بيونغ يانغ ترفض مطالب مجموعة السبع وتتمسك بترسانتها النووية
في تصعيد جديد يعكس عمق الفجوة الدبلوماسية، شنت تشوي سون هي، وزيرة خارجية كوريا الشمالية، هجوماً لاذعاً يوم الجمعة الماضية على مجموعة السبع، رافضةً بشكل قاطع أي مساعٍ دولية تهدف إلى تجريد بلادها من السلاح النووي. جاء هذا الرد العنيف بعد اجتماع وزراء خارجية مجموعة السبع (G7) الذي عُقد في كندا يوم الأربعاء، حيث أصدروا بياناً مشتركاً يطالب بيونغ يانغ بالتخلي الكامل عن طموحاتها النووية. الأمر هنا لا يتعلق فقط بخلاف سياسي، بل هو إعلان صريح بأن السلاح النووي بات جزءاً من "الدستور" والسيادة الوطنية الكورية الشمالية، وهو ما يجعل أي مفاوضات مستقبلية تبدو شبه مستحيلة في الوقت الراهن.
القصة بدأت عندما اجتمع وزراء خارجية الدول السبع الكبرى، بما في ذلك الولايات المتحدة، فرنسا، ألمانيا، إيطاليا، بريطانيا، اليابان، بالإضافة إلى الممثل الأعلى للاتحاد الأوروبي، في كندا. هؤلاء المسؤولون لم يكتفوا بالتعبير عن قلقهم، بل أدانوا وبشدة ما وصفوه بـ "البرامج النووية والصاروخية المتقدمة" التي تطورها بيونغ يانغ. نقلت وكالة أنباء يونهاب الكورية الجنوبية تفاصيل هذا البيان الذي ركز على ضرورة تحقيق نزع السلاح النووي الكامل، وهو المطلب الذي تراه كوريا الشمالية مجرد "أداة ضغط" غربية.
رد بيونغ يانغ: "واقع ثابت" لا يتغير
لم تتردد وزارة الخارجية في بيونغ يانغ في الرد. عبر وكالة الأنباء المركزية الكورية (KCNA)، وصفت تشوي سون هي موقف مجموعة السبع بأنه "عداء صارخ" ينتهك الدستور الكوري الشمالي. لكن المثير للدهشة هو النبرة التي استخدمتها الوزيرة؛ حيث لم تكتفِ بالرفض، بل سخرت من فكرة الضغط الزمني. قالت تشوي بوضوح: "حتى لو طالبت الولايات المتحدة وحلفاؤها بالتوقف عن امتلاك الأسلحة النووية لمدة 10، 20، 50، أو حتى 100 عام، فإن امتلاكنا لهذه الأسلحة سيظل واقعاً ثابتاً، سواء أرادوا ذلك أم لا".
هذا التصريح (الذي يمتد لقرن من الزمان) يرسل رسالة مفادها أن بيونغ يانغ لم تعد مهتمة بـ "جزر" من التنازلات مقابل رفع العقوبات. بالنسبة لهم، السلاح النووي ليس ورقة تفاوضية، بل هو "الخيار الأكثر ملاءمة" لردع ما تسميه "الدول الأكثر عداءً وخطورة". ومن الواضح أن بيونغ يانغ ترى في الظروف الجيوسياسية الحالية مبرراً كافياً للتمسك بترسانتها كدرع وحيد يحمي نظامها من أي تدخل خارجي.
سيادة الدولة مقابل الإرادة الدولية
أحد النقاط الجوهرية التي أثارتها الوزيرة تشوي هي مسألة "السيادة". تساءلت بيونغ يانغ باستنكار عن حق مجموعة السبع في إملاء شروطها على دول ذات سيادة. بالنسبة للقيادة الكورية الشمالية، فإن مناقشة خياراتها الأمنية من قبل مجموعة G7 هو تدخل غير مقبول في الشؤون الداخلية. هذا الخطاب يعزز من سردية "الدولة المحاصرة" التي تدافع عن وجودها في وجه تحالفات دولية تسعى، من وجهة نظرها، إلى فرض إرادتها.
من الناحية التحليلية، نجد أن هذا التمسك الدستوري بالسلاح النووي يغير قواعد اللعبة. في السابق، كانت المفاوضات تتمحور حول "كيف ومتى" يتم نزع السلاح، أما الآن، فالحديث يدور حول "قبول الواقع" النووي الكوري. وهذا التحول يجعل من الصعب على أي إدارة أمريكية مستقبلية إقناع بيونغ يانغ بالتراجع دون تقديم ضمانات أمنية غير مسبوقة، وهو أمر مستبعد تماماً في ظل التوترات الراهنة.
