تباين الأرقام.. جدل واسع حول اتفاقيات الزيدي الاقتصادية مع واشنطن
الأرقام تتضارب، والجدل يشتعل في بغداد. خلال زيارة علي الزيدي, رئيس الوزراء العراقي إلى العاصمة الأمريكية واشنطن في منتصف تموز/يوليو 2026، أُعلن عن توقيع 48 اتفاقية ومذكرة تفاهم. لكن السؤال الذي يشغل الرأي العام الآن: ما القيمة الحقيقية لهذه الصفقات؟ هل هي 60 مليار دولار كما تقول الجهات الأمريكية، أم 100 مليار وفق تقارير "فوربس"، أم 200 مليار لقطاع الطاقة وحده كما أعلن وزير النفط العراقي؟
الزيارة، التي وُصفت بأنها محورية في العلاقات الثنائية، شهدت لقاءً بين الزيدي والرئيس الأمريكي دونالد ترامب. ورغم الحماس المعلن لتعزيز الشراكة الاستراتيجية، إلا أن الفجوة الكبيرة في الأرقام المعلنة أفرزت تساؤلات حول طبيعة هذه الاتفاقيات وحدودها القانونية، وأثرها على التوازنات السياسية والأمنية بين بغداد وواشنطن وطهران.
فجوة الـ140 مليار دولار: من يكذب ومن يبالغ؟
هنا تكمن المشكلة الحقيقية. أعلنت غرفة التجارة الأمريكية، المستضيفة للقمة الاقتصادية، أن القيمة الإجمالية للمشاريع تبلغ 60 مليار دولار. في المقابل، تحدث وزير النفط العراقي عن رقم مذهل يبلغ 200 مليار دولار لقطاع الطاقة فقط. الفارق؟ أكثر من 140 مليار دولار!
المحللون لا يرون هذا مجرد خطأ مطبعي. الخبير الاقتصادي الهاشمي أشار إلى أن وزارة النفط لم تقدم كشفاً مفصلاً لكيفية احتساب هذا الرقم الضخم. هل يشمل عوائد مستقبلية على مدى عقود؟ أم هو استثمار مباشر؟ المصدر العبيدي أوضح أن الرقم الأمريكي (60 مليار) يمثل الإنفاق الحالي المباشر، بينما الرقم العراقي قد يعكس القيمة التراكمية للعوائد المستقبلية. لكن المشكلة الأكبر أن جزءاً كبيراً من هذه "الاتفاقيات" ما زالت مجرد مذكرات تفاهم أولية، وليست عقوداً ملزمة بعد.
ما وراء الأرقام: مسارات نفطية وترخيص ستارلينك
لا تقتصر الاتفاقيات على أرقام مالية مجردة. تشمل المشاريع إنشاء مسارات بديلة لتصدير النفط بعيداً عن مضيق هرمز، لتقليل المخاطر الجيوسياسية. من أبرز البنود مذكرة تفاهم لنقل النفط العراقي عبر سوريا إلى ميناء بانياس. كما حصلت شركة ستارلينك على ترخيص للعمل في العراق، مما يربط الملف الاقتصادي بالبنية التحتية الرقمية والتكنولوجية.
تشير التقارير إلى احتمال تخصيص إيرادات ما يصل إلى 500 ألف برميل نفط يومياً لتمويل مشاريع استراتيجية مثل الكهرباء. هذا الرهان المالي الكبير يجعل من نجاح أو فشل هذه الاتفاقيات مسألة وجودية للاقتصاد العراقي، خاصة مع السعي لجذب الاستثمارات الغربية كبديل تدريجي عن الاعتماد الحصري على الشركاء التقليديين.
ردود الفعل: بين الاحتفال الداخلي والمعارضة المسلحة
في الداخل العراقي، المشهد منقسم. الحكومة تروج للاتفاقيات كدليل على انفتاح اقتصادي ناجح ودعم أمريكي قوي. لكن الأصوات المعارضة ليست هامشية. تحالف الإعمار والتنمية بقيادة رئيس الوزراء السابق محمد شياع السوداني طالب بمراجعة دقيقة لأي عقود نفطية، محذراً من أن عقود الخدمة الجديدة قد تكون أغلى بكثير من عقود التراخيص الحالية، ويجب عرضها على البرلمان للتصويت.
