الصدر والخنجر يحمّلان "المليشيات" مسؤولية قصف الحشد الشعبي
في تطور سياسي وأمني غير مسبوق، حمّل مقتدى الصدر, زعيم التيار الصدري وخميس الخنجر, السياسي السني البارز، المسؤولية الكاملة عن انتهاك سيادة العراق ومقتل عناصر من الحشد الشعبي إلى ما وصفاه بـ"المليشيات الوقحة" والسلاح المنفلت. جاء هذا التصعيد في ردود الفعل على الغارات المشتركة التي شنتها الولايات المتحدة والمملكة العربية السعودية في نهاية تموز/يوليو 2026، مستهدفة مقرات تابعة للميليشيات في سبع مدن عراقية.
هناك شيء واحد واضح: التوتر لم يعد محصوراً في الداخل العراقي فقط، بل أصبح ساحة صراع إقليمي مباشر. فالغارات التي وصفتها الرياض بأنها "ضربات نوعية محددة" بالتنسيق مع القيادة المركزية الأمريكية (سنتكوم)، جاءت رداً على هجوم سابق استهدف منشآت بترولية سعودية انطلاقاً من الأراضي العراقية. النتيجة؟ دماء عراقية تسيل، وسيادة البلاد تتعرض لاختبار حقيقي أمام أعين العالم.
من المسؤول عن نزيف الدم العراقي؟
لم يتأخر مقتدى الصدر عن إطلاق تصريحاته اللاذعة. في تدوينة نشرها يوم الخميس 30 تموز/يوليو 2026، ربط الصدر بشكل مباشر بين استمرار انتشار السلاح خارج إطار الدولة وبين سقوط قتلى جدد من صفوف الحشد والقوات الأمنية. قال الصدر إن "أفعال المليشيات الوقحة" هي السبب الجذري لما وصفه بـ"استشهاد المجاهدين بلا وجه حق".
لكن المفارقة التي أثارها الصدر تكمن في الفجوة البنيوية بين القواعد والقادة. أشار إلى أن كبار قادة هذه الميليشيات "يتنعمون بالأمن والراحة والتجارة"، بينما يدفع المقاتلون من الصفوف الدنيا الثمن من حياتهم. هذه ليست مجرد كلمات سياسية، بل اتهام مباشر بخلل هيكلي يستغل فيه بعض القيادات اسم المقاومة لتغطية مصالح تجارية وشخصية.
حقائق رئيسية عن الأزمة
- عدد المدن المستهدفة: سبع مدن عراقية تعرضت للغارات الأمريكية-السعودية.
- التاريخ الزمني: بدأت الردود السياسية المكثفة يومي 29 و30 تموز/يوليو 2026.
- الدول المتدخلة: الولايات المتحدة والمملكة العربية السعودية نفذتا الضربات المشتركة.
- المطالب النيابية: دعوات لاستضافة رئيس الحكومة علي الزيدي وقادة الأمن لتقديم إحاطة رسمية.
- الموقف الإقليمي: وصف البيان السعودي للميليشيات بأنها "موالية لإيران".
ردود الفعل السياسية: وحدة نادرة في وجه الفوضى
ما يلفت الانتباه هو التقارب المذهبي في المواقف. فإلى جانب الصدر، انضم خميس الخنجر إلى حملة تحميل الميليشيات المسؤولية. هذا التحالف الشيعي-السني المؤقت يعكس إدراكاً مشتركاً بأن استمرار السلاح المنفلت يهدد الكيان الوطني نفسه قبل أن يهدد أي طرف آخر.
وفي السياق ذاته، دعا عمار الحكيم, رئيس تحالف "قوى الدولة الوطنية", إلى "تحييد العراق عن الصراعات الإقليمية". موقف الحكيم يضيف صوتاً شيعياً آخر يطالب بجعل بغداد بعيدة عن المواجهة المباشرة بين إيران والرياض وواشنطن. يبدو أن الجميع اتفق على نقطة واحدة: العراق لا يجب أن يكون ساحة حرب بالوكالة.
