عماد عجبان يدعو للدولة المدنية كطوق نجاة لمواجهة الفتن الطائفية بمصر
في وقت كانت فيه مصر تغلي على صفيح ساخن، أطلق الكاتب عماد عجبان عبدالمسيح صرخة تحذير مدوية عبر صفحات جريدة يوم السابع في 3 يناير 2011، مؤكداً أن الدولة المدنية ليست مجرد خيار سياسي، بل هي الحل الوحيد لانتشال البلاد من دوامة العنف والاضطرابات. جاءت هذه الدعوة بعد رصد الكاتب لحوادث قاسية لم تشهدها مصر من قبل، واصفاً إياها بأنها تشبه سيناريوهات الدول التي تنهشها الحروب الأهلية أو تعاني من هشاشة مؤسسية قاتلة.
الحقيقة أن توقيت هذه المقالة كان لافتاً للغاية، إذ سبقت أحداث يناير الشهيرة بأيام قليلة، وكأن الكاتب كان يستشعر حجم الفجوة التي تتسع بين مكونات المجتمع. يرى عجبان أن غياب مفهوم الدولة المدنية التي تقف على مسافة واحدة من جميع المواطنين بغض النظر عن دينهم أو عرقهم، هو ما جعل المجتمع عرضة للاهتزاز أمام أي شرارة فتنة.
جذور الأزمة: من التحذير إلى الواقع الدامي
لم تكن تحذيرات عماد عجبان مجرد تنبؤات نظرية، بل تحولت إلى واقع ملموس ومؤلم بعد أشهر قليلة. ففي 13 أكتوبر 2011، عاد الكاتب ليكتب مقالاً بعنوان "الأحداث الدامية"، تناول فيه المأساة التي شهدتها منطقة مبنى ماسبيرو في القاهرة. تلك الأحداث التي لم تكن مجرد اشتباكات عابرة، بل كانت تعبيراً صارخاً عن تدهور الوضع الطائفي في البلاد.
يقول عجبان في تحليله لتلك الفترة إن ما حدث حول ماسبيرو كشف أن الأمور ذات البعد الطائفي تزداد سوءاً من سيئ إلى أسوأ. وهنا تكمن النقطة الجوهرية؛ فالفتنة التي اندلعت لم تكن وليدة اللحظة، بل كانت نتيجة تراكمات من التهميش وغياب القانون الذي يحمي الجميع بالتساوي. (وهو أمر يدركه أي متابع للشأن المصري في تلك الفترة المضطربة).
لكي نفهم حجم المأساة، يجب أن نتذكر أن أحداث ماسبيرو شهدت سقوط قتلى وجرحى، مما جعل المجتمع يواجه حقيقة مرة: أن الدولة إذا لم تكن مدنية بمرجعيتها وقوانينها، ستظل صراعات الهوية هي المحرك الأساسي للعنف في الشوارع.
لماذا الدولة المدنية هي المخرج؟
يطرح عجبان رؤية مفادها أن الدولة المدنية هي المظلة التي تذوب تحتها كافة الانتماءات الضيقة. في هذا النموذج، لا يتم تعريف المواطن بكونه مسلماً أو مسيحياً، بل بكونه "مواطناً" له حقوق وعليه واجبات. هذا الفصل بين المؤسسات الدينية وإدارة الدولة هو الضمان الوحيد لمنع تحول الخلافات الدينية إلى صراعات سياسية أو دموية.
بناءً على ما كتبه عجبان، يمكن تلخيص ركائز الحل في النقاط التالية:
- تطبيق قانون موحد يطبق على الجميع دون استثناء أو تمييز.
- إنهاء حالة "الخصوصية الطائفية" في التعاملات الحكومية والخدمات العامة.
- تعزيز مفهوم المواطنة كقيمة عليا تتجاوز الانتماءات الدينية.
- بناء مؤسسات قوية قادرة على احتواء الغضب الشعبي بدلاً من قمعة.
