حميدتي: مستعدون لحرب السودان حتى 2040 إن لم يتحقق السلام

حميدتي: مستعدون لحرب السودان حتى 2040 إن لم يتحقق السلام

في تصريح هزّ الأوساط السياسية والعسكرية، أعلن محمد حمدان دقلو، المعروف إعلامياً بـ"حميدتي" وقائد قوات الدعم السريع، استعداده الكامل لمواصلة الحرب في السودان حتى عام 2040. جاء ذلك خلال خطاب ميداني ألقاه يوم الأربعاء 6 مايو 2026، متهماً خصمه عبد الفتاح البرهان، رئيس القوات المسلحة السودانية، بتعطيل مساعي السلام وحمل المسؤولية الكاملة عن استمرار النزاع الدامي الذي بدأ قبل ثلاث سنوات.

هناك شيء غريب ومقلق في هذا التصريح؛ فبينما يتحدث العالم عن "حروب خاطفة" أو صراعات محدودة، يقترح أحد أطراف أكبر أزمة إنسانية في التاريخ الحديث أن يستمر القتال لعقود قادمة. لكن دعونا لا نبالغ في الصدمة، فالأرقام على الأرض تقول إن هذه ليست تهديداً فارغاً، بل هي انعكاس لواقع مرير يعيشه ملايين السودانيين الذين نزحوا عن ديارهم.

خطاب من قلب المعركة: لماذا الآن؟

ظهر حميدتي في هذا التوقيت بعد غياب طويل نسبياً عن المشهد الإعلامي المباشر، حيث اختار الظهور أمام عشرات القادة والضباط في موقع سري لم يُكشف عنه، لكنه يقع على مشارف العاصمة الخرطوم. كان الهدف واضحاً: رفع المعنويات وتثبيت الجبهة الداخلية. قال بحزم: "الحرب دي ما معروف تستمر لمتين، هم محددين 33 سنة، نحن بنقول ليهم استمروا لـ 40، لا توجد أي مشكلة". هذا الاقتباس يكشف عن عقلية عسكرية ترى في الوقت سلاحاً، وفي الصبر استراتيجية للحسم.

لكن هل هو فعلاً يريد حصاراً طويلاً؟ أم أنه يضغط دبلوماسياً عبر لغة القوة؟ الخبراء يقولون إن الأمر خليط من الاثنين. فهو يربط بين "الرغبة في السلام" و"استعداد الحرب الطويلة"، مما يمنحه مرونة تكتيكية؛ إما أن يُجبر الطرف الآخر على تقديم تنازلات كبيرة (كالسلطة والثروة) مقابل وقف إطلاق النار، أو أن يدخل في حرب استنزاف يعرف أنها ستكلف الطرفين الكثير، لكن خصمه قد ينهار أولاً بسبب ضعف البنية التحتية والدعم اللوجستي.

الأرقام التي تخفيها الضبابية

لتقدير حجم الكارثة، لننظر إلى البيانات المتاحة، رغم صعوبة التحقق منها بدقة في ظل انقطاع الاتصالات. تشير تقارير نقابة أطباء السودان إلى أن عدد القتلى تجاوز 30 ألف شخص، بينما أصيب أكثر من 70 ألفاً. والأكثر إثارة للقلق هو الرقم الهائل للنازحين: حوالي 5.9 مليون شخص نزحوا داخلياً، مما يجعلها أكبر أزمة نزوح في العالم حالياً. مقارنةً بذلك، كانت التقديرات الأولية بعد مئة يوم فقط من اندلاع الحرب في أبريل 2023 تشير إلى 3 آلاف قتيل و3 ملايين نازح. الفجوة بين هذين الرقمين تعكس تسارع وتيرة الدمار والتوسع الجغرافي للمعارك.

  • بداية الصراع: 15 أبريل 2023 في الخرطوم ومروي.
  • قرار الحل الرسمي: أصدر البرهان قراراً بحل قوات الدعم السريع في 17 أبريل 2023، مما شرعن المواجهة العسكرية.
  • التقديرات العسكرية: يشير الجيش إلى إمكانية استمرار الحرب حتى 2033، بينما يطرح حميدتي سيناريو 2040.
  • الخسائر البشرية: أكثر من 30 ألف قتيل و70 ألف مصاب (تقديرات نقابة الأطباء).
  • الأزمة الإنسانية: 5.9 مليون نازح داخلي، مع تدمير واسع للبنية التحتية في العاصمة.
من دارفور إلى مقاعد السلطة: خلفية سريعة

