زرداري لبلجيكا: شراكة بناءة تمتد عبر 75 عامًا من التعاون

زرداري لبلجيكا: شراكة بناءة تمتد عبر 75 عامًا من التعاون

في لحظة دبلوماسية هادئة لكنها تحمل وزنًا تاريخيًا، وجّه الرئيس الباكستاني آصف علي زرداري, رئيس جمهورية باكستان الإسلامية رسالة تهنئة رسمية إلى الملك فيليب وشعب بلجيكا بمناسبة اليوم الوطني. لم تكن مجرد كلمات مجاملة عابرة؛ بل كانت تأكيدًا صريحًا على أن العلاقة بين إسلام آباد و
بروكسل ليست عابرة، بل هي "شراكة بناءة" راسخة تمتد جذورها عبر عقود من الاحترام المتبادل.

هنا تكمن الأهمية الحقيقية: في وقت تتقلب فيه التحالفات العالمية، تختار باكستان تعزيز روابطها مع حليف أوروبي محوري. الرسالة، التي نُشرت في 21 يوليو 2026، لم تقتصر على التهنئة، بل رسمت خريطة طريق للمستقبل تربط بين المنفعة الاقتصادية والقيم المشتركة مثل الديمقراطية والتنمية المستدامة.

جذور تمتد إلى عام 1947: قصة صداقة قديمة

لنفهم عمق هذه الرسالة، علينا العودة إلى الوراء قليلاً. العلاقة بين البلدين ليست وليدة اللحظة، بل تعود إلى بيان مشترك صدر في 26 نوفمبر 1947، حيث قررت الحكومتان قبول بعثات دبلوماسية متبادلة. افتُتحت هذه البعثات فعليًا في عام 1948، مما يعني أن البلدين يحتفلان هذا العام بمرور أكثر من سبعة عقود على بدء حوارهما الرسمي.

وزارة الخارجية الباكستانية تصف هذا المسار بأنه "تصاعدي"، مدعومًا بما تسميه "روابط بين الشعوب" وليس فقط بالاجتماعات الحكومية. وفي عام 2023، احتفل الطرفان بالذكرى الخامسة والسبعين لتأسيس العلاقات الدبلوماسية، وهو ما يعتبره المسؤولون نقطة تحول في تعميق التعاون الثنائي.

الآلية العملية: مشاورات سياسية تحدد الاتجاه

كيف تُترجم هذه الكلمات إلى أفعال؟ الإجابة تكمن في آلية "المشاورات السياسية الثنائية" (BPC). هذه ليست اجتماعات رمزية، بل جلسات عمل مكثفة تحدد أجندة التعاون للسنة التالية. الجولات الأخيرة شهدت نشاطًا ملحوظًا:

  • الجولة الثانية (يونيو 2023): عُقدت في إسلام آباد، حيث اتفق الجانبان على جعل هذه المشاورات حدثًا سنويًا منتظمًا.
  • الجولة الثالثة (ديسمبر 2024): استضافتها بروكسل بقيادة السفير الباكستاني شفقات علي خان ونظيره البلجيكي جيرون كورمان، حيث طالت المناقشات التجارة والاستثمار والتبادلات الثقافية.
  • الجولة الرابعة (يناير 2026): قادتها السفيرة عائشة علي من الجانب الباكستاني، مؤكدة استمرار الزخم في العلاقات.

هذا التسلسل الزمني يظهر التزامًا مؤسسيًا حقيقيًا، لا مجرد علاقات شخصية بين قادة.

أبعاد اقتصادية وسياسية تتجاوز الحدود

أبعاد اقتصادية وسياسية تتجاوز الحدود

ما وراء الديبلوماسية التقليدية، هناك مصالح ملموسة. في يناير 2023، التقى رئيس وزراء إقليم السند، سيد مراد علي شاه، بوفد برلماني بلجيكي في كراتشي. النتيجة؟ اتفاقات لتوسيع التعاون في قطاعات حيوية مثل تكنولوجيا المعلومات، والزراعة، وتصنيع الأغذية، والطاقة المتجددة، والبناء. هذه ليست قطاعات ثانوية، بل هي محركات النمو الاقتصادي في باكستان حاليًا.

كما يلعب البرلمان دورًا فاعلًا. رئيس الجمعية الوطنية الباكستانية، راجا برويز أشرف، أكد خلال لقاءاته مع نظرائه البلجيكيين أن العلاقات تقوم على "مثُل مشتركة" تشمل الديمقراطية والتعددية. هذا الربط بين الاقتصاد والقيم السياسية يميز الشراكة الباكستانية البلجيكية عن غيرها.