أما الموقف الأكثر حدة فجاء من الفصائل المسلحة القريبة من إيران. أصدر "التحالف المعروف باسم المقاومة الإسلامية في العراق" بياناً من تسع نقاط في 13 تموز/يوليو 2026، رفض فيه الزيارة وحذر من توقيع أي صفقات. وصفت بعض القيادات هذه التحركات بأنها بداية "احتلال اقتصادي"، معتبرة أن التقارب مع واشنطن يهدد النفوذ الإيراني ويضعف التعاون الاقتصادي القائم. حتى طهران نفسها أعربت عن استياء خافت، خشية أن يؤدي هذا الانفتاح إلى تقليص حصتها في السوق العراقية.
الخطوة التالية: مصير الاتفاقيات في البرلمان
ما الذي سيحدث الآن؟ المسار القانوني واضح نسبياً. الاتفاقيات الرسمية تحتاج إلى تصديق البرلمان العراقي لدخولها حيز التنفيذ، بينما يمكن لمذكرات التفاهم أن تستمر دون هذا الإجراء. هذا التمييز القانوني يمنح الحكومة مساحة مناورة، لكنه أيضاً يضع الكرة في ملعب النواب.
يتوقف التنفيذ الفعلي على قدرة حكومة الزيدي على إدارة تعقيدات داخلية وإقليمية متعددة. هل سينجح في إرضاء الفصائل المسلحة دون تخلي عن الإصلاحات؟ وهل سيحصل على موافقة برلمانية وسط حالة انقسام سياسي حادة؟ التقارير الدولية، بما فيها تحليلات "فوربس"، ترى أن هذه الصفقات ليست مجرد تجارة، بل هي ورقة ضغط في التنافس الثلاثي بين الولايات المتحدة وإيران والصين على النفوذ في العراق. الأيام القادمة ستكون حاسمة في تحديد ما إذا كانت هذه الأرقام ستتحول إلى واقع ملموس، أم ستبقى حبراً على ورق في ملفات الدبلوماسية والاقتصاد.
أسئلة شائعة
ما سبب الخلاف الكبير في قيمة الاتفاقيات المعلنة؟
الخلاف ينبع من اختلاف منهجية الحساب. غرفة التجارة الأمريكية تذكر 60 مليار دولار كقيمة استثمار مباشر حالي، بينما تشير وزارة النفط إلى 200 مليار دولار لقطاع الطاقة، وهو ما قد يشمل عوائد تراكمية متوقعة على مدى سنوات تشغيل طويلة، وليس إنفاقاً فورياً. هذا الاختلاف في التعريف خلق فجوة تفهم واسعة لدى الجمهور.
هل هذه الاتفاقيات ملزمة قانوناً فوراً؟
ليس كلها. هناك تمييز قانوني مهم: الاتفاقيات الرسمية تتطلب موافقة البرلمان العراقي لتنفيذها، بينما مذكرات التفاهم الأولية يمكن أن تدخل حيّز التطبيق دون تصديق برلماني. هذا يعني أن جزءاً من المشاريع قد يبدأ العمل عليه بسرعة، بينما الآخر مرهون بالتشريع المحلي.
كيف أثرت هذه الاتفاقيات على العلاقة مع إيران؟
أثارت استياءً إيرانياً واضحاً وخوفاً من تقليص التحالف الاقتصادي الثنائي. رأت طهران أن فتح الباب واسعاً للشركات الأمريكية يهدد مصالحها التقليدية في العراق. كما هددت الفصائل المسلحة المدعومة إيرانياً بالاعتراض، واصفة الخطوة بأنها تهديد لنفوذها السياسي والأمني في البلاد.