السياق الإقليمي: لعبة القط والفأر بين طهران والرياض
لفهم حجم الخطر، يجب النظر إلى الصورة الأوسع. الهجوم الذي شنّته مجموعات مسلحة على منشآت بترولية سعودية في 29 تموز/يوليو 2026، سبق الغارات بيومين تقريباً. هذا التوقيت الدقيق يشير إلى تنسيق أو علم مسبق لدى الأطراف الخارجية. البيان السعودي الرسمي لم يترك مجالاً للتأويل، حيث وصف الميليشيات بأنها "موالية لإيران"، مما يجعل من هذه الضربات جزءاً من استراتيجية إقليمية أوسع للضغط على النفوذ الإيراني.
هنا يظهر دور الحرس الثوري الإيراني. فقد طالب الصدر الحرس الثوري بعدم قصف الأراضي العراقية ما لم تكن هذه الأراضي منطلقاً لهجمات ضد إيران. دعوة تبدو منطقية على الورق، لكنها تعقد المشهد أكثر؛ فكثير من العمليات العسكرية تتم عبر وكلاء محليين يعملون بتوجيهات غير رسمية، مما يجعل المساءلة القانونية والدبلوماسية أمراً بالغ التعقيد.
ماذا يعني ذلك للمستقبل؟
المرحلة القادمة ستكون حاسمة. البرلمان العراقي يشهد حالياً ضغطاً نيابياً متزايداً لعقد جلسات استماع لرئيس الحكومة علي الزيدي وقادة الأجهزة الأمنية والعسكرية. الهدف ليس مجرد الاستماع إلى تقرير، بل مساءلة الحكومة عن كيفية السماح لهذه الميليشيات بالعمل بحرية لدرجة أنها تجر البلاد إلى حرب دولية.
إذا نجحت القوى السياسية في حصر السلاح بيد الدولة، فقد ينحسر خطر التدخل الخارجي. لكن إذا استمرت الفصائل في لعبتها، فإن العراق قد يجد نفسه مجدداً في قلب عاصفة إقليمية لا تملك فيها بغداد قرار الحرب أو السلام. السؤال المطروح الآن: هل ستتحرك الحكومة فعلاً لفرض سيادتها، أم ستبقى رهينة لمصالح الفصائل التجارية والعسكرية؟
أسئلة شائعة
لماذا حمّل مقتدى الصدر الميليشيات مسؤولية القصف بدلاً من اللوم على الدول الأجنبية؟
يرى الصدر أن جذر المشكلة داخلي، حيث أن تصرفات "المليشيات الوقحة" تمنح دول الخليج ذريعة للتدخل. بإلقاء اللوم عليهم، يحاول تبرئة الدولة العراقية رسمياً ويوجه ضربة قوية للفصائل التي تعمل خارج إطار القانون، مؤكداً أن استمرارهم هو ما يسبب استشهاد العراقيين بلا وجه حق.
ما هي طبيعة العلاقة بين الغارات الأمريكية والسعودية الحالية؟
تشير التقارير إلى وجود تنسيق وثيق بين القيادة المركزية الأمريكية (سنتكوم) والجيش السعودي. الوصف الرسمي للضربات بأنها "نوعية ومحددة" يوحي بأن الهدف كان ضرب قيادات أو مخازن أسلحة محددة مرتبطة بالهجوم على المنشآت البترولية، وليس قفاً عشوائياً، مما يعكس مستوى عالٍ من الاستخبارات المشتركة.
كيف يؤثر هذا الصراع على الاقتصاد العراقي؟
على الرغم من عدم ذكر خسائر اقتصادية مباشرة في التقارير الأولية، فإن تصاعد التوتر يهدد استقرار السوق المحلي. المخاوف من انزلاق البلاد نحو حرب مفتوحة قد تؤدي إلى هروب رؤوس الأموال وتراجع الاستثمارات، خاصة في ظل الدعوات لحصر السلاح والتي قد تؤثر على شبكات التجارة الموازية التي تعتمد عليها بعض الفصائل.
ما الدور المتوقع للبرلمان العراقي في حل هذه الأزمة؟
يتوقع أن يلعب البرلمان دوراً رقابياً حاسماً من خلال استضافة رئيس الحكومة علي الزيدي وقادة الأمن. إذا نجحت الجلسة في كشف حجم نفوذ الميليشيات على القرار الأمني، فقد تكون بداية حقيقية لفرض سيادة الدولة. أما إذا تحولت إلى مناكفات سياسية، فستزداد حالة الانقسام الداخلي سوءاً.