الدور المحوري داخل الاتحاد الأوروبي

لا يمكن فهم العلاقة مع بلجيكا بمعزل عن علاقتها بالاتحاد الأوروبي. زرداري نفسه أشار في رسالته إلى أن بلجيكا تضطلع بدور "محوري" في الاتحاد. هذا ليس مبالغة؛ فبلجيكا تستضيف مقرات عدة مؤسسات أوروبية رئيسية، مما يجعلها بوابة طبيعية لباكستان نحو القارة العجوز.

في هذا السياق، أطلق البلدان في عام 2022 "حوار الهجرة والحركية"، الذي يهدف إلى فتح مسارات قانونية للهجرة وكبح غير القانونية. هذا الحوار يعكس نضج العلاقة، حيث يتحول التحدي الإنساني إلى فرصة للتعاون المنظم.

حقائق أساسية عن الشراكة الباكستانية-البلجيكية

  • تأسست العلاقات الدبلوماسية رسميًا في 1947.
  • احتفل البلدان بالذكرى الـ75 للعلاقات في عام 2023.
  • عُقدت 4 جولات من المشاورات السياسية الثنائية منذ 2023.
  • قطاعات التعاون تشمل: التكنولوجيا، الزراعة، الطاقة المتجددة، والتعليم.
  • السفير الحالي لباكستان لدى بلجيكا هو رحيم حيات قريشي.
ماذا يعني هذا للمستقبل؟

ماذا يعني هذا للمستقبل؟

مع تعيين سفير جديد، رحيم حيات قريشي، وتقديم أوراق اعتماده في يناير 2026، يبدو أن إسلام آباد جادة في ترسيخ حضورها الدبلوماسي في أوروبا. الرسالة الأخيرة لزرداري تأتي في إطار هذا الحراك، مشيرة إلى أن السنوات القادمة ستشهد "تعزيزًا لأواصر الصداقة" بما يعود بالنفع على شعبي البلدين.

البطاقة الرابحة هنا هي التوازن: باكستان تبحث عن تنويع شركائها بعيدًا عن الاعتماد الأحادي، وبلجيكا ترى في باكستان سوقًا ناشئًا وشريكًا مستقرًا نسبيًا في جنوب آسيا. السؤال الآن ليس "هل ستستمر العلاقة؟"، بل "إلى أي مدى ستتعمق في ملفات حساسة مثل الأمن الإقليمي وتغير المناخ؟".

أسئلة شائعة حول العلاقات الباكستانية البلجيكية

ما هي المجالات الرئيسية للتعاون الاقتصادي بين باكستان وبلجيكا؟

تركز الاتفاقات الأخيرة على خمسة قطاعات محددة: تكنولوجيا المعلومات، الزراعة، تصنيع الأغذية، الطاقة المتجددة، وقطاع البناء. هذه القطاعات تم اختيارها بناءً على المزايا النسبية لكل بلد، حيث توفر بلجيكا التقنية والخبرة الهندسية، بينما تقدم باكستان قاعدة إنتاجية وسوقًا واسعة.

كيف تؤثر بلجيكا على سياسة باكستان تجاه الاتحاد الأوروبي؟

تعتبر بلجيكا شريكًا محوريًا لأنها تستضيف مقرات مؤسسات أوروبية رئيسية. تعاون باكستان مع بلجيكا غالبًا ما يكون نموذجًا أو مقدمة لاتفاقات أوسع مع الاتحاد الأوروبي ككل، خاصة في ملفات مثل الهجرة والتجارة والاستثمار، مما يجعل بروكسل نقطة ارتكاز استراتيجية لإسلام آباد.

ما هو هدف "حوار الهجرة والحركية" الذي أُطلق عام 2022؟

يهدف هذا الحوار إلى تنظيم تدفقات الهجرة بشكل قانوني ومنظم. يسعى الطرفان إلى فتح قنوات شرعية للعمالة الباكستانية المؤهلة للدخول إلى دول الاتحاد الأوروبي، مع العمل المشترك لكبح الهجرة غير النظامية، مما يحقق منفعة مزدوجة: فرص عمل للباكستانيين وأيدي عاملة للمؤسسات الأوروبية.

من يقود حالياً الوفد الباكستاني في المشاورات السياسية مع بلجيكا؟

في الجولة الرابعة التي عقدت في يناير 2026، قاد السفيرة عائشة علي، وهي مساعد وزير خارجية لشؤون أوروبا، الوفد الباكستاني. أما على مستوى التمثيل الدبلوماسي الدائم، فقد قدم السفير رحيم حيات قريشي أوراق اعتماده في بداية عام 2026، ليصبح الوجهة الرسمية للعلاقات الثنائية.