ما أبرز المشاريع التقنية ضمن هذه الصفقات؟
من أبرز التطورات منح ترخيص لشركة ستارلينك للعمل في العراق، مما يعد نقلة نوعية في البنية التحتية للإنترنت والاتصالات. كما تتضمن الصفقات مشاريع لتحديث قطاع الرعاية الصحية والتجارة، وإنشاء مسارات بديلة لتصدير النفط لتقليل الاعتماد على المضائق البحرية الحساسة.
ما دور البرلمان العراقي في المرحلة المقبلة؟
البرلمان هو الفيصل النهائي للاتفاقيات الملزمة. تحالف الإعمار والتنمية دعا إلى تدقيق صارم للعقود، خاصة تلك المتعلقة بالنفط، لضمان عدم انتقاص حقوق الدولة والأجيال القادمة. نجاح الحكومة في تمرير هذه القوانين سيعتمد على قدرتها على بناء توافق سياسي رغم الانقسامات الحالية.
Mohamed El Beheri
يا جماعة الموضوع مش مجرد أرقام على ورق.. دي صفقة العمر فعلاً بس بشرط نعرف الفرق بين اللي بيتوقع واللي بيحصل :D
أنا شايف إن الـ60 مليار هي اللي هتنزل في السوق قريبا أما الباقي ده كلام للمستقبل البعيد
اللي يهمني هو ترخيص ستارلينك لأن النت عندنا محتاج ثورة حقيقية
والفصائل المسلحة دي لازم تفهم إن العزلة مش حل للعراق
khalid alazmi
دراستكم الاقتصادية هنا تحتاج لمزيد من التحليل الكمي العميق قبل إصدار الأحكام النهائية حول الجدوى الفعلية لهذه الشراكات الاستراتيجية متعددة الأبعاد!!
فجوة الـ140 مليار دولار ليست خطأ مطبعياً بل هي انعكاس مباشر لتباين المنهجيات المحاسبية المعتمدة لدى كل طرف
الاستثمار المباشر الحالي (Current Direct Investment) يختلف جذرياً عن القيمة الدفترية التراكمية المتوقعة (Cumulative Projected Value)
هذا التمييز الدقيق هو ما يجب أن يتبناه الرأي العام لفهم الصورة الكاملة بدلاً من الانسياق وراء الأرقام الضخمة
كما أن مسارات التصدير البديلة عبر سوريا تمثل تحولاً جيوسياسياً كبيراً يقلل الاعتماد على مضيق هرمز الحساس
نجاح هذه المسارات سيعتمد بشكل حاسم على الاستقرار الأمني في المنطقة الحدودية خلال السنوات القادمة
أما بخصوص ملف الطاقة فربط إيرادات 500 ألف برميل يومياً بمشاريع الكهرباء هو رهان جريء لكنه ضروري
هذا النموذج المالي الجديد قد يعيد تشكيل أولويات الإنفاق الحكومي بعيداً عن الرواتب والمخصصات التقليدية
نحن أمام لحظة مفصلية تتطلب شفافيه قصوى في عرض تفاصيل العقود على البرلمان
أي غموض في بنود عقود الخدمة الجديدة قد يؤدي إلى خسائر مستقبلية باهظة للدولة العراقية
لذلك فإن دور المشرع هنا لا يقل أهمية عن دور المفاوض الاقتصادي في واشنطن
يجب التأكد من وجود آليات رقابية صارمة تضمن عدم استغلال الشركات الأجنبية للفجوات القانونية
التوازن بين جذب الاستثمار الأجنبي وحماية السيادة الوطنية هو التحدي الأكبر الذي يواجه الحكومة الحالية
إن فشل هذا التوازن قد يعيد العراق لسنوات من الجمود الاقتصادي والسياسي مجدداً
لكن إن نجح، فقد نشهد نقلة نوعية غير مسبوقة في تاريخ الاقتصاد العراقي الحديث
Latifah N. Handayani
الارقام دي مبالغ فيها بجد
مين قال ان 200 مليار هتوصل؟
كلها وعود انتخابية اقتصادية