تركيا تشتري 20 مقاتلة يوروفايتر من بريطانيا.. ولماذا تثير القلق الإسرائيلي؟

تركيا تشتري 20 مقاتلة يوروفايتر من بريطانيا.. ولماذا تثير القلق الإسرائيلي؟

في خطوة عسكرية كبرى هزت أركان السياسة الدفاعية الإقليمية، وقّع رجب طيب أردوغان ورئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر في العاصمة أنقرة اتفاقية تاريخية يوم الاثنين 27 أكتوبر 2025. الصفقة ليست مجرد شراء أسلحة، بل هي رسالة واضحة: تركيا تريد تنويع مصادر قوتها الجوية بعيداً عن الاعتماد الحصري على واشنطن. القيمة المعلنة ضخمة: 8 مليارات جنيه إسترليني (نحو 10.7 مليارات دولار) مقابل 20 مقاتلة متطورة من طراز "يوروفايتر تايفون".

لكن السؤال الذي يشغل الأوساط الأمنية الآن ليس فقط عن مواصفات الطائرة، بل عن التبعات السياسية. لماذا أثارت هذه الصفقة غضباً إسرائيلياً غير مسبوق؟ وكيف غيّرت هذه الخطوة معادلة القوة في الشرق الأوسط؟

تفاصيل الصفقة: من 40 طائرة إلى 20 مقاتلة حديثة

القصة بدأت قبل أشهر، تحديداً في يوليو 2025، حين كشفت تقارير عن نية أنقرة اقتناء ما يصل إلى 40 مقاتلة بقيمة تقارب 5.6 مليارات دولار. لكن المفاوضات أدت في النهاية إلى عقد أولي أكثر تركيزاً على الجودة الحديثة. الطائرات التي ستحصل عليها تركيا تنتمي لفئة "ترانش 4" (Tranche 4)، وهي أحدث نسخة من المقاتلة متعددة المهام، مما يعني أنها ستدخل الخدمة بأحدث التقنيات المتاحة حالياً دون الحاجة لترقيات فورية مكلفة.

  • عدد الطائرات: 20 مقاتلة جديدة ضمن العقد الموقع.
  • القيمة المالية: 8 مليارات جنيه إسترليني (10.7 مليار دولار).
  • الجهة الموردة: المملكة المتحدة بقيادة شركة BAE Systems ضمن كونسورتيوم يوروفايتر.
  • التوقيت: توقيع الاتفاق في 27 أكتوبر 2025.

المثير للاهتمام هو أن هذا العقد قد يكون مجرد البداية. تحليلات تشير إلى أن الخطة التركية طويلة المدى تستهدف امتلاك أسطول يضم بين 44 و56 مقاتلة يوروفايتر، عبر صفقات إضافية أو تحويلات محتملة من شركاء مثل قطر وسلطنة عمان. الهدف واضح: تحديث سلاح الجو التركي الذي يعتمد بشكل كبير على مقاتلات F-16 الأمريكية القديمة نسبياً.

القلق الإسرائيلي: هل ينتهي التفوق الجوي النوعي؟

في تل أبيب، لم تكن التغطية الإعلامية محايدة. صحيفة "جيروزاليم بوست" وصف المسؤولون الأمنيون الصفقة بأنها "صداع" حقيقي. السبب؟ إسرائيل اعتادت لعقود على تفوق جوي ساحق في المنطقة، خاصة بعد إدخال مقاتلات F-35 الشبحية. لكن دخول تركيا بقوة إلى سوق المقاتلات الأوروبية المتقدمة يغير قواعد اللعبة.

يائير لابيد، زعيم المعارضة الإسرائيلية ورئيس حزب "يش عتيد"، شن هجوماً لاذعاً على حكومة بنيامين نتنياهو. قال لابيد بحدة: "لو كان لدينا وزارة خارجية تعمل، أو حكومة طبيعية، لكانت منعت هذه الصفقة منذ وقت طويل". اتهامات قوية تعكس إحباطاً سياسياً داخلياً من فشل الدبلوماسية الإسرائيلية في الضغط على العواصم الأوروبية (برلين ولندن) لإيقاف البيع.

هل المقاتلة يوروفايتر أقوى من F-35؟ تقنياً، الجواب هو لا. يوروفايتر من الجيل الرابع والنصف، بينما F-35 من الجيل الخامس الشبحي. لكن الخبراء يؤكدون أن العدد والجودة المشتركة تلعبان دوراً أكبر من الفروق التقنية الدقيقة. امتلاك تركيا لأسطول ضخم من مقاتلات يوروفايتر سيجعل أي عملية عسكرية إسرائيلية في الأجواء التركية أو القريبة منها أكثر تعقيداً وكلفة.