تداعيات الموقف على الاستقرار الإقليمي
لكن، ماذا يعني هذا بالنسبة للجيران؟ في كوريا الجنوبية واليابان، يثير هذا الإصرار موجة من القلق. فبينما تتحدث مجموعة السبع عن "النزع الكامل»، تتحدث بيونغ يانغ عن "الردع النووي». هذا التناقض يخلق حالة من عدم الاستقرار، حيث تزيد كوريا الشمالية من وتيرة تجاربها الصاروخية لتعزيز هذا "الواقع الثابت" الذي تحدثت عنه الوزيرة.
يرى الخبراء أن استراتيجية بيونغ يانغ تعتمد الآن على "فرض الأمر الواقع". فمن خلال دمج السلاح النووي في الدستور، ترفع الدولة الغطاء عن أي مسؤول قد يقرر في المستقبل التفاوض على نزع السلاح، لأن ذلك سيعني "خيانة دستورية". وبذلك، تكون قد أغلقت الباب أمام أي تراجع دبلوماسي داخلي.
خلفية الصراع: لماذا الآن؟
إذا نظرنا إلى التاريخ القريب، سنجد أن محاولات نزع السلاح شهدت فترات من التفاؤل، كما حدث في لقاءات عام 2018 و2019 بين الرئيسين دونالد ترامب وكيم جونغ أون. لكن تلك القمم انتهت دون اتفاق ملموس، مما دفع بيونغ يانغ إلى استنتاج أن الولايات المتحدة لن تتخلى أبداً عن سعيها لتغيير النظام في الشمال. هذا الاستنتاج هو الذي غذى القناعة بأن السلاح النووي هو الضمان الوحيد للبقاء.
منذ ذلك الحين، وخلال السنوات القليلة الماضية، انتقلت كوريا الشمالية من مرحلة "تطوير" السلاح إلى مرحلة "مأسسته"، أي جعله جزءاً شرعياً وقانونياً من كيان الدولة. لذا، فإن بيان مجموعة السبع في كندا لم يكن سوى شرارة أخرى لإشعال خطاب التحدي الذي تبرع فيه بيونغ يانغ أمام الجمهور العالمي.
الأسئلة الشائعة حول الموقف النووي الكوري الشمالي
لماذا تعتبر كوريا الشمالية السلاح النووي جزءاً من دستورها؟
تستخدم بيونغ يانغ الدستور لإضفاء شرعية قانونية مطلقة على برنامجها النووي، مما يجعله غير قابل للتفاوض. هذا الإجراء يهدف إلى حماية النظام من أي ضغوط دولية ويمنع أي تغيير مستقبلي في السياسة الأمنية للدولة، معتبرة أن السلاح النووي هو الضمان الوحيد ضد "التهديدات الخارجية" خاصة من الولايات المتحدة.
من هي الدول المشاركة في مجموعة السبع التي أدانت البرنامج النووي؟
تتكون مجموعة السبع من الولايات المتحدة، كندا، فرنسا، ألمانيا، إيطاليا، بريطانيا، واليابان، بالإضافة إلى الممثل الأعلى للاتحاد الأوروبي. هذه الدول تتبنى جبهة موحدة للمطالبة بنزع السلاح النووي الكامل من شبه الجزيرة الكورية لضمان السلم العالمي.
كيف كان رد فعل وزيرة الخارجية تشوي سون هي تحديداً؟
وصفت الوزيرة موقف مجموعة السبع بأنه "عداء صارخ" و"تدخل في السيادة". وأكدت أن امتلاك السلاح النووي سيظل "واقعاً ثابتاً" حتى لو استمرت المطالبات الدولية بالتخلي عنه لمدة 100 عام، مشددة على أن إرادة الدولة في حماية شعبها ومستقبلها لا تتزعزع.
ما هو تأثير هذا التصعيد على العلاقات الدبلوماسية مستقبلاً؟
يؤدي هذا التصعيد إلى تجميد تام لأي آفاق دبلوماسية قريبة. فبينما تصر مجموعة السبع على "النزع الكامل»، تصر بيونغ يانغ على "الاعتراف" بوضعها كدولة نووية. هذا التضاد يعني أن أي انفراجة تتطلب تغييراً جذرياً في استراتيجية أحد الطرفين، وهو أمر مستبعد في ظل التوترات الجيوسياسية الحالية.