تصدعات عميقة في جبهة حميدتي: هل يقرب الانشقاق السودان من السلام؟

تصدعات عميقة في جبهة حميدتي: هل يقرب الانشقاق السودان من السلام؟

لم تكن استقالة فارس النور إبراهيم, المستشار السياسي لـقوات الدعم السريع مجرد خبر عابر، بل كانت الضربة الأقسى التي تهز أركان مشروع محمد حمدان دقلو (حميدتي) منذ اندلاع الحرب. في يونيو/حزيران 2026، أكد محللون أن هذه الاستقالة تفتح الباب أمام تساؤل محوري: كيف يمكن تحقيق سلام حقيقي في السودان طالما بقيت البنية المؤسسية لهذه القوة شبه العسكرية قائمة؟

الحدث الذي وقع في قلب العاصمة الخرطوم ومناطق نفوذ واسعة، يكشف عن حالة "تصدع داخلي عميق" لم تشهدها الجبهة العسكرية منذ بداية المواجهات مع الجيش في أبريل/نيسان 2023. هنا تكمن المفارقة؛ فبينما يرى البعض في هذه الانشقاقات فرصة للسلام، يراها آخرون مجرد إعادة تموضع قبل تصعيد جديد.

من الخلاف على الدمج إلى حرب مفتوحة

لنفهم حجم التصدع الحالي، يجب العودة إلى جذور الأزمة. الخلاف بين الفريق أول عبد الفتاح البرهان, القائد العام للقوات المسلحة السودانية ورئيس مجلس السيادة وحميدتي، لم يكن حول السلطة فحسب، بل حول مستقبل السلاح. كان الجيش يطالب بجدول زمني صارم لدمج قوات الدعم السريع لا يتجاوز فترة الانتقال السياسي، بينما اشترط حميدتي عشر سنوات كاملة للحفاظ على هيكل ميليشياته.

هذا الجمود تحول إلى نار مشتعلة في 15 أبريل/نيسان 2023، عندما نقلت قوات الدعم السريع مدرعاتها من دارفور إلى الخرطوم، لتبدأ حرباً استنزفت البلاد. تجربة اتفاق جوبا للسلامجوبا عام 2020 أثبتت أن إغفال ملف القوات الموازية يترك قنبلة موقوتة تحت أرضية الاستقرار.

سلسلة الانشقاقات: من كيكل إلى فارس النور

لم تبدأ التصدعات فجأة. في 20 أكتوبر/تشرين الأول 2024، سجل القائد الميداني أبو عاقلة كيكل سابقة تاريخية بانضمامه إلى الجيش في ولاية الجزيرة. هذا الحدث أشعل فتيل الثقة لدى قيادات أخرى. وفي مايو/أيار 2026، انضم القيادي علي رزق الله (الملقب بالسافنا) إلى الجيش، متهماً قيادته بـ"التصفيات الداخلية" وسوء الإدارة.

لكن اللحظة الحاسمة جاءت مع استقالة فارس النور، الذي كان صوتاً سياسياً مؤثراً داخل تحالف "تأسيس" الداعم لحميدتي. في تصريح له، أوضح النور أن قراره جاء "بحثاً عن مسارات بديلة تعزز فرص السلام". هذه ليست مجرد استقالات فردية؛ إنها تفكيك تدريجي للنسيج الاجتماعي والسياسي الذي كان يمسك بخيوط الدعم السريع.

  • أكتوبر 2024: انشقاق أبو عاقلة كيكل في ولاية الجزيرة.
  • مارس 2025: اعتراف حميدتي رسمياً بالانسحاب من الخرطوم بعد استعادة الجيش السيطرة عليها.
  • مايو 2026: انشقاق علي رزق الله وبشارة الهويرة من محور بارا.
  • يونيو 2026: استقالة المستشار السياسي فارس النور إبراهيم وانضمام مجموعة من 280 مقاتلاً للجيش.
شروط السلام: إنهاء الوجود أم الهدنة؟

شروط السلام: إنهاء الوجود أم الهدنة؟

يتساءل الخبراء: هل تكفي هذه الانشقاقات لإنهاء الحرب؟ مقال تحليلي نشرته مجلة "المجلة" في يونيو/حزيران 2026 يقدم إجابة قاطعة: "السلام الحقيقي يبدأ بإنهاء الوجود المؤسسي لقوات الدعم السريع، وأي شيء غير ذلك هو هدنة مع الخراب". هذا الطرح يتقاطع مع خطاب البرهان المتلفز في 29 مارس/آذار 2025، حيث شدد على أن الطريق الوحيد للسلام هو وضع الميليشيا لسلاحها.