الدوافع الاستراتيجية: لماذا اختارت تركيا أوروبا؟

هنا تكمن الحكمة السياسية في القرار التركي. لسنوات، كانت العلاقات بين أنقرة وواشنطن متذبذبة بسبب ملفات عدة: من صفقة S-400 الروسية إلى قضية القضاة الأمريكيين المحتجزين سابقاً، وصولاً إلى الخلاف حول سوريا وغزة. شراء مقاتلات أوروبية يرسل ثلاث رسائل مهمة:

  1. تنويع المخاطر: عدم الاعتماد على مورد واحد (أمريكا) يجعل تركيا أقل عرضة للابتزاز السياسي عند بيع الأسلحة.
  2. تعزيز الدور الإقليمي: تركيا تمتلك ثاني أكبر جيش في الناتو، وتريد عكساً ذلك واقعاً عسكرياً وليس ورقياً فقط.
  3. استغلال الموقف الأوروبي: أوروبا، وعلى رأسها ألمانيا وبريطانيا، تبحث عن شريك موثوق في ظل التوترات العالمية، وترى في تركيا بوابة استراتيجية لأفريقيا والشرق الأوسط.

وزير الدفاع التركي يشار غولر أكد أن هذه الخطوة جزء من استراتيجية أوسع لتحديث الأسطول. كما أشار إلى إمكانية استكمال الأسطول بمقاتلات أمريكية F-35 إذا تحسنت العلاقات مع واشنطن، مما يعني أن تركيا لا تختار بين الغربين، بل تجمع بينهما.

الأثر على ميزان القوى الإقليمي

النتيجة المباشرة لهذه الصفقة هي إعادة رسم خريطة النفوذ الجوي في شرق المتوسط وجنوب أوروبا. إسرائيل تخشى أن تستخدم تركيا قوتها الجوية الجديدة لدعم مواقف تتعارض مع مصالحها، خاصة في سوريا حيث تحتفظ تركيا بنفوذ عسكري كبير، وفي غزة حيث انتقدت أنقرة العمليات العسكرية الإسرائيلية بشدة.

كما أن الصفقة تعزز التكامل الصناعي بين تركيا وأوروبا. مصنعو يوروفايتر سيحصلون على عقود صيانة وقطع غيار طويلة الأمد في تركيا، مما يعمق الروابط الاقتصادية والدفاعية. هذا يعني أن فصل تركيا عن المنظومة الدفاعية الغربية أصبح أمراً شبه مستحيل.

أسئلة شائعة حول صفقة يوروفايتر التركية

ما الفرق التقني بين يوروفايتر تايفون ومقاتلة F-35 الإسرائيلية؟

يوروفايتر تايفون مصنفة كجيل رابع ونصف، مما يعني أنها ممتازة في القتال التقليدي والمدى البعيد، لكنها تفتقر إلى الخصائص الشبحية الكاملة الموجودة في F-35 (جيل خامس). ومع ذلك، فإن النسخة "ترانش 4" المطورة تجعلها منافسة قوية جداً، خاصة عندما تكون مجهزة بأسلحة متطورة وأنظمة استشعار حديثة، مما يقلل الفارق العملي في المواجهات المحتملة.

لماذا فشلت إسرائيل في منع هذه الصفقة رغم ضغطها الدبلوماسي؟

رغم محاولات إسرائيل إقناع ألمانيا وبريطانيا بوقف البيع بسبب موقف تركيا من حرب غزة، إلا أن المصالح التجارية للدفاع الأوروبي تغلبت. الشركات المصنعة (مثل BAE Systems الألمانية-البريطانية) تحتاج أسواقاً كبيرة، وتركيا عميل موثوق قادر على الدفع. كما أن أوروبا ترى في تركيا شريكاً استراتيجياً مهماً في مواجهة روسيا والصين، مما جعل الاعتراضات الإسرائيلية أقل تأثيراً.

كم عدد مقاتلات يوروفايتر التي تأمل تركيا الحصول عليها في النهاية؟

العقد الحالي يشمل 20 طائرة. لكن التقارير والتحليلات تشير إلى خطة طموحة للحصول على ما مجموعه 44 إلى 56 مقاتلة. هذا العدد الإضافي قد يأتي عبر عقود جديدة مع دول أخرى في الكونسورتيوم (ألمانيا، إيطاليا، إسبانيا) أو عبر شراء طائرات مستعملة أو قيد التصنيع من شركاء خليجيين مثل قطر وسلطنة عمان.

كيف تؤثر هذه الصفقة على علاقات تركيا مع الولايات المتحدة؟

الصفقة لا تعني القطيعة مع أمريكا، بل هي ورقة ضغط ذكية. بتوقيع عقد ضخم مع أوروبا، تظهر تركيا أنها خيار متاح للغرب كله، مما قد يدفع واشنطن لتخفيف عقوباتها أو تسهيل بيع مقاتلات F-35 لتركيا لاحقاً. الهدف النهائي لأنقرة هو امتلاك أسطول متنوع يجمع بين المقاتلات الأمريكية والأوروبية لضمان أقصى قدر من الاستقلالية الاستراتيجية.