ثلوج تاريخية تغطي قمة جبل جيس في الإمارات لأول مرة منذ عقد

ثلوج تاريخية تغطي قمة جبل جيس في الإمارات لأول مرة منذ عقد

تخيّل المشهد: درجة حرارة تقارب الصفر، ورذاذ يتحول إلى ثلج حقيقي يسقط على أرضٍ اعتادت أن تكون صحراء قاحلة. هذا بالضبط ما حدث يوم الأحد 2 فبراير 2025، عندما غطت الثلوج والأمطار المتجمدة قمة جبل جيس، أعلى نقطة في دولة الإمارات العربية المتحدة. لم يكن الأمر مجرد شائعات أو صوراً مُعدّلة رقمياً؛ كانت هناك لقطات فيديو حقيقية تُظهر تساقط الثلوج على ارتفاع 1,934 متراً فوق سطح البحر، وتحديداً في الساعة الواحدة ظهراً.

الحدث الذي وصفته وسائل التواصل الاجتماعي بأنه "نادراً جداً" أثار ضجة واسعة، خاصة وأن هذا النوع من التساقطات الثلجية لا يحدث إلا مرات معدودة في تاريخ الدولة الحديث. هنا يكمن السحر: بلدٌ معروف بحرارة الصيف التي تتجاوز 50 درجة مئوية يشهد فجأةً تحولاً جذرياً في طقس شماله الجبلي. لكن لماذا الآن؟ ولماذا يعتبر هذا الحدث مهماً رغم تكراره سابقاً؟ الإجابة تكمن في ندرته الشديدة وتأثيره النفسي والسياحي العميق.

لحظة تاريخية على قمم رأس الخيمة

في تمام الساعة الأولى بعد ظهر يوم الأحد، استيقظ زوار القمة على مشهد لم يروه سوى القليلون قبلهم. إمارة رأس الخيمة، الواقعة في أقصى الشمال الشرقي للدولة، كانت مسرحاً لهذا العرض الطبيعي النادر. الفيديو المنتشر بعنوان "Snow in the UAE!" التقط لحظة تحوّل الرذاذ إلى بلورات ثلجية بيضاء ناصعة، مما دفع آلاف المواطنين والمقيمين للتساؤل: هل هذا حقيقي؟

الإجابة نعم، ولكن بشروط صارمة. يتطلب حدوث مثل هذه الظاهرة مزيجاً نادراً من البرودة القاسية والرطوبة العالية والارتفاع الشاهق. المركز الوطني للأرصاد أكد أن هذه الأحداث ليست جديدة تماماً، لكنها تظل استثناءً وليست قاعدة. فبينما تشهد المناطق الساحلية مثل دبي وأبوظبي أمطاراً غزيرة في الشتاء، تبقى الثلوج حكراً على الجبال العالية فقط.

ذاكرة الثمانينيات والعقد الماضي: ماذا حدث من قبل؟

للوهلة الأولى، قد يبدو هذا الحدث غير مسبوق، لكن الحقيقة التاريخية تقول إن التساقطات الثلجية سجلت وجودها سابقاً، وإن كان ذلك بشكل محدود جداً. لنرجع بالزمن قليلاً إلى الخميس 30 ديسمبر 2004. في ذلك اليوم، صُدم العالم برؤية جبل جيس مغطى ببياض كثيف. ذكرت وكالة أنباء الإمارات (وام) حينها أن موجة برد قطبية اجتاحت منطقة الخليج، مما أدى لهبوط درجات الحرارة إلى -5 درجة مئوية.

لم تكن تلك المرة الأخيرة. ففي سنوات لاحقة، وتحديداً خلال عطلة نهاية أسبوع مشهورة، غطت طبقة من الثلج بسمك 10 سنتيمترات سلسلة جبال رأس الخيمة. تذكر تقارير إعلامية سابقة كيف سارع السكان من دبي المجاورة لصعود الجبل لمشاهدة المعجزة. حتى أن بعض الأجزاء من سباق دراجات هوائية دولي تم إلغاؤها كإجراء احترازي بسبب الطرق الزلقة والجليدية.

الأكثر إثارة للاهتمام هو تفاصيل قياسات الشرطة المحلية. فقد روى العقيد سعيد راشد اليماحي, مدير الجناح الجوي بشرطة رأس الخيمة تفاصيل دقيقة عن إحدى هذه العواصف السابقة. قال اليماحي إنه صعد بطائرة هليكوبتر ليؤكد بنفسه أن المنطقة بأكملها كانت مغطاة بثلاجة بيضاء لامعة. وفقاً لبياناته، بدأ التساقط في الساعة الثالثة عصراً واشتد حتى منتصف الليل، ليصل سمك الثلج إلى حوالي 10-20 سنتيمتراً على مساحة تمتد لخمس كيلومترات تقريباً. هذه الدقة في القياس تعطي مصداقية علمية للحدث وتنفّي عنه شبهة التلاعب بالصور.

الفرق بين الواقع والتسويق الرقمي

هنا يجب أن نكون دقيقين مع القارئ. كثيراً ما تنتشر مقاطع فيديو لـ "ثلوج أبوظبي" تظهر معالم مثل جزيرة ياس واللوفر أبوظبي وهي مغطاة بالثلج. لكن انتبه جيداً: هذه الفيديوهات هي في الغالب إنتاجات رقمية (CGI) ضمن حملات سياحية ترويجية نظمتها جهات مثل Visit Abu Dhabi.