من جهة أخرى، يرى قادة المنشقين مثل "السافنا" أن الإصلاح يبدأ من الداخل، عبر وقف التصفيات ومحاسبة المسؤولين عن سوء إدارة العمليات. لكن السؤال يبقى: هل ستقبل القيادة العليا بتفكيك بنيتها المالية والعسكرية، أم ستحاول استخدام الانشقاقات كذريعة للتشبث بالسلطة المحلية؟

ماذا يعني ذلك للمستقبل القريب؟

ماذا يعني ذلك للمستقبل القريب؟

تشير التقارير الواردة من وكالات الأنباء الإسبانية وموقع "عربي21" إلى أن استسلام "المجموعة 26" وانضمام 280 مقاتلاً يمثلان أكبر موجة جماعية حتى الآن. هذا التآكل في الصفوف قد يجبر حميدتي على قبول شروط تفاوضية أكثر صرامة، أو يدفعه إلى الاعتماد بشكل أكبر على الحلفاء الإقليميين.

الأرقام تتحدث عن نفسها: ما بدأ كخلاف على جدول زمني لدمج عسكري، أصبح اليوم أزمة وجودية تهدد بقاء المشروع العسكري كله. ومع كل قائد ينضم إلى الجيش، تقلص مساحة المناورة السياسية، وتزداد وضوح الصورة النهائية: لا سلام في السودان دون معالجة جذرية لملح القطاع الأمني والقوى الموازية.

أسئلة شائعة

من هو فارس النور إبراهيم ولماذا استقال؟

فارس النور إبراهيم هو المستشار السياسي السابق لقائد قوات الدعم السريع محمد حمدان دقلو. أعلن استقالته في يونيو/حزيران 2026 بحثاً عن "مسارات بديلة تسهم في تعزيز فرص السلام"، معتبراً أن استمرار الوضع الراهن يعيق الحوار الحقيقي ويؤجل الحل النهائي للصراع.

ما الفرق بين مطالب الجيش وقوات الدعم السريع بشأن الدمج؟

طالب الفريق أول عبد الفتاح البرهان بدمج سريع خلال فترة الانتقال السياسي لضمان وحدة المؤسسة العسكرية، بينما اشترط حميدتي مدة تصل إلى عشر سنوات للحفاظ على امتيازات وهيكلة قواته. هذا الخلاف الزمني كان الشرارة الأساسية التي أدت إلى اندلاع الحرب في أبريل/نيسان 2023.

هل تؤثر الانشقاقات الحالية على ميزان القوى في المعارك؟

نعم، خاصة مع انضمام مجموعات كبيرة مثل 280 مقاتلاً والجيش السوداني. هذه التحركات تقلل من الفاعلية القتالية للدعم السريع في محاور مثل كردفان والجزيرة، وتضعف قبضتها على المناطق التي كانت تسيطر عليها، مما يمنح الجيش أفضلية ميدانية وسياسية متزايدة.

ما الدور الذي لعبه اتفاق جوبا عام 2020 في هذا السياق؟

اتفاق جوبا، الموقع في 11 سبتمبر/أيلول 2020، ركز على تسوية حركات التمرد في دارفور لكنه أغفل إصلاح المنظومة الأمنية الشامل ودماج قوات الدعم السريع. هذا الإغفال ترك ثغرة أمنية كبرى ساهمت لاحقاً في تعميق الخلاف مع الجيش واندلاع الحرب المفتوحة.

4 التعليقات
  • khalid alazmi
    khalid alazmi

    يا سلام على التحليل اللي قاعد نقرؤه هنا!
    بصراحة، المشهد ده مش مجرد أخبار عابرة، ده إنذار نهائي لكل من يظن أن الحرب هتخلص بهدنة مؤقتة.
    انشقاق فارس النور وبعده السافنا والكيكل؟ دي مش تفصيلات صغيرة، دي هي العظام اللي بتسند الهيكل كله.
    لما تبدأ القيادات السياسية تمشي قبل الميدانية، يبقى الموضوع اتلخبط من جذوره.
    حميدتي كان بيحسب أنه بيبني دولة داخل الدولة، بس نسي إن البشر مش آلات.
    كل يوم يمر بدون حل جذري هو يوم إضافي في جحيم لا ينتهي.
    الأمل الوحيد اللي شايفه هو إن الناس بدأت تفهم إن السلام مش رفاهية، ده ضرورة للبقاء.
    لو استمر التآكل ده بنفس الوتيرة، ممكن نشوف نهاية اللعبة أسرع مما نتوقع.
    لكن حذاري من الفرح المبكر، لأن الميليشيات دي عندها شبكة علاقات معقدة جداً.
    في النهاية، السودان يستحق شمس جديدة بعد هذه الغيوم السوداء.
    خلونا نبقي متفائلين بحذر، ونشجع أي خطوة حقيقية نحو الاستقرار.

