الأمن الأردني يفك لغز اختفاء رجل منذ 11 عاماً: الزوجة قتله ودفنته
تخيّل أنك تبحث عن شخص غاب عن حياتك لعقد كامل، لتكتشف في النهاية أنه كان تحت قدميك طوال تلك المدة. هذا بالضبط ما حدث في أبو نصير شمال العاصمة عمّان، حيث كشفت أجهزة الأمن الأردنية مؤخراً عن واحدة من أكثر القضايا غموضاً: امرأة قتلت زوجها ودفنت جثمانه في فناء المنزل قبل 11 عاماً، ثم أبلغت عن "اختفائه" لتنجو من الشبهات لسنوات طويلة.
القضية التي ظلت ملفاً مغلقاً في سجلات الشرطة منذ عام 2015، أعيد فتحها أخيراً بواسطة فريق متخصص في القضايا المجهولة. التفاصيل مرعبة ومثيرة للدهشة في آن واحد؛ فالجثة لم تكن مدفونة في مكان بعيد أو مخفي ببراعة جنائية معقدة، بل كانت تحت طبقة إسمنتية في حوش البيت نفسه، على عمق يقارب ستة أمتار، بينما كانت الزوجة تعيش حياتها وكأن شيئاً لم يكن.
كيف بدأت الحكاية؟ رحلة إلى تركيا وبلاغ متأخر
لنفهم كيف استمر اللغز طويلاً، يجب أن نعود بالذاكرة قليلاً. وفقاً لتقارير محلية، غادر الرجل المملكة متوجهاً إلى تركيا في عام 2014. عاد بعد عشرين يوماً فقط، لكن الحياة الزوجية لم تكن على ما يرام. الخلافات العائلية والمشادات المتكررة كانت السمة الغالبة في المنزل الواقع في شمال عمّان.
المفارقة الكبيرة هنا هي التأخر في الإبلاغ. لم يتقدم أحد ببلاغ رسمي فور عودته أو بعد فترة قصيرة من غيابها المفاجئ لاحقاً. بدلاً من ذلك، انتظر أفراد العائلة عاماً تقريباً قبل أن يستفسروا بجدية، مما دفع الزوجة لتقديم بلاغ تغيّب رسمي في عام 2015. هذا التأخير منحها وقتاً ذهبياً لإحكام قبضتها على السر وإخفاء الأدلة الأولية، وهو ما جعل القضية تبدو كحالة اختفاء عادية في البداية، وليست جريمة قتل مدبرة.
دور وحدة "القضايا الباردة" في إعادة إحياء الملف
ما الذي تغير فجأة بعد 11 عاماً؟ الإجابة تكمن في عمل إدارة البحث الجنائي التابعة لـمديرية الأمن العام. الوحدة المتخصصة في القضايا المجهولة (Cold Case Unit) قررت مراجعة الملفات القديمة غير المحسومة. عند إعادة فحص ملف التغييب لعام 2015، لاحظ المحققون تناقضات دقيقة في رواية الزوجة وتفاصيل البلاغ الأصلي.
الاشتباه وقع مباشرة عليها. بعد استجواب دقيق ومواجهتها بالأدلة المستخلصة من إعادة التحليل، انهارت الدفاعات النفسية للمتهمة. اعترفت بأنها أقدمت على قتل زوجها إثر شجار عنيف، حيث اعتدت عليه بضربه على رأسه باستخدام لوح زجاجي (أو أداة حادة كما وردت في بعض المصادر)، ثم طعنته عدة مرات حتى فارق الحياة. الخطة التالية كانت باردة الدماء: دفنت الجثة في ساحة ترابية بفناء المنزل، ثم صبت فوقها طبقة من الإسمنت لإخفاء أي رائحة أو أثر قد يكشف الحقيقة.
ثلاثة أيام من الحفر تكشف الحقيقة المدفونة
بعد الاعتراف، بدأت الفرق المختصة بالتنقيب في الموقع المحدد. العملية لم تكن سهلة؛ فقد استغرق استخراج الجثة ثلاثة أيام متواصلة من أعمال الحفر والتنقيب المكثفة. عندما تم رفع الطبقات الإسمنتية والتربة، وجدت فرق الطب الشرعي جثمان الرجل على عمق مذهل يبلغ حوالي ستة أمتار. هذا العمق الكبير يوضح مدى الحرص الذي أولته المتهمة لإخفاء الجريمة، آملة ألا يخطر ببال أحد أبداً النظر تحت أرضية حوش منزلها.
