تحقيق: كيف عبرت السفن مضيق هرمز رغم الحرب والحصار؟

تحقيق: كيف عبرت السفن مضيق هرمز رغم الحرب والحصار؟

عندما تعلن الحرب، تتوقف القواعد. لكن في مضيق هرمز، لم تتوقف السفن تمامًا. كشف تحقيق جديد نشرته شبكة الجزيرة الإعلامية عن مشهد غريب ومثير للدهشة: استمرار حركة الملاحة بشكل انتقائي خلال سبعة أسابيع من التصعيد العسكري وإعلان الولايات المتحدة الأمريكية حصارًا بحريًا. الأمر لا يتعلق فقط بالنفط، بل بـ"منطق الظل" الذي يدير أهم شريان طاقة في العالم.

يبدو أن ما نعرفه عن الحروب والحواجز التجارية هو مجرد جزء من الصورة. فبينما كانت المدافع تنطلق، كانت السفن تعبر تحت النار وفوق خطوط الحصار المفترضة. السؤال الأهم الآن: من هي هذه السفن؟ ومن يستفيد من استمرار هذا التدفق الانتقائي؟ الإجابات تكمن في بيانات دقيقة جمعها فريق التحقيقات الرقمية.

بيانات تكشف "منطق الظل" في المضيق

قامت وحدة التحقيقات الرقمية التابعة للجزيرة بأوسع عملية رصد ميداني لحركة الملاحة منذ الساعات الأولى لاندلاع الحرب وحتى منتصف أبريل 2026. النتائج صادمة بعض الشيء. رُصدت 202 رحلة عبور نفذتها 185 سفينة مختلفة خلال الفترة المحددة بين 1 مارس و15 أبريل 2026.

هذه ليست أرقامًا عشوائية. إنها تشير إلى استمرارية عمل المضيق بوتيرة أقل مما قبل الحرب، ولكن بصورة مدروسة جدًا. لم يكن المضيق مغلقًا، ولم يكن مفتوحًا بالكامل للجميع. كان يعمل وفق قواعد غير معلنة تخدم مصالح أطراف محددة، وعلى رأسها جمهورية إيران الإسلامية التي تتحكم فعليًا في الملاحة عبر الممر المائي.

  • إجمالي الرحلات: 202 رحلة عبرت المضيق في الاتجاهين.
  • عدد السفن الفريدة: 185 سفينة (وفق النصوص المكتوبة).
  • الرحلات المرتبطة بإيران: 77 رحلة، تمثل 38.5% من الإجمالي.
  • السفن الخاضعة للعقوبات: 61 سفينة مرتبطة بإيران ومدرجة على قوائم العقوبات الدولية.

تقسيم زمني: التصعيد ثم التهدئة

قسم التحقيق فترة الرصد إلى مرحلتين واضحتين تعكسان تغير وتيرة الأحداث على الأرض وفي البحر. المرحلة الأولى، والتي وصفها الفريق بـ"مرحلة التصعيد"، امتدت من 1 مارس حتى 6 أبريل 2026. شهدت هذه الفترة عبور 126 سفينة، وهو رقم يعكس محاولة الأطراف للاستفادة من النافذة المتاحة قبل تشديد الإجراءات.

ثم جاءت المرحلة الثانية، "مرحلة التهدئة" أو ربما يمكن وصفها بدقة أكثر بـ"مرحلة الحصار الرسمي"، من 7 أبريل وحتى 15 أبريل 2026. هنا حدث转折 مهم. ففي 8 أبريل 2026، أعلنت الولايات المتحدة بدء الحصار البحري رسميًا. ورغم ذلك، استمرت الحركة، وإن انخفض عددها إلى 49 سفينة فقط خلال هذه الأيام التسعة.

الملاحظ هنا أن إعلان الحصار لم يعني توقفًا تامًا. السفن واصلت العبور، مما يطرح تساؤلات حول فعالية هذا الحصار وقدرته على عزل الاقتصاد الإيراني أو عرقلة تدفق الطاقة عالميًا بشكل كامل.

دور الصين وآسيا في معادلة المرور

من يملك هذه السفن؟ ومن يديرها؟ البيانات تكشف عن دور محوري لدول آسيا، خاصة الصين. فقد عبرت 24 سفينة تديرها شركات مقرها جمهورية الصين الشعبية المضيق خلال فترة الرصد، لتحتل المرتبة الأولى بلا منازع. تليها الهند بـ 10 سفن، ثم اليابان وفيتنام بثلاث سفن لكل منهما.