  • Latifah N. Handayani
    Latifah N. Handayani

    أعتقد أن ما يحدث الآن هو بداية الطريق الصحيح نحو إعادة بناء الثقة بين الأطراف المختلفة.
    يجب ألا ننسى أن السلام ليس مجرد توقيع على ورقة بل هو عملية مستمرة تتطلب صبراً وتحليلاً دقيقاً للمواقف.
    وجود شخصيات مثل فارس النور كانت دائماً صوتاً معقولاً يحاول إيجاد حلول وسطى بين المتطرفين.
    رحيله قد يكون مؤلماً لكنه يفتح الباب أمام قيادات جديدة ربما تكون أكثر انفتاحاً على الحلول السلمية.
    نحن بحاجة إلى فهم أن الصراع السوداني ليس بسيطاً كما يبدو على السطح بل له أبعاد تاريخية واجتماعية عميقة.
    لذلك فإن أي تقييم للموقف يجب أن يأخذ بعين الاعتبار هذه العوامل المعقدة والمتشابكة.
    أشعر بأن المجتمع الدولي بدأ يتحرك بشكل أكثر جدية تجاه الملف السوداني أخيراً.
    الدعم الذي يقدمه الحلفاء الإقليميون يمكن أن يكون عاملاً حاسماً في كسر الجمود الحالي.
    ولكن يبقى السؤال المحوري: هل ستستجيب القيادة العليا لهذه الضغوط أم ستمضي قدماً في المواجهة؟
    في رأيي الشخصي، فإن الضغط الشعبي الداخلي هو الأقوى والأكثر تأثيراً على المدى الطويل.
    عندما يشعر المواطنون بأن الحل بعيد المنال، يبدأون في البحث عن بدائل ذاتية.
    وهذا ما نراه الآن في موجات الانشقاقات الأخيرة التي تعكس فقدان الثقة بالقيادة الحالية.
    دعونا نأمل أن تكون هذه الخطوات بداية لسلسلة أحداث إيجابية تقودنا نحو الاستقرار المنشود.
    السلام في السودان ممكن إذا تضافرت الجهود المحلية والدولية معاً.
    وكلما زادت الشفافية في التعامل مع القضايا الأمنية، قلّت فرص عودة الدوامة الدموية مرة أخرى.

  • Shatha Goorm
    Shatha Goorm

    جميل
    بس انا شايفة ان الموضوع اكبر من مجرد استقالات فردية
    فيه ديناميكية اجتماعية كاملة بتتغير تحت السطح

  • Abdalla Kassim
    Abdalla Kassim

    بسم الله الرحمن الرحيم
    إن التاريخ يشهد اليوم على مرحلة مفصلية في مسيرة الأمة السودانية نحو التحرر من قبضة السلاح الفردي
    فما رأيناه من تصدعات في صفوف قوات الدعم السريع ليس إلا ثمرة طبيعية لغياب الشرعية الشعبية والقانونية التي كانت تنقصها منذ البداية
    فالانقسامات الداخلية التي ظهرت مؤخراً عبر استقالة المستشار السياسي فارس النور وانضمام مجموعات مقاتلة للجيش الوطني تؤكد أن البنية العسكرية الموازية لم تعد قادرة على الصمود أمام ضغط الواقع الميداني والاجتماعي
    وهذا التطور يحمل في طياته بشائر أمل لشعبٍ تألم طويلاً من ويلات حرب أهلية استنزفت مقدرات البلاد وأرواح أبنائها البررة
    إن الخبراء والمحللين السياسيين يؤكدون أن إنهاء الوجود المؤسسي لهذه القوات هو الشرط الجوهري لأي تسوية سلمية مستدامة
    وليس مجرد هدنة مؤقتة تُبقي على بذور الفتنة الكامنة تحت سطح الأرض
    فالخلاف الجوهري الذي اندلعت بسببه الحرب كان حول مستقبل السلاح وآليات دمجه في المؤسسة العسكرية الوطنية
    حيث اشترط قائد الجيش دمجاً سريعاً بينما تمسك الطرف الآخر بفترات انتقالية طويلة تحفظ امتيازاته
    وهذا الجمود أدى إلى انفجار الأوضاع في أبريل 2023 لتبدأ مأساة وطنية لا تزال تداعياتها قائمة
    ومع كل قائد ينشق عن الصفوف الرئيسية، تقلص مساحة المناورة السياسية وتزداد وضوح الصورة النهائية للحل
    لا سلام حقيقياً في السودان دون معالجة جذرية وملزمة لملف القطاع الأمني والقوى الموازية للدولة
    فلنتأمل هذه الأحداث بعقل مفتوح وقلب مطمئن إلى أن العدالة ستتحقق عاجلاً أم آجلاً
    فالشعب السوداني صبورٌ حكيمٌ سيحسم أمره بما يحقق وحدته واستقراره الدائم
    والله وليّ التوفيق

أضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول المطلوبة محددة*