لوفتفافه تجدد أسطولها بـ38 مقاتلة «يوروفايتر» متطورة

لوفتفافه تجدد أسطولها بـ38 مقاتلة «يوروفايتر» متطورة

لم تعد سلاح الجو الألماني (لوفتفافه) تكتفي بمقاتلات الماضي. في خطوة تعيد تعريف التفوق الجوي الأوروبي، قررت برلين المضي قدماً في تحديث جذري لأسطولها عبر مشروع ضخم يُعرف باسم «كوادريغا». الأمر لا يتعلق فقط بشراء طائرات جديدة، بل بتأمين العمود الفقري للدفاع الجوي الألماني لعقود قادمة.

الصفقة، التي تمت الموافقة عليها رسمياً في نوفمبر 2020، تشمل شراء 38 طائرة من طراز يوروفايتر تايفون من الجيل الرابع المتقدم. هذه الطائرات ليست مجرد نسخ محسنة، بل هي منصة قتالية متكاملة مصممة لمواجهة تهديدات القرن الحادي والعشرين، مع التركيز الشديد على الرادار المتطور والحرب الإلكترونية.

مشروع «كوادريغا»: أكثر من مجرد صفقة سلاح

هناك شيء يجب توضيحه: لماذا اسم «كوادريغا»؟ الاسم يشير إلى العربة ذات الأربعة خيول، وهو رمز قوي للتحالف الصناعي الأوروبي خلف الطائرة. لكن جوهر المشروع هو استبدال الأسطول القديم. تحديداً، ستحل الطائرات الجديدة محل دفعات «ترانش 1» القديمة التي دخلت الخدمة في أوائل الألفية الثانية وأصبحت عاجزة عن استيعاب التحديثات الإلكترونية الحديثة.

تم توقيع العقد عبر وكالة إدارة برنامج يوروفايتر وتورنيدو التابعة لحلف الناتو (NETMA)، نيابة عن ألمانيا، مع الشركة المصنعة الرئيسية إيرباص ديفنس آند سبيس. التقسيم الدقيق للطلبية يشمل 30 طائرة بمقعد واحد للمقاتلين، و8 طائرات بمقعدين للتدريب والتأهيل القتالي. القيمة المالية للعقد تقدر بمليارات اليورو، مما يجعلها أكبر طلبية فردية في تاريخ البرنامج حتى الآن.

التكنولوجيا تحت الغطاء: رادار «Captor-E» والسرعة الفائقة

ما الذي يجعل نسخة «كوادريغا» مختلفة؟ الإجابة تكمن في ما لا يمكن رؤيته بالعين المجردة: الإلكترونيات. القلب النابض لهذه المقاتلة هو رادار جديد من نوع «Captor-E»، ويعمل بتقنية المصفوفة النشطة الممسوحة إلكترونياً (AESA). هذا ليس ترفاً تقنياً؛ إنه فرق بين الحياة والموت في ساحة المعركة الحديثة. يسمح هذا الرادار للكشف عن الأهداف من مسافات أبعد، وتتبع عدة أهداف في وقت واحد، ومقاومة التشويش الإلكتروني بشكل فعال.

من الناحية الفيزيائية، تبقى الطائرة وحشاً حقيقياً. فهي مزودة بمحركين توربينيين من طراز «Eurojet EJ200»، يوفران قوة دفع إجمالية تقارب 180 كيلو نيوتن عند استخدام الحارق اللاحق. هذا يمنح الطائرة سرعة قصوى تبلغ حوالي ماخ 2 (ضعف سرعة الصوت)، وسقف تشغيلي يتجاوز 16,764 متراً. طول الهيكل 15.96 متراً، وباع الجناح 10.95 متراً، وهي أبعاد توازن بين المناورة والمدى الذي يصل إلى 2,900 كيلومتر قبل الحاجة للتزود بالوقود.

قدرات تسليح مرعبة ومرونة عالية

المرونة هي الكلمة المفتاحية هنا. تذكر التقارير التقنية أن «يوروفايتر» هي الوحيدة في فئتها القادرة على حمل حمولة هائلة ومتنوعة في وقت واحد. تخيل طائرة تحمل في نفس الوقت 6 صواريخ جو-جو، و6 قنابل موجهة، بالإضافة إلى مدفع داخلي عيار 27 ملم وحجرة استهداف متطورة.

من أبرز الأسلحة التي تميز الطائرة هو صاروخ «Meteor» الأوروبي بعيد المدى. يوصف هذا الصاروخ بأنه يوفر «أكبر منطقة عدم هروب» مقارنة بأي سلاح آخر، مما يعني أن العدو سيكون مستهدفاً فعلياً بمجرد دخوله في نطاق معين. كما يمكن للطائرة حمل صواريخ كروز «Storm Shadow» بمدى يقدر بنحو 300 كيلومتر، وقنابل «Paveway IV» الموجهة بالليزر أو GPS، وصواريخ «Brimstone» المضادة للدروع البريطانية. هذا المزيج يجعلها قادرة على تنفيذ مهام الهجوم الأرضي الدقيق والدفاع الجوي بكفاءة عالية.