كما سجلت باكستان وكوريا الجنوبية عبور سفينتين لكل منهما، بينما عبرت سفينة واحدة كل من ماليزيا وتايلاند. هذه الأرقام ليست مجرد إحصاءات جافة؛ إنها دليل على حرص الشركاء التجاريين الآسيويين على الحفاظ على تدفق الطاقة والبضائع، بغض النظر عن الضغوط السياسية الغربية.

بالنسبة لأنواع السفن، ظلت ناقلات الطاقة هي الهيمنة الأكبر. فقد شكلت 68 ناقلة (نفط خام، منتجات نفطية، غاز) حوالي 36.2% من إجمالي السفن العابرة. ومن اللافت أن 10 من هذه الناقلات كانت مرتبطة بإيران مباشرة. أما البضائع الجافة والشحن العام، فشكلت 57 سفينة، أي أكثر من 30% من الحركة، مما يدل على أن التجارة غير النفطية لم تتوقف أيضًا.

التحليل الرقمي وراء الكواليس

التحليل الرقمي وراء الكواليس

كيف تم الوصول لهذه النتائج؟ اعتمد فريق الجزيرة على تحليل دقيق لملفات السفن، ملكياتها، أعلامها، وسلوكها في البحر. استخدموا تتبع أجهزة الإرسال والاستقبال الآلي (AIS)، ومراجعة سجلات الملكية القانونية، ومقارنة الأسماء مع قوائم العقوبات الدولية.

الكشف عن "منطق الظل" جاء من خلال ملاحظة أن العديد من السفن الإيرانية، رغم خضوعها للعقوبات، استطاعت العبور بتغيير المسارات أو إطفاء أجهزة التتبع مؤقتًا، أو الاعتماد على شبكات لوجستية معقدة تجعل تتبعها صعبًا على الجهات الرقابية التقليدية. هذا لا يعني أن الحصار فشل تمامًا، لكنه يعني أنه لم يحقق هدفه الكامل في وقف الحركة كليًا.

أسئلة متكررة حول التحقيق

هل توقف مرور السفن خلال الحرب في الخليج؟

لا، لم يتوقف المرور تمامًا. كشف التحقيق عن عبور 202 رحلة نفذتها 185 سفينة خلال سبعة أسابيع من الحرب. استمرت الحركة بوتيرة أقل وبشكل انتقائي، حيث سمح لعبور سفن مرتبطة بمصالح إيران وشركائها الآسيويين رغم التصعيد العسكري وإعلان الحصار.

متى بدأ الحصار الأمريكي الرسمي على مضيق هرمز؟

أعلنت الولايات المتحدة الأمريكية بدء الحصار البحري رسميًا في 8 أبريل 2026. ومع ذلك، أظهرت البيانات أن حركة السفن استمرت بعد هذا التاريخ، حيث عبرت 49 سفينة خلال المرحلة الثانية من الرصد (من 7 إلى 15 أبريل)، مما يشير إلى عدم فعالية الحصار في إيقاف الحركة كليًا.

أي الدول كانت الأكثر نشاطًا في إدارة السفن العابرة للمضيق؟

احتلت جمهورية الصين الشعبية المرتبة الأولى بإدارة 24 سفينة عبرت المضيق خلال فترة الرصد. تلتها الهند بـ 10 سفن، ثم اليابان وفيتنام بثلاث سفن لكل منهما. هذا يعكس الاعتماد الكبير للدول الآسيوية على استمرار تدفق الطاقة والبضائع عبر المضيق رغم المخاطر.

ماذا يعني مصطلح "منطق الظل" في سياق التحقيق؟

يشير مصطلح "منطق الظل" إلى أن حركة الملاحة في مضيق هرمز لا تخضع بالكامل لقواعد الحرب التقليدية أو منطق الحصار المعلَن. بدلاً من ذلك، تعمل وفق آليات غير رسمية وانتقائية تسمح لأطراف معينة، مثل إيران وشركائها، باستمرار تصدير النفط والبضائع باستخدام تقنيات تجنب الرقابة وشبكات لوجستية معقدة.

كم عدد السفن الإيرانية الخاضعة للعقوبات التي عبرت المضيق؟

كشف التحقيق أن 61 سفينة من أصل 77 رحلة مرتبطة بإيران كانت خاضعة لعقوبات دولية. هذه السفن، التي تشمل ناقلات نفط وطاقة، نجحت في عبور المضيق رغم الحصار والعمليات العسكرية، مما يؤكد قدرة طهران على اختراق الحظر الدولي جزئيًا للحفاظ على تدفق إيراداتها.