من دارفور إلى مقاعد السلطة: خلفية سريعة

لم يبدأ صعود محمد حمدان دقلو من فراغ. لقد ارتقى من صفوف ميليشيات "الجنجويد" التي قادت حملات "الأرض المحروقة" في إقليم دارفور غرب السودان إبان حكم الرئيس السابق عمر البشير. تلك الحقبة شهدت مقتل أكثر من 300 ألف شخص ونزوح 2.5 مليون آخرين. وبعد سقوط البشير عام 2019، تحولت تلك الميليشيات إلى قوة شبه عسكرية منظمة باسم "الدعم السريع"، وأصبح حميدتي لاعباً محورياً في ترتيبات السلطة الانتقالية، وهو ما خلق توتراً دائماً مع المؤسسة العسكرية بقيادة البرهان.

الصراع الحالي ليس مجرد خلاف على من يقود البلاد، بل هو صراع بنيوي عميق حول تقاسم الموارد الطبيعية، وعلى رأسها الذهب والنفط، وكيفية دمج القوات شبه العسكرية في جيش وطني موحد. كما تلعب العوامل الخارجية دوراً، حيث تتهم واشنطن الإمارات العربية المتحدة بتمويل قوات الدعم السريع، مما يعقد المشهد الإقليمي والدولي.

ماذا يعني "حرب الأربعين عاماً"؟

عند قراءة تصريحات حميدتي بعناية، نجد مفارقة مثيرة للاهتمام. فهو يقول إنه "لا يريد للحرب أن تستمر"، لكنه في نفس الجملة يؤكد الاستعداد لاستمرارها 40 عاماً إذا لزم الأمر. هذا النوع من الخطاب يستخدم عادةً عندما يكون الطرف الآخر في موقف دفاعي أو عندما تكون فرص الدبلوماسية ضئيلة. إنه يرسل رسالة مزدوجة: "نحن جاهزون للسلام العادل (وفق شروطنا)، لكننا أقوى عسكرياً وصبراً منكم".

المراقبون يحذرون من أن تحويل الحرب إلى "حرب طويلة الأمد" سيؤدي إلى تفكك الدولة المركزية. بدلاً من وجود حكومة مركزية قوية في الخرطوم، قد نشهد تنوعاً إقليمياً للقوى، حيث تصبح الولايات المحلية اللاعب الفعلي، تماماً كما حدث في بعض مراحل تاريخ السودان الحديث. هذا السيناريو لن يخدم مصالح أحد، خاصة مع تزايد الاعتماد على المساعدات الدولية والإنسانية التي قد تنضب مع مرور الوقت.

آفاق المستقبل: سلام مشروط أم استنزاف مستمر؟

آفاق المستقبل: سلام مشروط أم استنزاف مستمر؟

ما الذي يمكن توقعه في الأشهر القادمة؟ يبدو أن الخيارين أمام الأطراف هما: إما تسوية سياسية شاملة تتضمن تقاسماً للسلطة والثروة بشكل يرضي حميدتي، أو الدخول في مرحلة استنزاف حقيقية. بالنظر إلى إصرار حميدتي على "السلام دون استسلام"، فإن أي مبادرة دولية يجب أن تأخذ في الاعتبار أن شروطه تشمل ضمانات أمنية وسياسية صارمة.

إذا استمر الوضع على حاله، فقد نرى توسعاً في نطاق القتال نحو مناطق جديدة، مما يزيد من تعقيد الجهود الإنسانية. ومن المرجح أن تتزايد الضغوط الدولية، خاصة من الأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي، لدفع الطرفين إلى طاولة المفاوضات، لكن نجاح هذه الجهود يعتمد على مدى استعداد كل طرف لتقديم تنازلات مؤلمة. بالنسبة للمواطن السوداني العادي، يبقى السؤال الأهم: كم من الوقت سيستمر هذا الألم؟ وهل هناك أمل في رؤية نهاية قريبة لهذا النفق المظلم؟

أسئلة شائعة حول تصريحات حميدتي الأخيرة

لماذا أعلن حميدتي استعداداً للحرب حتى عام 2040 تحديداً؟

يأتي هذا الإعلان كاستراتيجية ضغط نفسي وسياسي. من خلال الإشارة إلى فترة زمنية طويلة (40 عاماً)، يحاول حميدتي إظهار أن قواته تتمتع بموارد بشرية ولوجستية كافية للصمود لفترة أطول من خصومه. كما يهدف إلى إجبار الجيش السوداني على قبول شروطه للتسوية، والتي تشمل حصصاً كبيرة في السلطة والثروة، بدلاً من الانخراط في مفاوضات تقليدية يرى أنها غير عادلة لقواته.

