الرشيد هارون: صحافي سوداني مختفي منذ 14 شهراً في سجن دارفور
تخيّل أنك تمشي في السوق لشراء خبزك اليومي، وفجأة تظهر أمامك سيارة عسكرية وتختطفك دون كلمة واحدة. هذا بالضبط ما حدث للصحفي السوداني الرشيد محمد هارون في أواخر يوليو/تموز 2025. لم تكن هناك تهم، ولا محامٍ، ولا حتى اتصال هاتف واحد لعائلته. منذ ذلك الحين، وهو يقبع في العراء أو خلف قضبان حديدية في سجن دقريس جنوب غرب مدينة نيالا، بينما تتراكم الأسئلة أكثر من الإجابات.
القصة ليست مجرد رقم في قائمة المعتقلين؛ إنها مرآة تعكس حالة القلق التي تعيشها الساحة الإعلامية في إقليم دارفور. التقارير تشير بوضوح إلى أن قوات الدعم السريع تستخدم الاعتقال التعسفي كأداة لقمع الأصوات المستقلة، خاصة تلك التي تسأل عن المال العام أو تنتقد القرارات الإدارية. هنا، حيث يلتقي الصمت الرسمي مع صرخات المنظمات الدولية، نجد أنفسنا أمام مشهد مقلق يهدد جوهر العمل الصحفي نفسه.
كيف بدأت الحكاية؟ تفاصيل الاعتقال والنقل
لنعد بالزمن قليلاً إلى سوق "أردبة" في مدينة الجنينة، عاصمة ولاية غرب دارفور. الشهود المحليون يؤكدون أن جنوداً تابعين لقوات الدعم السريع اقتادوا الرشيد هارون من قلب السوق العام، بعيداً عن أي موقع عسكري أو جبهة قتالية. هذا التفصيل مهم جداً، لأنه يعني أن القوات مارست سلطتها الأمنية في الفضاء المدني المفتوح، مما يثير تساؤلات حول مدى انضباط هذه القوات خارج نطاق المعارك المباشرة.
بعد أسابيع قليلة من احتجازه في مراكز غير رسمية بغرب دارفور، تم نقله في أوائل أغسطس/آب 2025 إلى سجن دقريس في نيالا. المسافة بين الجنينة ونيالا ليست قصيرة، والنقل عبر مناطق متنازع عليها يكشف عن شبكة تحكم واسعة تملكها هذه القوات في حركة التنقل والاحتجاز داخل الإقليم. المشكلة الكبرى؟ لا أحد يعرف لماذا تم اعتقاله أصلاً. لا توجد أوراق قضائية معلنة، ولا بيان رسمي يوضح التهمة.
صمت العائلة وضغط المنظمات الدولية
ما يجعل الوضع أكثر قسوة هو حرمان أسرة الرشيد من زيارته. تخيل أن ابنك أو أخاك محتجز منذ أكثر من عام، وأنت لا تعرف إن كان بخير، ولا تستطيع حتى رؤية وجهه. هذا الحرمان من التواصل الأسري يضاف إلى انتهاك الحق في الحرية والأمن الشخصي. لجنة حماية الصحفيين (CPJ)، المقررة في نيويورك، أصدرت تقريراً مفصلاً تؤكد فيه غياب التفسير القانوني للاعتقال، مستندةً إلى إفادات صحفيين محليين فضلوا عدم الكشف عن أسمائهم خشية الانتقام.
ولم تكن اللجنة وحدها؛ فـالمعهد الدولي للصحافة (IPI) انضم للمطالبة بالإفراج عنه، واصفاً وضعه بأنه "احتجاز دون تفسير". هذه الضغوط الدولية ليست شكليات بيروقراطية، بل هي آخر خط دفاع يحمي الصحفيين في المناطق التي ينعدم فيها حكم القانون الفعلي. لكن السؤال المطروح: هل تكفي البيانات الدولية لكسر جدران الصمت في سجون دارفور؟
نمط متكرر: ليس رشيد وحده
إذا نظرت إلى الصورة الكبيرة، ستجد أن قضية الرشيد هارون ليست استثناءً، بل هي حلقة في سلسلة طويلة من الانتهاكات. دعونا نلقي نظرة سريعة على بعض الحالات الأخرى التي توثق هذا النمط:
- ثلاث صحفيات في نيالا: في فبراير/شباط 2026، اعتقلت قوات الدعم السريع الصحفيات موهبة إبراهيم، وزهراء محمد الحسن، وإشراقة عبد الرحمن بعد مشاركتهن في ورشة عمل. أُودِعن في سجن "كوريا" دون تهم واضحة.
