العراق يرفض استخدام أراضيه لأعمال عسكرية ويؤكد سيادته
في خطوة حاسمة تعكس محاولة بغداد لإعادة ضبط دورها في معادلة الشرق الأوسط المتوترة، أكدت جمهورية العراق رسمياً رفضها القاطع لاستخدام أراضيها أو أجوائها أو مياهها الإقليمية كنقطة انطلاق لأي أعمال عسكرية تستهدف دولاً أخرى. هذا الموقف، الذي صاغه المسؤولون العراقيون بلغة قانونية وسياسية دقيقة، ليس مجرد بيان دبلوماسي روتيني، بل هو رد فعل مباشر على تصاعد الضغوط الإقليمية والدولية التي تحاصر العاصمة من كل جانب.
جاء التأكيد الأبرز عبر بيان رسمي نشرته وكالة الأنباء العراقية "واع" الخميس الماضي، حيث شدد الناطق باسم القائد العام للقوات المسلحة على أن الموقف "ثابت ومبدئي". لكن الصورة الأكبر تتضح عندما نربط هذا البيان بتصريحات مستشار الأمن القومي العراقي يوم الاثنين، والتي كشفت عن عمق التحديات الأمنية والسياسية التي تواجه بغداد اليوم.
تصعيد الخطاب الرسمي: من الثوابت المبدئية إلى الواقع الأمني
هناك فرق دقيق بين ما تقوله الدبلوماسية وما تفعله الأرض. ففي بيانه، أكد صباح النعمان, الناطق باسم القائد العام للقوات المسلحة العراقية أن الرفض يشمل أي عمل عسكري يستهدف "أي دولة كانت". هذه الصيغة الشاملة مهمة جداً؛ فهي تغلق الباب أمام أي تفسير قد يحاول تقييد الرفض بدولة معينة، مما يعطي بغداد ورقة تفاوضية قوية أمام جميع الأطراف.
من جهة أخرى، ذهب قاسم الأعرجي, مستشار الأمن القومي العراقي إلى أبعد قليلاً في توضيح السياق. فقد أشار إلى أن الرفض ينطبق على العمليات التي تستهدف "دول الجوار"، وشدد في الوقت نفسه على وجود "تنسيق أمني" مع الجمهورية الإسلامية الإيرانية لمعالجة قضايا الأمن المشترك. هنا تكمن المفارقة: العراق يرفض أن تكون أرضه ساحة حرب، لكنه يؤكد التعاون الأمني مع جاره الجنوبي، وهو أمر يبدو متناقضاً للوهلة الأولى لكنه يعكس تعقيدات السياسة العراقية الداخلية والإقليمية.
ملف صحراء كربلاء والنفي القاطع للوجود العسكري غير المرخص
لم يقتصر النقاش على التصريحات العامة، بل امتد إلى تفاصيل حساسة تتعلق بالسيادة العسكرية. فقد خرجت خلية الإعلام الأمني العراقية بنفي قاطع لتقارير إعلامية تحدثت عن وجود عسكري إسرائيلي في منطقة صحراء كربلاء. ولم يكتفِ المسؤولون بالنفي الحالي، بل استعادوا ذكر حادثة عام 2018 كدليل على حزم المؤسسة العسكرية آنذاك.
في تلك الحادثة القديمة، ذكرت الخلية أن مفارز غير مصرح بها اضطرت للمغادرة تحت ضغط قوات الأمن العراقية، مستفيدة من غطاء جوي لحماية انسحابها. الرسالة واضحة: بغداد لا تسمح بوجود قواعد أو قوات غير مرخصة حالياً، وتعتبر أي تقارير تدعي العكس محاولة لـ"استغلال سياسي" وإساءة لسمعة القيادات الأمنية. هذا الموقف يعكس حساسية عالية تجاه أي تدخل خارجي قد يُفسر على أنه اعتداء على السيادة الوطنية.
المعضلة الثلاثية: ضغوط أمريكية ومطالبات عربية
لا يمكن فهم موقف العراق بمعزل عن الضغوط الهائلة التي تمارس عليها. فمن جهة، تطالب الولايات المتحدة الأمريكية بغداد بـ"النأي بنفسها عن إيران" وكبح جماح الفصائل المرتبطة بطهران. وفي خطوة وصفها مسؤولون عراقيون بأنها "أحدث ضربة للضغط علقت واشنطن التعاون والتمويل مع الأجهزة الأمنية العراقية. هذا التعليق المالي والأمني يضع الجيش العراقي في وضع محرج، خاصة مع الاعتماد التاريخي على الدعم الأمريكي للتدريب والمعدات.