ما هي التقديرات الحالية لخسائر الحرب في السودان؟

وفقاً لأحدث التقارير المتاحة من نقابة أطباء السودان والمنظمات الدولية، تجاوز عدد القتلى 30 ألف شخص، بينما بلغ عدد المصابين أكثر من 70 ألفاً. أما على الصعيد الإنساني، فقد نزح حوالي 5.9 مليون شخص داخل البلاد، مما يجعل الأزمة الأكبر من نوعها عالمياً حالياً. هذه الأرقام قابلة للزيادة نظراً لصعوبة الوصول إلى المناطق المتضررة بدقة.

هل هناك آمال حقيقية في تحقيق السلام قريباً؟

الآمال تبقى ضعيفة في المدى القصير، حيث أن تصريحات حميدتي الأخيرة تعكس تمسكاً بالوضع الراهن العسكري. ومع ذلك، يبقى خيار السلام قائماً من الناحية النظرية، بشرط أن تتغير الظروف الإقليمية أو أن يواجه أحد الطرفين ضغوطاً داخلية أو خارجية قاهرة تدفعه لقبول تسوية. حالياً، يبدو أن كلا الطرفين يفضل مواصلة القتال على تقديم تنازلات جوهرية.

ما الدور الذي تلعبه الدول الخارجية في هذه الحرب؟

تلعب القوى الإقليمية والدولية أدواراً متباينة. تتهم الولايات المتحدة الأمريكية دولة الإمارات العربية المتحدة بتمويل ودعم قوات الدعم السريع، بينما تدعم دول أخرى الجيش السوداني. هذا التدخل الخارجي يطيل أمد الحرب ويحولها إلى صراع بالوكالة، مما يصعب جهود الوساطة المحلية والإقليمية ويضعف احتمالات التوصل إلى حل دائم وشامل.

كيف يؤثر استمرار الحرب على الاقتصاد السوداني؟

تواجه الاقتصاد السوداني انهياراً شبه كامل. توقف الإنتاج الزراعي والصناعي في كثير من المناطق، وتضخم سعر الصرف بشكل جنوني، مما أدى إلى ارتفاع حاد في أسعار السلع الأساسية. تدمير البنية التحتية في الخرطوم والمناطق الأخرى جعل إعادة الإعمار مهمة مستحيلة بدون توقف شامل لإطلاق النار واستقرار سياسي، مما يدفع بالمزيد من المواطنين إلى دائرة الفقر المدقع.

4 التعليقات
  • latifah rokhmah
    latifah rokhmah

    أعتقد أن الإشارة إلى عام 2040 ليست مجرد تهديد عسكري بل هي في جوهرها استراتيجية ضغط نفسي مدروسة بعناية فائقة تهدف إلى كسر إرادة الخصم قبل أن تبدأ المعركة الحقيقية، حيث إن تمديد أفق الصراع الزمني يخلق لدى الطرف الآخر شعوراً باليأس والإحباط من إمكانية تحقيق نصر حاسم في المدى المنظور. هذا النوع من الخطاب يعتمد على مبدأ الاستنزاف الذي يستهدف الموارد البشرية والمادية معاً، مما يجعله سلاحاً ذو حدين قد يؤثر سلباً على شعبية القائد نفسه إذا طال أمد الحرب دون نتائج ملموسة. كما أن ربط السلام بشروط صارمة يعكس رغبة عميقة في إعادة تشكيل التوازنات السياسية والاقتصادية داخل الدولة، وليس مجرد عودة للوضع السابق. فالإصرار على تقاسم الثروة والسلطة بشكل غير متماثل يشير إلى أن الهدف النهائي هو الهيمنة المؤسسية أكثر منه تحقيق الاستقرار الأمني البحت. ومن المثير للاهتمام كيف أن هذا التصريح يأتي بعد غياب إعلامي طويل، مما يوحي بأن هناك تحولاً في تكتيكات التواصل مع الرأي العام الداخلي والخارجي على حد سواء. ربما يكون الغرض من الظهور الميداني هو تعزيز الشرعية الشعبية بين الجنود والمدنيين المتعاطفين مع قوات الدعم السريع، خاصة في ظل الظروف الصعبة التي يعيشونها حالياً. لكن السؤال الجوهري يبقى حول مدى قدرة هذه الاستراتيجية على الصمود أمام الضغوط الدولية المتزايدة والانهيار الاقتصادي شبه الكامل الذي يشهده السودان. فالوقت هنا لم يعد مجرد رقم على التقويم، بل أصبح متغيراً حاسماً يحدد مصير ملايين النازحين الذين يدفعون الثمن الأكبر لهذه المواجهة. إنه لأمر مقلق حقاً أن نرى قادة دوليين يتحدثون عن عقود قادمة من الحرب وكأنها أمر طبيعي وقابل للإدارة، بينما يعاني الشعب السوداني من أزمة إنسانية غير مسبوقة.