- الصحفي آدم إسحق منان: اختُطف في أبريل/نيسان 2026 من مدينة كتم بشمال دارفور، ضمن حملة اعتقالات طالت مدنيين آخرين، بما في ذلك شقيقه سيدو إسحق منان.
- الناشط حمدان حسوبة: اعتُقل في أغسطس/آب 2026 بمدينة الضعين شرق دارفور، والسبب؟ منشورات نقدية على فيسبوك حول شبهات فساد في سوق المدينة.
لاحظوا النقطة المشتركة: النشاط المهني أو الرأي النقدي هو الدافع الأساسي. سواء كنت تكتب مقالاً، تحضر ورشة تدريبية، أو تنشر تغريدة تنتقد عمولة تحويل أموال، فالخطر يتربص بك. هذا يخلق بيئة رعب تدفع بالكثيرين إلى "الرقابة الذاتية"، وهي أشد فتكاً من الاعتقال نفسه لأنها تقتل روح الصحافة قبل جسد الصحفي.
ماذا يعني هذا لمستقبل الإعلام في السودان؟
الخبراء يحذرون من أن استمرار هذا النمط سيؤدي إلى ترسيخ ثقافة الإفلات من العقاب. عندما يصبح الاعتقال بلا محاكمة هو القاعدة وليس الاستثناء، فإن الثقة بين المواطن والإعلام تنهار. نحن لا نتحدث فقط عن حقوق فردية، بل عن حق المجتمع كله في المعرفة والمساءلة. بدون صحافة حرة، يصعب كشف الفساد، ويصعب أيضاً توثيق الانتهاكات الأخرى التي قد تحدث في ظل الحرب.
التحدي القادم يكمن في كيفية تحويل هذه التقارير الدولية إلى ضغط سياسي ملموس. تحتاج الجهات المعنية إلى آليات أكثر فعالية لضمان وصول المحامين للمعتقلين، وإلى ضمانات أمنية للسكان المحليين الذين يبلّغون عن الانتهاكات. بدون ذلك، ستبقى قصص مثل قصة الرشيد هارون عالقة في دوامة النسيان، بينما تستمر الآلة البيروقراطية والعسكرية في عملها بصمت.
أسئلة شائعة
ما هي التهم الموجهة للصحفي الرشيد محمد هارون؟
حتى الآن، لم تُعلن أي تهم رسمية ضد الرشيد هارون. تؤكد لجنة حماية الصحفيين والمعهد الدولي للصحافة أنه محتجز بشكل تعسفي دون توجيه اتهامات محددة أو عرضه على القضاء، مما يجعل حالته مثالاً كلاسيكياً للاحتجاز الإداري أو التعسفي خارج إطار الإجراءات القانونية المعلنة.
أين يوجد الصحفي حالياً؟
وفقاً لتقارير المنظمات الحقوقية، تم نقل الرشيد هارون من مراكز احتجاز في غرب دارفور إلى سجن "دقريس" الواقع جنوب غرب مدينة نيالا، عاصمة ولاية جنوب دارفور. وهو ما يزال محتجزاً هناك منذ أوائل أغسطس/آب 2025 دون السماح لأسرته بزيارته بانتظام.
هل هذه الحالة الوحيدة لاعتقال صحفيين في دارفور؟
لا، تعتبر قضية هارون جزءاً من نمط واسع. وثقت المنظمات الدولية حالات متعددة، منها اعتقال ثلاث صحفيات في نيالا عام 2026، والصحفي آدم إسحق منان في شمال دارفور، والناشط حمدان حسوبة في شرق دارفور. جميع هذه الاعتقالات تمت غالباً بسبب النشاط المهني أو المنشورات النقدية على وسائل التواصل الاجتماعي.
ما دور لجنة حماية الصحفيين (CPJ) في هذه القضية؟
تلعب لجنة حماية الصحفيين دور الرصد والتوثيق. تعتمد المنظمة على مصادر ميدانية محلية (غالباً مجهولة الهوية لأسباب أمنية) لإصدار بيانات وتقارير تطالب فيها قوات الدعم السريع بالإفراج الفوري عن الصحفيين المعتقلين وتوضيح أسباب احتجازهم، سعياً لخلق ضغط دولي ومهني لإنهاء الانتهاكات.