باكستان تتجه لشراء 6 شحنات غاز مسال مع استمرار أزمة هرمز
لم تكن الصورة التي ترسمها الأرقام قبل شهرين من الآن قريبة مما يحدث اليوم. في أواخر فبراير/شباط 2026، كانت باكستان تعيد بيع فائضها من الغاز الطبيعي المسال، لكن الحرب الدائرة مع إيران غيّرت المعادلة رأسًا على عقب. الآن، تخطط إسلام آباد لشراء ما يصل إلى ست شحنات إضافية خلال أغسطس/آب 2026 لتجنب انقطاع الكهرباء وسط صيف حار ومضيق هرمز شبه مغلق.
المفارقة هنا ليست مجرد نقص في الإمدادات، بل هي تحول جذري من حالة "الفائض" إلى حالة "العجز الحاد". قبل اندلاع الصراع، كانت البلاد تستقبل نحو 10 شحنات شهريًا وتعيد التفاوض لإعادة بيع 45 شحنة فائضة بحجم 364 مليون قدم مكعبة يوميًا. اليوم، توقفت الشحنات القطرية تقريبًا بالكامل منذ 2 مارس/آذار 2026، بعد أن أغلقت قطر منشآتها التصديرية ردًا على هجوم إيراني، ما أدخل جنوب آسيا في دائرة خطر الطاقة.
من الفائض إلى الأزمة: كيف غيّرت الحرب المشهد؟
دعونا نكون واضحين: هذا ليس مجرد اضطراب عابر. إغلاق مضيق هرمز فعليًا يعني قطع شريان يغذي 20% من إمدادات الغاز الطبيعي المسال العالمية. النتيجة؟ انقطاعات كهربائية متكررة في باكستان وبنغلادش، وصفها المحللون بأنها "انقطاعات متدحرجة". قبل الحرب، كانت شركة باكستان للغاز المسال (Pakistan LNG Limited) تفكر في كيفية التخلص من الكميات الزائدة. الآن، هي تطرح مناقصات عاجلة كل أسبوع تقريبًا لسد الفجوة.
في 23 أبريل/نيسان 2026، طرحت الشركة أول مناقصة فورية لها منذ ديسمبر/كانون الأول 2023 للحصول على ثلاث شحنات بسعة 140 ألف متر مكعب لكل منها. الهدف كان واضحًا: الوصول إلى ميناء قاسم في كراتشي بسرعة قبل أن تشتد الحرارة أكثر. لكن الأمور لم تسر كما خططوا تمامًا؛ ففي مايو/أيار، أُغلقت إحدى المناقصات دون أي ترسية، رهانًا حكوميًا خاطئًا على أن الحرب ستنتهي قريبًا.
الدبلوماسية الطاقية: صفقة العبور الإيرانية
هنا تكمن القصة الأكثر إثارة للاهتمام. بينما كانت دول أخرى تنتظر، استخدمت باكستان نفوذها الدبلوماسي بذكاء. في 12 مايو/أيار 2026، كشفت رويترز عن اتفاقات سرية بين إسلام آباد وطهران تتيح نقل شحنات عبر المضيق. سفينتان محملتان بغاز مرتبط بقطر وصلتا إلى باكستان بموجب هذا الاتفاق، وهو أمر لم يحدث لأي دولة أخرى منذ بداية الحرب.
هذا الدور الوسيط منح باكستان ميزة تنافسية غير مسبوقة. استوردت ثاني شحنة لها من الخليج الفارسي خلال أسبوع واحد فقط، بمجموع بلغ 160 ألف طن. هذه الخطوة لا تعني بالضرورة تحسن العلاقات السياسية بشكل كامل، لكنها تظهر براغماتية إسلام آباد في تأمين الوقود بأي ثمن.
الأرقام تتحدث: تكلفة البقاء على قيد الحياة
التكلفة هي الجانب الأقل ملاءمة لهذه القصة. أسعار الغاز في السوق الفورية قفزت إلى نطاق بين 20 و30 دولارًا لكل مليون وحدة حرارية بريطانية (mmBtu). ومع ذلك، اضطر المسؤولون للشراء. في منتصف يوليو/تموز 2026، اشترت باكستان شحنة من توتال إنرجيز إس إي (TotalEnergies SE) بسعر 17.37 دولارًا للوحدة الحرارية، وهي صفقة تعتبر "رخيصًا" نسبيًا مقارنة بالسوق العام، لكنها باهظة مقارنة بالتعاقدات طويلة الأجل السابقة.