الواقع مختلف تماماً. الثلج الحقيقي لم يُسجل أبداً في العاصمة أبوظبي أو في المدن الساحلية المنخفضة الارتفاع. المكان الوحيد الموثق علمياً لتساقط الثلوج الطبيعية هو المرتفعات الجبلية في رأس الخيمة. لذا، إذا رأيت فيديو لثلج في شارع الكورنيش بأبوظبي، فهو إما خيال سينمائي أو حملة إعلانية ذكية تستغل فضول الناس. أما الثلج على جبل جيس، فهو حقيقة جوية ملموسة.

لماذا يهم هذا الحدث؟ التأثير الاقتصادي والاجتماعي

لماذا يهم هذا الحدث؟ التأثير الاقتصادي والاجتماعي

قد تتساءل: ما الفائدة من بضعة سنتيمترات من الثلج في بلد صحراوي؟ الجواب يكمن في السياحة والاقتصاد المحلي. كل حدث ثلجي يحول جبل جيس إلى وجهة سياحية عالمية فجأة. الفنادق القريبة تمتلئ، ومراكز تأجير المعدات الشتوية تحقق أرباحاً مفاجئة، ومقاطع الفيديو تجذب ملايين المشاهدات عالمياً، مما يعزز صورة الإمارات كوجهة متنوعة المناخ.

  • التأثير السياحي: زيادة ملحوظة في حجوزات الفنادق والشاليهات في منطقة دفتا وجبل جيس فور الإعلان عن توقعات الثلوج.
  • التفاعل الاجتماعي: انتشار واسع لصور بناء رجال الثلج وحروب كرات الثلج على منصات التواصل، مما يعكس حماس المجتمع لهذه الظاهرة النادرة.
  • التدابير الأمنية: إغلاق مؤقت لبعض الطرق الجبلية لمنع حوادث الانزلاق، كما فعلت شرطة رأس الخيمة في أحداث سابقة.

ماذا ينتظرنا في المستقبل؟

التوقعات تشير إلى أن موجة البرد الحالية مؤقتة. يتوقع خبراء الأرصاد عودة الأجواء الصافية وارتفاع درجات الحرارة تدريجياً لتستقر حول 10 درجات مئوية خلال الأيام التالية. ومع ذلك، يبقى السؤال مطروحاً: هل يصبح هذا المشهد أكثر شيوعاً مع تغيرات المناخ العالمية؟ أم أنه سيظل حدثاً "مرة في العمر" لكل جيل؟

حتى إشعار آخر، يمكن لسكان الإمارات وزوارها الاستمتاع بهذه اللحظات الفريدة، مع أخذ الاحتياطات اللازمة عند القيادة في الطرق الجبلية. فالجمال الطبيعي يستحق الزيارة، لكن السلامة أولاً.

أسئلة شائعة حول تساقط الثلوج في الإمارات

هل سقط ثلج حقيقي في مدينة دبي أو أبوظبي؟

لا، لم تسجل أي حالة تساقط ثلوج طبيعية في المدن الساحلية المنخفضة مثل دبي أو أبوظبي. الفيديوهات المنتشرة لهذه المدن غالباً ما تكون مؤثرات بصرية (CGI) ضمن حملات تسويقية. الثلوج الحقيقية تقتصر حصرياً على المرتفعات الجبلية العالية في إمارة رأس الخيمة.

ما هو السبب العلمي وراء تساقط الثلوج على جبل جيس؟

يعود السبب إلى انخفاض درجات الحرارة إلى ما دون الصفر المئوي (-3°C إلى -5°C) بالتزامن مع وجود كتل هوائية باردة ورطبة قادمة من الشمال. الارتفاع الشاهق لجبل جيس (1,934 متراً) يجعله النقطة الوحيدة في الدولة التي تتوفر فيها الظروف الفيزيائية اللازمة لتحويل الأمطار إلى ثلوج.

كم يبلغ سمك الثلج المتوقع عادة في هذه الحالات؟

وفقاً لبيانات المركز الوطني للأرصاد وتقارير شرطة رأس الخيمة السابقة، يتراوح سمك الثلج عادة بين 10 إلى 20 سنتيمتراً. هذا السمك كافٍ لتغطية الأرض بالكامل وتمكين الزوار من ممارسة أنشطة مثل بناء رجل الثلج، لكنه ليس كافياً لعزل المنطقة لفترات طويلة.

هل يؤثر تساقط الثلوج على حركة المرور والسياحة؟

نعم، تؤثر بشكل كبير. غالباً ما تغلق السلطات الطرق المؤدية للقمة مؤقتاً لضمان السلامة بسبب الجليد والانزلاقات. سياحياً، يرتفع الطلب على الإقامة في المنتجعات الجبلية بشكل حاد، وتتحول المنطقة إلى مقصد رئيسي للمواطنين والمقيمين الراغبين في تجربة أجواء شتوية مختلفة تماماً عن المعتاد.

متى حدثت أول حالة تساقط ثلوج موثقة في تاريخ الإمارات؟

أول حالة موثقة رسمياً كانت في 30 ديسمبر 2004، حيث غطت الثلوج مناطق جبلية في رأس الخيمة بعد موجة برد قطبية ضربت المنطقة. منذ ذلك الحين، تكررت الظاهرة مرات قليلة جداً، مما يجعل كل حدث جديد خبراً عاجلاً على المستوى الإقليمي والدولي.