ومن جهة أخرى، لا تنسى بغداد المطالبات العربية. ففي مارس الماضي، وجهت ست دول عربية – تشمل السعودية، الكويت، الإمارات، البحرين، قطر، والأردن – دعوة جماعية للعراق لوقف الهجمات التي تنطلق من أراضيه. هذه الدول ترى في النشاط المسلح المنطلق من العراق تهديداً مباشراً لأمنها الوطني، وتتوقع من بغداد اتخاذ إجراءات عملية وليس فقط تصريحات.
القلق الداخلي والخيارات المستقبلية
وراء الستار الدبلوماسي، تسود حالة من القلق داخل أروقة الحكومة العراقية. تشير التقارير إلى أن الجماعات المسلحة تواصل شن هجمات على أهداف داخلية، مما يفاقم الأزمة الأمنية ويجعل مهمة السيطرة على الأراضي أكثر صعوبة. السؤال الجوهري الآن: كيف سيتمكن العراق من تنفيذ التزاماته المعلنة؟
الإطار التنسيقي السياسي العراقي يرى أن الحلول الدبلوماسية هي الطريق الوحيد، لكن الواقع على الأرض يتطلب قرارات أمنية صارمة. إن استمرار الرفض الرسمي لاستخدام الأراضي العراقية كمنطلق للهجمات، دون配套 إجراءات ملموسة لكسر احتكار السلاح للفصائل، قد يجعل هذه التصريحات تبدو كوعود جوفاء في نظر المراقبين الإقليميين. الأيام القادمة ستحدد ما إذا كانت بغداد ستتحرك فعلياً لفرض سيطرتها أم ستبقى عالقة بين مطرقة الضغوط الخارجية وسندان التعقيدات الداخلية.
الأسئلة الشائعة
ما هو الموقف الرسمي للعراق بشأن استخدام أراضيه لأعمال عسكرية؟
أكدت جمهورية العراق، عبر بيان للناطق باسم القائد العام للقوات المسلحة صباح النعمان ومستشار الأمن القومي قاسم الأعرجي، رفضها القاطع والمبدئي لاستخدام أراضيها أو أجوائها أو مياهها الإقليمية كنقطة انطلاق لأي أعمال عسكرية أو عدائية تستهدف أي دولة كانت، سواء كانت دول الجوار أو غيرها، وذلك حفاظاً على أمن واستقرار المنطقة.
هل توجد قوات أو قواعد غير مصرح بها في العراق حالياً؟
نفيت خلية الإعلام الأمني العراقية بشكل قاطع وجود أي قوة أو قواعد غير مصرح بها على الأراضي العراقية في الوقت الحالي. وقد استشهدت الخلية بحادثة عام 2018 في صحراء كربلاء، حيث اضطرت مفارز غير مرخصة للمغادرة تحت ضغط القوات الأمنية، مؤكدة أن أي تقارير تدعي العكس هي محاولات للاستغلال السياسي.
ما هي الضغوط الدولية التي تواجه العراق في هذا الملف؟
يواجه العراق ضغوطاً متعددة المحاور: فأمريكا طالبت بغداد بالنأي بنفسها عن إيران وكبح الفصائل المرتبطة بها، وعلقت مؤخراً التعاون والتمويل الأمني. وفي المقابل، دعت ست دول عربية (السعودية، الكويت، الإمارات، البحرين، قطر، الأردن) في مارس الماضي العراق لوقف الهجمات المنطلقة من أراضيه، مما يضع بغداد في موقف دبلوماسي وأمني معقد.
كيف يؤثر تعليق التمويل الأمريكي على الوضع الأمني العراقي؟
يعتبر تعليق الولايات المتحدة للتعاون والتمويل مع الأجهزة الأمنية العراقية ضربة كبيرة، نظراً للاعتماد التاريخي للجيش العراقي على الدعم الأمريكي في التدريب والتجهيزات. هذا الإجراء يزيد من صعوبة مهمة بغداد في فرض السيطرة الأمنية وكبح نشاط الفصائل المسلحة، خاصة في ظل الحاجة الملحة لتعزيز القدرات الأمنية لمواجهة التهديدات الداخلية والخارجية.
ما دور التنسيق الأمني مع إيران في هذا السياق؟
أكد مستشار الأمن القومي العراقي قاسم الأعرجي وجود تنسيق أمني مع الجمهورية الإسلامية الإيرانية لمعالجة قضايا الأمن المشترك. هذا التنسيق يبدو متناقضاً ظاهرياً مع الضغوط الأمريكية للنأي عن طهران، لكنه يعكس واقع العلاقات الحدودية والأمنية المعقدة التي تحاول بغداد إدارتها لمنع تصاعد التوترات على حدودها الجنوبية.