تأثير الأحداث على النسيج الاجتماعي
الخوف الذي أبداه الكاتب في مقالاته لم يكن خوفاً على النظام السياسي بقدر ما كان خوفاً على "البيت المصري". فالانتقال من حالة الاستقرار النسبي إلى حالة "الدول المنهارة" يتم بسرعة مذهلة إذا فُقدت الثقة في الدولة. ومن المثير للاهتمام أن عجبان، الذي يكتب أحياناً عن ذكريات الطفولة الرمضانية الدافئة ومشاعر المودة بين الأطفال من مختلف الخلفيات، وجد نفسه مضطراً لكتابة مقالات عن الدماء والفتن.
هذا التباين في كتابات عجبان بين الحنين للماضي البسيط والتحذير من المستقبل المظلم يعكس صراعاً داخلياً يعيشه الكثير من المثقفين المصريين؛ كيف يمكن الحفاظ على الود الاجتماعي في ظل تسييس الدين وتصاعد خطاب الكراهية؟
الدروس المستفادة وماذا بعد 2011
بالنظر إلى ما حدث منذ عام 2011 وحتى اليوم، يظل سؤال عجبان قائماً: هل نجحت مصر في بناء هذه الدولة المدنية؟ التفاصيل لا تزال غير مكتملة، ولكن المؤكد أن أحداث ماسبيرو كانت جرس إنذار بأن إهمال الجانب الحقوقي والمدني يؤدي حتماً إلى انفجارات شعبية.
إن ربط عجبان بين ضعف المؤسسات وبين وقوع الجرائم الطائفية يشير إلى أن الأمن ليس مجرد وجود شرطي في الشارع، بل هو شعور المواطن بأن الدولة تحميه لأنه "مواطن"، لا لأنما يتبع طائفة معينة أو يملك نفوذاً ما. هذا هو جوهر الصراع الذي خاضه الكاتب عبر قلمها في يوم السابع.
أسئلة شائعة حول رؤية عماد عجبان للدولة المدنية
ما المقصود بالدولة المدنية في سياق مقالات عماد عجبان؟
يقصد الكاتب بالدولة المدنية تلك الدولة التي تقوم على أساس المواطنة والمساواة التامة بين جميع المواطنين أمام القانون، بغض النظر عن انتماءاتهم الدينية أو العرقية. هي الدولة التي تفصل بين المؤسسات الدينية وبين إدارة الشؤون العامة للدولة لضمان عدم تحول الدين إلى أداة للصراع أو التمييز.
كيف ربط الكاتب بين أحداث ماسبيرو ومفهوم الدولة المدنية؟
اعتبر عجبان أن الأحداث الدامية التي وقعت حول مبنى ماسبيرو في أكتوبر 2011 هي نتيجة مباشرة لغياب الدولة المدنية. ورأى أن تدهور الوضع الطائفي يعود إلى ضعف المؤسسات وعدم قدرتها على فرض سيادة القانون، مما جعل النزاعات الدينية تخرج عن السيطرة وتتحول إلى عنف دموي.
لماذا قارن عجبان وضع مصر بدول تعاني من حروب أهلية؟
استخدم الكاتب هذه المقارنة في مقاله بتاريخ 3 يناير 2011 ليوضح مدى خطورة التوترات الاجتماعية التي بدأت تظهر. أراد أن ينبه القارئ بأن الوصول إلى حالة من الفوضى المؤسسية والنزاعات الطائفية قد يؤدي بالبلاد إلى مسارات مشابهة لتلك التي سلكتها دول منهارة، حيث يحل الصراع الهوياتي محل القانون.
ما هي أهمية التوقيت الذي نشر فيه عجبان مقالاته في 2011؟
تكمن الأهمية في أن مقاله الأول جاء قبل ثورة 25 يناير بأيام، مما يجعله بمثابة تنبؤ بالاضطرابات القادمة، بينما جاء مقاله الثاني بعد الثورة ليرصد آثار التحولات السياسية على النسيج الاجتماعي، مما يظهر تسلسلاً في رصد الكاتب للأزمة من مرحلة التحذير إلى مرحلة وقوع الكارثة.