متروبوليس بيروت: صمود سينمائي بين حرب 2006 والعدوان الأخير

متروبوليس بيروت: صمود سينمائي بين حرب 2006 والعدوان الأخير

في لحظةٍ تبدو فيها الشاشة الكبيرة أشبه بامتياز بعيد المنال وسط ضجيج الصواريخ، اختارت جمعية متروبوليس في بيروت أن تستعيد عرض فيلم "موسيقانا" (Notre musique) للمخرج الفرنسي السويسري جان لوك غودار. القرار ليس مجرد برنامج فني عابر، بل هو بيان صامت عن الصمود الثقافي. هذه المساحة السينمائية التي وُلدت وتطورت بين حرب تموز 2006 والعدوان الإسرائيلي على لبنان في 2025-2026، تثبت مرة أخرى أن الفن يمكن أن يتنفس حتى في أحلك الظروف.

من مأوى للحرب إلى منارة للفن المستقل

تاريخ "متروبوليس" ليس سيرة ذاتية لمبنى، بل هو مرآة تعكس تقلبات لبنان السياسية والاقتصادية. تأسست الجمعية في عام 2006 لسدّ الفراغ السينمائي الذي خلّفه الحروب والحروب الأهلية السابقة. يذكر التاريخ أن أول برنامج عروض أُقيم في 11 يوليو 2006، أي قبل يوم واحد فقط من اندلاع حرب الـ34 يوماً. حينها، تحوّل المبنى الصغير في شارع الحمرا إلى مأوى للعائلات النازحة، وبدلاً من إغلاق الأبواب، بدأ فريق العمل بعرض الأفلام للأطفال داخل المأوى لإبعادهم عن الرعب الخارجي. كان ذلك اليوم نقطة تحول؛ فمنذ تلك اللحظة، أصبح هدف الجمعية واضحاً: إدخال الشباب إلى عالم السينما كفضاء آمن للتفكير.

لم تتوقف الرحلة عند الحمرا. بعد عامين، انتقلت الجمعية إلى مبنى أكثر رحابة في منطقة الأشرفية (سنتر صوفيل)، حيث وفرت شاشتين بسعة 270 مقعداً لكل منهما. لكن الأزمة الاقتصادية المدمرة التي ضربت لبنان في 2019 وانفجار مرفأ بيروت في أغسطس 2020 أجبراها على الإغلاق مؤقتاً. كانت تلك فترة "التشرد" كما يصفها البعض، استمرت خمس سنوات كاملة قبل أن تجد الجمعية ملاذاً جديداً.

إحياء الأمل في مار ميخائيل

في خريف 2024، وبعد أسابيع قليلة من انتهاء آخر جولة من التصعيد العسكري، أعادت "متروبوليس" فتح أبوابها في موقعها الثالث والأخير حالياً: حي مار ميخائيل، مقابل مرفأ بيروت. هذا الموقع الجديد لم يكن مجرد قاعة عرض، بل مشروع متكامل بدعم من شركة يونيفونسيير (Unifoncière S.A.L.) التي تبرعت بأرض البناء. يتضمن المشروع قاعتين جديدتين (واحدة بسعة 100 مقعد والأخرى 200)، بالإضافة إلى حديقة خارجية تستوعب 400 شخص للعرض المفتوح، ومقهى، وأرشيف سينمائي ضخم يحتوي على أكثر من 3000 عمل.

لماذا اسم "متروبوليس"؟ الاسم مستوحى من الفيلم الألماني الصامت الشهير الصادر عام 1927 للمخرج فريتز لانغ، وهو فيلم خيال علمي يعالج انقسام الطبقات الاجتماعية في مدينة مستقبلية. المفارقة الجميلة أن أحداث الفيلم تدور في عام 2026، وهو العام نفسه الذي تعيشه بيروت الآن، مما يضفي طابعاً رمزياً عميقاً على هوية الجمعية.

