدر الوحيد للكهرباء في معظم المناطق، وأي ارتفاع في سعر المازوت ينعكس فوراً على فاتورة الاشتراك الشهرية. هذا الضغط المزدوج (غلاء الوقود وغلاء الاشتراك) يخلق حالة من الاحتقان الاجتماعي، خاصة مع اقتراب الشتاء حيث تزداد الحاجة للتدفئة والإضاءة.
ماذا ينتظرنا؟ توقعات واستراتيجيات البقاء
حتى لحظة كتابة هذا التقرير، لا توجد مؤشرات واضحة على استقرار قريب. التوقعات تشير إلى استمرار التذبذب طالما بقيت الأسعار العالمية متقلبة وطالما استمر غياب سياسة دعم مستدامة وواضحة من قبل الحكومة. الخبراء ينصحون المواطنين بمتابعة النشرات الرسمية بدقة، وعدم الانجرار خلف الإشاعات التي قد تدفع لشراء كميات أكبر من المخزون خوفاً من الارتفاعات الوهمية.
في النهاية، تبقى مسألة تسعير المحروقات في لبنان اختباراً حقيقياً لقدرة الدولة على إدارة الموارد في ظل أزمات متلاحقة. هل ستشهد الأشهر القادمة هدوءاً نسبياً أم أننا نتجه نحو موجة تضخمية جديدة ستلتهم ما تبقى من مدخرات الناس؟ الأيام وحدها كفيلة بالإجابة.
أسئلة شائعة حول أسعار المحروقات في لبنان
لماذا حدثت قفظة سعرية مفاجئة في نهاية أغسطس 2026؟
كان السبب الرئيسي هو دمج جداول أسعارين في جدول واحد. تم تأجيل إصدار جدول الأسبوع السابق بسبب عطلة عيد المولد النبوي الشريف وتقلب الأسعار العالمية، مما أدى إلى ظهور ارتفاع تراكمي يبدو مضاعفاً للمستهلك، حيث شمل الجدول الجديد زيادة الأسبوع المؤجل بالإضافة إلى زيادة الأسبوع الحالي.
كيف يؤثر ارتفاع سعر المازوت على فاتورة اشتراك الكهرباء؟
يعتمد معظم اللبنانيين على المولدات الخاصة للحصول على الكهرباء. أي ارتفاع في سعر المازوت (كما حدث بزيادة 127 دولاراً للكيلولتر في سبتمبر) يرفع تكلفة التشغيل لأصحاب المولدات، مما يضطرهم لرفع قيمة الفاتورة الشهرية للمشتركين للحفاظ على هامش الربح، وبالتالي تزداد الأعباء المالية على الأسر.
هل هناك فرق في التسعير بين بنزين 95 و98 أوكتان؟
نعم، عادة ما يكون بنزين 98 أوكتان أغلى قليلاً من 95 أوكتان نظراً لجودته العالية وتأثيره الأفضل على محرك السيارة. في التقارير الأخيرة لعام 2026، حافظ الفرق بينهما على نسبة ثابتة تقريباً، حيث ارتفع كلاهما بنفس المقدار النقدي (مثلاً 49,000 ليرة في نفس الجدول)، مما يبقي الفارق النسبي بينهما محدوداً لكنه موجود.
ما الجهة المسؤولة عن تحديد أسعار المحروقات رسمياً؟
تتولى وزارة الطاقة والمياه بالتعاون مع المديرية العامة للنفط مسؤولية إعداد ونشر جداول الأسعار الرسمية. يتم تحديث هذه الجداول بناءً على متوسطات الأسعار العالمية لسوق البحر المتوسط، بالإضافة إلى عوامل محلية مثل تكاليف النقل والضرائب.