- عدد الشحنات المستلمة: 10 شحنات منذ بداية الحرب، والشحنة الحالية هي رقم 11.
- الاعتماد على السوق الفورية: 6 عمليات شراء فورية حتى الآن، مقابل تعاقدات سابقة مستقرة.
- الفجوة السعرية: ارتفاع الأسعار بنسبة تصل إلى 50% فوق مستويات ما قبل الحرب.
- الخطة المستقبلية: شراء ما لا يقل عن شحنة واحدة في يوليو وما يصل إلى 6 شحنات في أغسطس.
صرّح علي پرويز مالك, وزير البترول الباكستاني بأن الحكومة قلقة من أن التوترات المتجددة قد تهدد إمدادات الصيف. وأضاف أنهم يفضلون الاتفاقات الحكومية-الحكومية لتجنب دفع علاوات سعرية مبالغ فيها، لكن الواقع يفرض عليهم اللجوء للسوق المفتوحة.
ما الذي يعنيه هذا للمستهلك والمواءمة المستقبلية؟
إذا ظلت حرب هرمز قائمة، فإن استراتيجية باكستان ستتوسع لتشمل المزيد من النفط الخام الإيراني، مستفيدة من إعفاء العقوبات الأمريكية الساري حتى 21 أغسطس/آب 2026. هذا يفتح بابًا جديدًا أمام إسلام آباد لتنويع مصادر طاقتها بعيدًا عن الاعتماد الكلي على قطر وحدها. لكن السؤال المطروح: هل تستطيع الخزينة العامة تحمل هذه التكاليف الإضافية لفترة طويلة؟
المستقبل يبدو غامضًا. الخبراء يتوقعون أن تواصل باكستان الرهان على مزيج من الشحنات القطرية الأقل كلفة (إن عاد التدفق)، والاتفاقات مع إيران، والمشتريات الفورية المكلفة. بالنسبة للمواطن العادي، قد يعني ذلك استمرار الانقطاعات الكهربائية أو ارتفاع فواتير الكهرباء إذا ارتفعت أسعار الوقود المحلي. إنها قصة عن الصمود في وجه أزمة جيوسياسية، حيث تتحول الدبلوماسية إلى أداة طاقية بحتة.
أسئلة شائعة حول أزمة الغاز في باكستان
لماذا تعتمد باكستان الآن على السوق الفورية رغم ارتفاع الأسعار؟
بسبب توقف الشحنات التعاقدية من قطر منذ مارس 2026 وإغلاق مضيق هرمز، أصبحت السوق الفورية المصدر الوحيد المتاح لتلبية الطلب الصيفي المرتفع على الكهرباء والتبريد، رغم أن الأسعار قفزت إلى 20-30 دولارًا للوحدة الحرارية.
كيف استفادت باكستان من دورها الوسيط بين واشنطن وطهران؟
استخدمت باكستان نفوذها الدبلوماسي للتفاوض مع إيران على ترتيبات عبور خاصة لشحنات الغاز عبر مضيق هرمز، مما سمح لها باستقبال شحنات لم تصل لأي دولة أخرى منذ بداية الحرب، مثل الشحنتين اللتين وصلتا في مايو 2026.
ما حجم الخطة الجديدة لشراء الغاز في أغسطس 2026؟
تخطط الحكومة لشراء ما يصل إلى ست شحنات من الغاز الطبيعي المسال من السوق الفورية للتسليم في أغسطس 2026، بالإضافة إلى شحنة واحدة على الأقل في يوليو، لتأمين الإمدادات خلال ذروة الاستهلاك الصيفي.
هل ستستورد باكستان نفطًا خامًا من إيران؟
نعم، تدرس وزارة البترول استيراد نفط خام أرخص من إيران وزيادة واردات غاز البترول المسال (LPG)، مستفيدة من الإعفاء الأمريكي من العقوبات الساري حتى 21 أغسطس 2026، لتنويع مصادر الطاقة وتقليل التكاليف.
كم عدد الشحنات التي استلمتها باكستان منذ بداية الحرب؟
تلقت باكستان 10 شحنات من الغاز الطبيعي المسال منذ بداية الحرب في أواخر فبراير 2026، والشحنة الجارية في منتصف يوليو ستكون رقم 11 إجمالاً، منها 6 عمليات شراء مباشرة من السوق الفورية.