  • Essam Hecker
    Essam Hecker

    بصراحة الكلام ده فيه شوية مبالغة، بس اللي واضح إنهم بيحاولوا يضغطوا على الجيش عشان ياخدوا نصيب أكبر في السلطة. أنا شايف إن البرهان محتاج يراجع حساباته بسرعة قبل ما الوضع ينفجر أكتر من كده. لو استمرينا في نفس الطريق ده، هنبقى بنتكلم عن حرب أهلية حقيقية مش مجرد نزاع مسلح محدود. المهم دلوقتي نركز على حل سياسي يحفظ وحدة البلاد وكرامة الناس.

  • Rawan Halabi
    Rawan Halabi

    في ظلال هذه الفوضى التي تعصف بالساحة السودانية، يبدو أن الزمن قد فقد معناه التقليدي ليصبح أداةً بيد القادة الطموحين، حيث تتحول العقود القادمة إلى وعدٍ غامض أو تهديدٍ صامت يعلو فوق أصوات الناجين. إننا نشهد هنا مفارقة تاريخية بليغة؛ فبينما يسعى العالم الحديث نحو تسريع الحلول عبر الدبلوماسية السريعة، يقف طرفٌ من أطراف هذا النزاع ليقول إن الصبر هو السلاح الأمضى، وأن الأجيال القادمة ستحمل عبء قرارات تُتخذ اليوم في خضمّ الدخان والغبار. هذا ليس مجرد تصريح عسكري، بل هو بيان فلسفي عن طبيعة السلطة وكيفية احتفاظ بها، حيث يتداخل الواقع المرير مع الخيال السياسي في لوحةٍ قاتمة الألوان. لقد تحولت أرض السودان، تلك الأرض العريقة بتاريخها وثقافتها، إلى مسرحٍ مفتوح لتجارب بشرية قاسية تختبر حدود التحمل والصمود الإنساني. نحن أمام مشهدٍ درامي بامتياز، حيث كل يوم يمرّ يحمل معه طبقة جديدة من الألم والمعاناة، وكل ليلة تنهي فصلاً آخر من فصول المأساة الجماعية. ربما كان من المفترض أن تكون هذه اللحظة بدايةً لإعادة بناء الثقة بين المكونات المختلفة للمجتمع، لكنها أصبحت بدلاً من ذلك نقطة انطلاق نحو مزيد من التشرذم والانقسام. إن العقل البشري يعجز أحياناً عن فهم منطق القوة الغاشمة عندما تتغلف برداء الشرعية العسكرية، وتتحول إلى سياسة دولة كاملة. ولكن وسط هذا الضباب الكثيف، تبقى هناك شرارة أمل صغيرة، مهما بدا أنها بعيدة المنال، تشعلها أصوات أولئك الذين يرفضون الاستسلام لليأس ويؤمنون بأن السلام ليس رفاهية بل ضرورة وجودية. علينا أن نتذكر دائماً أن التاريخ لا يسجل أسماء القادة فقط، بل يسجل أيضاً معاناة الشعوب وصمودها في وجه العواصف. لذا، دعونا ننظر إلى هذا التصريح ليس كتهديد نهائي، بل كتحدٍّ كبير يتطلب وعياً جماعياً وحكمة سياسية استثنائية لكسر حلقة العنف المفرغة. إنه وقتٌ يحتاج فيه الجميع إلى شجاعة الاعتراف بالخطأ، وإلى حكمة قبول الحقيقة، وإلى رحابة صدر تسمح بتجاوز الماضي وبناء مستقبلٍ مشترك يليق بكرامة الإنسان السوداني.

  • Abdalla Kassim
    Abdalla Kassim

    شوفوا الفرق بين كلامهم وكلامنا احنا اللي بنعاني كل يوم من غلاء المعيشه وقطع الكهرباء، هم بيتكلموا عن سنين واحنا بنحسب ساعات حتى نلقى قوت يومنا. اتمنى بس ان الدنيا تتعدل ونعيش زي باقي البشر بدون ما نخاف على امس ولا نعرف شو بيحصل بكرة. الله يرحم بلادنا ويحمي شبابنا من نار الحرب دي اللي ما لها نهاية واضحة لحد الحين.

أضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول المطلوبة محددة*