برامج تعكس نبض الواقع اللبناني

لا تقتصر مهمة "متروبوليس" على عرض الأفلام التجارية أو العالمية فحسب، بل هي حاضنة للأفلام الوثائقية والسياسية المستقلة. مرتبطة مباشرة بمكتبة "سينماتيك بيروت" (Cinematheque Beirut)، التي تحتفظ بنسخ نادرة من أفلام الحرب الأهلية اللبنانية ومذكرات صنّاعها. من أبرز ما يُعرض هناك فيلم "سينما الحرب في لبنان" للمخرج هادي زاكاك (2003)، الذي يستمر لمدة 34 دقيقة فقط، لكنه يلخص عقوداً من المعاناة البصرية.

خلال العدوان الأخير في 2025-2026، أغلقت القاعات لأسبوعين بسبب القصف، لكن إعادة الفتح جاءت سريعاً إيماناً بأن "الاستمرارية ضرورة فكرية". ضمن البرنامج الجديد، عُرض فيلم "هل تحبيني؟" للمخرجة لانا Daher حصرياً، إضافة إلى مسرحيات مسجلة للمؤلف والموسيقي زياد الرحباني. كما تستضيف الجمعية مهرجان "شاشات الجنوب" ومهرجان "شاشات الواقع" (Écrans du réel)، مع تركيز خاص على سينما أمريكا اللاتينية وأفريقيا وآسيا، فضلاً عن ورش عمل للشباب.

لماذا يهمنا كل هذا؟

في بلد يمر بأزمات متلاحقة، يمثل استمرار "متروبوليس" انتصاراً لصوت العقل والجمال. إنها ليست مجرد قاعة سينما، بل أرشيف حي للذاكرة اللبنانية. من تحويل المبنى إلى مأوى في 2006، إلى بناء مركز ثقافي متكامل في 2024، تبقى الرسالة واحدة: أن السينما هي المكان الوحيد حيث يمكن للبنانيين أن يجلسوا معاً، يتأملوا، ويحلموا بمستقبل أقل قسوة.

أسئلة شائعة حول متروبوليس بيروت

ما هي أهمية اختيار فيلم "موسيقانا" لغودار في هذا التوقيت؟

يعتبر هذا الاختيار بالغ الدلالة لأن فيلم "موسيقانا" (2004) يتناول فكرة الوحدة والانقسام في المجتمعات المتقدمة. عرضه الآن في بيروت، التي تعاني من انقسامات سياسية واجتماعية حادة، يرسل رسالة رمزية عن الحاجة إلى الوساطة والتفاهم، وهو ما يطابق السردية التي يحملها اسم "متروبوليس" المستوحى من فيلم الخيال العلمي الذي ينتهي بالتصالح.

كيف تأثرت أنشطة متروبوليس بالأزمة الاقتصادية وانفجار المرفأ؟

أدت الأزمة الاقتصادية لعام 2019 والانفجار الكارثي في أغسطس 2020 إلى إغلاق القاعة في الأشرفية لمدة خمس سنوات كاملة. اضطر الفريق إلى العمل بشكل متنقل أو عبر الإنترنت، ولم يتمكنوا من العودة إلى مبنى ثابت إلا في خريف 2024 عندما اكتمل بناء المقر الجديد في مار ميخائيل بدعم من تبرع عقاري.

ما هو دور مكتبة "سينماتيك بيروت" المرتبطة بالجمعية؟

تعمل المكتبة كأرشيف وطني لحفظ التراث السينمائي اللبناني، خاصة أفلام ما بعد الحرب الأهلية. تحتوي على كتب نادرة مثل "الحرب الأهلية اللبنانية من منظور السينما"، وتتيح للباحثين مشاهدة أفلام وثائقية مهمة مثل أعمال هادي زاكاك. تقع المكتبة فعلياً داخل مقر الجمعية الحالي وتوفر موارد بحثية لا تقدر بثمن لتاريخ السينما المحلية.

ما هي البرامج المستقبلية المقررة في المقر الجديد بمار ميخائيل؟

تشمل الخطط استضافة مهرجان "شاشات الواقع" (Écrans du réel) سنوياً في سبتمبر، وإطلاق مهرجان "شاشات الجنوب"، مع التركيز على سينما الجنوب العالمي (أمريكا اللاتينية، أفريقيا، آسيا). كما سيتم تنظيم ورش عمل للشباب وقسم مخصص للسينما العربية، مع عروض خارجية في الحديقة لاستيعاب جمهور أوسع يصل إلى 400 شخص.