الحرب الإلكترونية واستبدال «تورنايدو»

لكن القصة لا تنتهي عند القتال المباشر. هناك جانب خفي لكنه حاسم: الحرب الإلكترونية. تعمل إيرباص ديفنس آند سبيس وشركاؤها الألمان على تطوير نسخة متخصصة من «يوروفايتر» للحرب الإلكترونية والاستطلاع. الهدف؟ استبدال أسطول طائرات «تورنايدو» القديمة في مهام قمع الدفاعات الجوية المعادية (SEAD).

هذه النسخة المستقبلية ستجهز بحاضنات تشويش متقدمة وأجهزة استشعار إلكترونية حديثة، مما يمكنها من تعطيل رادارات العدو وحماية القوات الصديقة. التفاصيل الدقيقة والجداول الزمنية لهذا الجانب لا تزال تخضع لموافقات برلمانية إضافية، لكن الاتجاه واضح: ألمانيا تريد منصة واحدة متعددة الأدوار بدلاً من أساطيل متخصصة منفصلة.

الأثر الاقتصادي والصناعي الأوروبي

خلف الستار العسكري، توجد قصة اقتصادية ضخمة. برنامج «كوادريغا» وبرامج التطوير طويلة الأمد مثل «LTE» (Long Term Evolution) ليست فقط للقوة العسكرية، بل للحفاظ على السيادة الصناعية الأوروبية. هذه الطلبات تضمن آلاف الوظائف في مصانع إيرباص في ألمانيا وإسبانيا، وBAE Systems في المملكة المتحدة، وليوناردو في إيطاليا.

إنها استثمار مزدوج: في الأمن القومي وفي القاعدة الصناعية التقنية المعقدة التي تتطلب سلسلة توريد أوروبية متكاملة. بدون هذه الطلبات الحكومية المستمرة، قد تختفي القدرة على إنتاج مقاتلات متطورة داخل أوروبا لصالح شركات أمريكية أو روسية.

المستقبل: نحو الجيل السادس

على الرغم من التطورات الهائلة، فإن «يوروفايتر» ليست الحل النهائي للأبد. إنها الجسر الذي سيحمل لوفتفافه حتى منتصف القرن الحادي والعشرين. بعد ذلك، تأتي مرحلة الانتقال إلى أنظمة الجيل السادس ضمن برنامج «نظام القتال الجوي المستقبلي» (FCAS) المشترك بين ألمانيا وفرنسا وإسبانيا.

حتى ذلك الحين، ستظل «يوروفايتر تايفون» بصيغتها الجديدة هي الحارس الرئيسي للجواء الألمانية، متكاملة مع مقاتلات الجيل الخامس التي حصلت عليها ألمانيا مؤخراً، ومستعدة لأي سيناريو أمني في أوروبا المتغيرة.

أسئلة شائعة حول مقاتلة يوروفايتر تايفون

لماذا اختارت ألمانيا اسم «كوادريغا» لمشروع تحديث مقاتلاتها؟

يشير الاسم «كوادريغا» إلى التحالف الصناعي الأوروبي الأربعة (ألمانيا، بريطانيا، إيطاليا، إسبانيا) المشاركة في تصنيع الطائرة، ويرمز إلى القوة المشتركة. تقنياً، هو البرنامج الخاص بشراء 38 طائرة جديدة لاستبدال الدفعات القديمة غير القابلة للتحديث الكامل.

ما الفرق التقني الرئيسي بين طائرات «كوادريغا» والنسخ السابقة؟

الفرق الجوهري يكمن في نظام الرادار الجديد «Captor-E» الذي يعمل بتقنية AESA، مما يحسن مدى الكشف ومقاومة التشويش بشكل كبير. بالإضافة إلى تحسينات عميقة في أنظمة الإلكترونيات الطيران، واجهة المستخدم للطيار، وأنظمة الحرب الإلكترونية الدفاعية.

هل ستحل «يوروفايتر» محل جميع طائرات «تورنايدو» الألمانية؟

نعم، جزئياً. هناك خطط لتطوير نسخة متخصصة من «يوروفايتر» للحرب الإلكترونية والاستطلاع لتحل محل دور «تورنايدو» في قمع الدفاعات الجوية (SEAD). بينما ستستمر نسخ أخرى من «يوروفايتر» في أداء مهام القتال التقليدي والهجوم الأرضي.

ما مدى تأثير هذه الصفقة على الاقتصاد الأوروبي؟

للصفقة أثر اقتصادي كبير، حيث تضمن استمرار آلاف الوظائف في صناعات الدفاع الكبرى مثل إيرباص وBAE Systems وليوناردو. كما تدعم سلسلة التوريد المحلية للمواد المركبة والإلكترونيات المتطورة، مما يعزز الاستقلالية الصناعية الأوروبية في مجال الطيران العسكري.

متى من المتوقع أن تدخل هذه الطائرات الخدمة الفعلية؟

بدأت عمليات التسليم التدريجي بعد الموافقة البرلمانية في عام 2020. يتم تسليم الطائرات على دفعات لضمان التكامل التدريجي مع الأسطول الحالي وتحديث البنى التحتية للصيانة والتدريب في قواعد لوفتفافه المختلفة عبر ألمانيا.