Samira Ramadhani
يبدو أن هذا التقارب السياسي بين الصدر والخنجر هو خطوة إيجابية نحو توحيد الصف الداخلي العراقي بعيداً عن التجاذبات المذهبية التقليدية.
إن تحميل المسؤولية للمليشيات بدلاً من اللوم على القوى الخارجية يعكس نضجاً في فهم جذور المشكلة الأمنية التي يعاني منها العراق منذ سنوات طويلة.
التركيز على مفهوم "السلاح المنفلت" هو المفتاح الحقيقي لاستعادة سيادة الدولة ومنع التدخلات الأجنبية المتكررة.
آمل أن تتحول هذه التصريحات إلى أفعال ملموسة على أرض الواقع عبر تشريعات برلمانية صارمة تحصر السلاح بيد الجيش والشرطة فقط.
الدعم الشعبي لهذه الخطوة يجب أن يكون قوياً لضمان عدم عودة الفصائل المسلحة إلى السيطرة على القرار الأمني مرة أخرى.
Hany Ain
يا إلهي! المشهد برمته كارثي ومروّع بشكل لا يُصدق، وكأننا نشاهد نهاية العالم في بغداد!
كيف يمكن لميليشيات أن تستمر في العبث بسيادة دولة كاملة بهذا الشكل السافر دون رادع حقيقي؟
الدماء تسيل والأرواح تُزهق بينما القادة يجلسون في مكاتبهم المكيفة يتنعمون بالراحة والثراء الفاحش!
هذا ليس مجرد خلاف سياسي، بل هو صراع وجودي يهدد كيان الأمة العربية بأكملها!
أتمنى من كل قلبي أن تنجح هذه الوحدة النادرة في إيقاف النزيف قبل فوات الأوان، وإلا سنرى مزيداً من الدمار والفوضى العارمة!
Mohammed Elamin
طبعاً الكل يدعي الوطنية الآن بعد ما طارت رؤوسهم :P
الصدر دايماً بيحكي كلام معسول عشان يخليه الناس تصوت له في الانتخابات الجاية.
المشكلة مش في المليشيات بس، المشكلة إن البلد كله فاسد من فوق لتحت.
لو كانوا جادين كان عملوا حاجة من زمان مش بس يطلعون تصريحات صحفية.
بس خلونا نتفائل شوية عشان الدنيا بتبقى أحسن شوية :)
Dubai Safari Trips
من منظور تحليلي استراتيجي دقيق، ما يحدث هنا ليس سوى تعبير صريح عن خلل هيكلي عميق في بنية الحوكمة العراقية (Governance Structure) الذي أدى إلى ظهور كيانات موازية للدولة تتمتع بنفوذ جيوسياسي مستقل تماماً عن السلطة المركزية الشرعية.
استخدام مصطلح "المليشيات الوقحة" من قبل الصدر يحمل دلالة رمزية قوية تشير إلى محاولة إعادة تعريف شرعية القوة (Legitimacy of Force) ضمن إطار نظرية الواقعية السياسية الكلاسيكية، حيث تسعى الدولة الأم لاستعادة احتكار العنف المشروع (Monopoly on Legitimate Violence) كما وصفه ماكس فيبر.
التدخل الأمريكي-السعودي المشترك يمثل ضربة موجعة لنظرية العمق الاستراتيجي الإيراني في الهلال الخصيب، مما يشير إلى تحول جوهري في ميزان القوى الإقليمي (Regional Power Balance) لصالح محور الرياض-واشنطن.
الضغط البرلماني الحالي يمكن اعتباره آلية رقابية تهدف إلى فرض الشفافية المؤسسية (Institutional Transparency)، لكن النجاح يعتمد كلياً على مدى استقلالية القضاء والتشريعات عن نفوذ الفصائل المسلحة التي تعمل كشبكات اقتصادية موازية (Parallel Economic Networks).
إذا لم يتم تنفيذ إصلاحات هيكلية جذرية تشمل دمج أو حل هذه الوحدات العسكرية غير النظامية، فإن العراق سيبقى أسير لدائرة مفرغة من عدم الاستقرار الأمني والاقتصادي، مما يجعله عرضة دائماً للتدخلات الخارجية المتكررة تحت ذرائع متعددة ومتغيرة.