التحقيق المشترك بين إدارة البحث الجنائي وقيادة أمن إقليم العاصمة أكد أن الجثة تعود فعلاً للرجل المفقود، مما أغلق دائرة الشك وأثبت صحة الاعترافات. هذه العملية تعد مثالاً صارخاً على أهمية وحدات القضايا الباردة، والتي لا تستسلم لفكرة أن الزمن يمحو الأثر، بل تثبت أن العدالة قد تأخذ وقتاً طويلاً لكنها تصل حتماً.
الإجراءات القانونية: تهمة القتل العمد والمحاكمة القادمة
لم تتوقف الإجراءات عند استخراج الجثة. تم تحويل المتهمة إلى محكمة الجنايات الكبرى في عمّان. قرر مدعي عام المحكمة توجيه تهمة واحدة واضحة وهي "القتل العمد"، وهو تصنيف قانوني يشير إلى وجود نية مسبقة أو فعل قاسٍ أدى إلى الوفاة بشكل مؤكد. كما أمر بتوقيفها لمدة 15 يوماً على ذمة التحقيق لاستكمال باقي الإجراءات القانونية والفحوصات الطبية الشرعية النهائية على الجثمان.
هذه المرحلة هي الأخيرة قبل بدء جلسات المحاكمة العلنية. ومن المتوقع أن تعتمد المحكمة بشكل كبير على الاعترافات المسجلة، بالإضافة إلى التقارير الطبية الجنائية التي ستحدد بدقة لحظة الوفاة والأداة المستخدمة، وربطها باعترافات المتهمة. القضية الآن تنتقل من نطاق التحقيقات الأمنية إلى ساحة القضاء، حيث سيحكم القانون على مصير المرأة التي خانت ثقة أسرتها وعائلتها لأكثر من عقد من الزمان.
أسئلة شائعة حول القضية
لماذا استغرقت عملية حل القضية 11 عاماً كاملة؟
السبب الرئيسي هو تأخر تقديم بلاغ التغييب الرسمي، حيث لم يُبلَّغ عن الاختفاء إلا بعد مرور عام تقريباً من الواقعة الفعلية في 2014. بالإضافة إلى ذلك، دفنت المتهمة الجثة على عمق ستة أمتار وغطتها بالإسمنت، مما جعل اكتشافها مستحيلاً دون اشتباه محدد. إعادة فتح الملف جاءت بفضل عمل وحدة متخصصة في القضايا المجهولة راجعت الملفات القديمة بحثاً عن تناقضات.
ما هي التهمة القانونية الموجهة للزوجة حالياً؟
وجه مدعي عام محكمة الجنايات الكبرى تهمة "القتل العمد" للمتهمة. هذه التهمة تعني أن الجريمة وقعت بنية قتل أو بعنف شديد أدى إلى الوفاة المحتمة. وقد تم توقيفها لمدة 15 يوماً على ذمة التحقيق لاستكمال الفحوصات والإجراءات قبل إحالتها رسمياً للمحاكمة.
كيف تم العثور على الجثة تحديداً؟
بعد اعتراف الزوجة بمكان الدفن، باشرت الفرق الأمنية عمليات حفر في فناء المنزل بمنطقة أبو نصير. استمرت الأعمال ثلاثة أيام متواصلة حتى تم استخراج الجثمان من عمق يقارب ستة أمتار، أسفل طبقة إسمنتية كانت قد صبّها المتهمة لإخفاء معالم الجريمة.
هل هناك تفاصيل عن هوية الضحية أو المتهمة؟
حتى الآن، اكتفت البيانات الرسمية والصحفية بعدم ذكر الأسماء الكاملة للزوجين حفاظاً على الخصوصية أو بانتظار صدور أحكام قضائية نهائية. تم الإشارة إليهما بوصف وظيفي كـ"رجل أردني" و"زوجته"، مع تحديد موقع الجريمة في منطقة أبو نصير شمال عمّان فقط.