Rawan Halabi
المفارقة التي تلمسها في هذا التحول الجذري من الفائض إلى العجز الحاد ليست مجرد خلل إداري أو تقني، بل هي انعكاس فلسفي عميق على هشاشة التوازنات الجيوسياسية التي بنينا عليها هياكلنا الاقتصادية الحديثة؛ فحينما تتحول الدبلوماسية من أداة للتفاوض السلمي إلى سلاح للبقاء الطاقي، نجد أنفسنا أمام مشهد درامي حيث يصبح المضيق المغلق رمزاً لانغلاق الأفق البشري نفسه.
إن براغماتية إسلام آباد في استغلال نفوذها الوسيط بين واشنطن وطهران تكشف عن وجه آخر للقوة الناعمة، تلك القوة التي لا تُقاس بالجيوش بل بقدرة الدول على تحويل الأزمات إلى فرص عبور استراتيجية، مما يجعل من هذه الشحنة الغازية المتدفقة عبر مياه مضيق هرمز المحاصرة قصيدة صامتة عن الصمود الإنساني في وجه الفوضى العالمية.
لكن السؤال الذي يظل معلقاً في الهواء كدخان المولدات الكهربائية المعطلة هو: هل ستتحمل الخزينة العامة وزر هذا العبء المالي الإضافي لفترة طويلة دون أن تنعكس الكلفة مباشرة على جيب المواطن العادي؟
فالانقطاعات المتدحرجة التي وصفها المحللون ليست مجرد أرقام في تقارير الطاقة، بل هي صرخات متصاعدة من بيوت الناس الذين يجدون أنفسهم عالقين في الظلام وسط حرارة الصيف اللاهبة، في انتظار شحنة غاز قد تصل وقد لا تصل، تماماً كما ننتظر الفجر بعد ليل طويل من عدم اليقين.
Abdalla Kassim
أظن ان القراءه العميقه للموقف تبين ان ما حدث ليس سوى نتاج طبيعي لتقلبات السوق العالميه
فالتحول من بيع الفائض الى شراء الاسواق الفوريه يعكس تغيرا جذريا في موازين القوى الطاقيه بالمنطقه
ومحاوله اسلام اباد لاستخدام دورها الدبلوماسي هي خطوه ذكيه رغم مخاطرها السياسيه
لكن يبقى السؤال الاهم هو مدى استقرار هذه الاتفاقات السريره مع طهران
فالاعتماد على مصادر غير تقليديه قد يوفر حل مؤقت لكنه يزيد من التعقيد المستقبلي
Essam Hecker
بصراحة الموقف صعب جداً لكن الحكومه تحاول تفادي الأسوأ
الشراء من السوق الفوريه غالي بس أفضل من انقطاع الكهرباء تماماً
أتمنى الأمور تحسن قريب وتعود الشحنات القطريه
المواطن هو المتضرر الأول في النهاية
latifah rokhmah
من خلال تحليل دقيق لمسار الأحداث منذ أواخر فبراير وحتى منتصف يوليو، يتضح أن الاعتماد المتزايد على السوق الفورية لم يكن خياراً حراً بقدر ما كان اضطراراً قسرياً فرضته الظروف الاستثنائية الناتجة عن إغلاق مضيق هرمز، وهو ما يؤكد على الحاجة الملحة لإعادة النظر في استراتيجيات التنويع الطاقي على المدى الطويل.
فبينما كانت إعادة بيع 45 شحنة فائضة تمثل قمة الثقة في الاستقرار الإقليمي، أصبحت الآن نفس الكميات محوراً لصراع وجودي حول تأمين أساسيات الحياة اليومية، مما يعكس سرعة تقلب المعطيات الجيوسياسية وقدرتها على قلب الموازين في غضون أسابيع قليلة فقط.
كما أن الصفقة الأخيرة مع توتال إنرجيز بسعر 17.37 دولاراً، وإن كانت تبدو أقل من متوسط السوق الحالي، إلا أنها تشير إلى وجود هامش تفاوضي ضيق يمكن استغلاله إذا ما أحسنت إدارة الدولة ملفاتها الدبلوماسية والطاقية بالتوازي.
وبالتالي، فإن الرهان على مزيج من النفط الإيراني والشحنات القطرية المحتملة يبدو منطقياً نظرياً، لكنه يتطلب رقابة صارمة على التكاليف لضمان عدم تحول الأزمة الحالية إلى أزمة مالية مستدامة تؤثر على ميزانية الدولة بشكل عام.