غارات أمريكية سعودية تقتل مستشارين من الحرس الثوري في العراق
لم تكن ليلة الثلاثاء 28 يوليو 2026 عادية في سماء العراق، بل شهدت تحولاً دراماتيكياً في المعادلة العسكرية الإقليمية. شنّت قوات مشتركة من الولايات المتحدة الأمريكية والمملكة العربية السعودية غارات جوية منسقة بدقة متناهية على مواقع تابعة لهيئة الحشد الشعبي، ما أسفر عن مقتل عدد من المستشارين العسكريين الإيرانيين، وسط تباين حاد في الأرقام بين المصادر الغربية والإيرانية والعراقية.
المشهد كان مروعاً؛ صواريخ دقيقة اخترقت الظلام مستهدفة مقرات في سبع محافظات، من قلب بغداد إلى شمال صلاح الدين. السؤال الذي يتردد الآن: هل انتهت مرحلة «الاستشارة» الإيرانية لتبدأ مرحلة «الاستهداف المباشر»؟ التفاصيل تكشف عن عملية عسكرية واسعة النطاق غير مسبوقة منذ سنوات.
خلاف الأرقام: من أربعة إلى عشرين قتيلاً
هنا تكمن العقدة الحقيقية في هذه القصة. الروايات لا تتفق، والأرقام تتضارب بشكل يثير التساؤلات حول حجم الخسارة الفعلية. وكالة فرانس برس نقلت عن مسؤولين في هيئة الحشد الشعبي تأكيد مقتل خمسة مستشارين إيرانيين في ضربة مركزة استهدفت محافظة ديالى. لكن الصحف الإيرانية، وعلى رأسها «همشهري»، أصرت على أن العدد هو أربعة فقط، ونشرت أسماء وصور القتلى وهم: «علي أصغر آستانه»، «أبوالفضل موتقي»، «مرتضى أكبرِي»، و«أمير عباس درهم فروش».
لكن الأمر لم يتوقف عند هذا الحد. مصادر غربية مطلعة تحدثت لصحيفة «الشرق الأوسط» عن مقتل ستة مستشارين في منطقة آمرلي التابعة لمحافظة صلاح الدين. والرقم الأعلى جاء من تقرير لـنيويورك تايمز، حيث أفاد مسؤول أمريكي بأن الغارات قتلت «نحو 20» مستشاراً إيرانياً، بينهم خبراء تقنيون وعناصر من الحرس الثوري الإسلامي. هذا الفارق الهائل (من 4 إلى 20) يعكس إما دقة الضربات أو وجود خسائر إضافية لم تعلن رسمياً بعد.
المشاركة السعودية: رسالة واضحة لبغداد وطهران
ما يجعل هذه العملية مختلفة ليس مجرد وقوعها، بل مشاركة المملكة العربية السعودية فيها. تحالف عسكري مباشر بين واشنطن والرياض ضد أهداف إيرانية على الأراضي العراقية يُعد حدثاً جيوسياسياً ضخماً. يرى محللون في «مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات» أن هذه المشاركة هي الأولى من نوعها ضمن الحرب المستمرة مع إيران، وهي إشارة قوية إلى «عدم صبر الرياض» إزاء عجز الحكومة العراقية عن ضبط الفصائل المسلحة التي تهدد استقرار المنطقة.
قال مسؤول أمريكي لقناتي العربية والحدث، في تصريح يعكس الحزم الأمريكي الجديد: «لن نتردد في قتل الإرهابيين الذين يستهدفون الأميركيين والمصالح الأميركية». هذه العبارة ليست مجاملة دبلوماسية، بل تهديد مباشر لأي جهة ترى نفسها محمية من ضربات الناتو أو القوى العظمى بسبب موقعها الجغرافي.
الأثر الميداني والخسائر البشرية
بالإضافة إلى المستشارين الإيرانيين، دفعت الميليشيات العراقية ثمناً باهظاً. أعلنت هيئة الحشد الشعبي رسمياً عن مقتل 20 عنصراً وإصابة 32 آخرين. لكن صحيفة «القدس العربي» رفعت الحصيلة الأولية لتتجاوز 50 بين قتيل وجريح في القصف المتزامن الذي طالت مدنه: بغداد، البصرة، نينوى، ديالى، كركوك، واسط، وكربلاء. هذا التوزيع الجغرافي الواسع يؤكد أن الهدف لم يكن مجرد قاعدة واحدة، بل شلّ قدرات الإطلاق الصاروخي والطائرات المسيّرة عبر البلاد بأكملها.
في تطور لاحق، نقلت وكالة «ميزان» القضائية الإيرانية خبر إعادة جثامين خمسة أعضاء من الحرس الثوري عبر معبر مهران الحدودي إلى طهران يوم الجمعة 31 يوليو. ورصد مراسلو فرانس برس خلال مراسم التشييع خمسة نعوش ملفوفة بالأعلام الإيرانية، وهو مشهد بصري يدعم رواية «الخمسة» أكثر من أي رقم آخر حتى الآن.
ماذا يعني هذا للمستقبل؟
هذه الغارات قد تعيد رسم خريطة التحالفات في العراق. إذا كانت بغداد عاجزة عن منع ضربات تستهدف ميليشياتها الممولة من طهران، فهل ستتحول العاصمة العراقية إلى ساحة مواجهة دائمة؟ الخبراء يحذرون من رد فعل إيراني محتمل، خاصة بعد مقتل قادة ميدانيين ومستشارين فنيين كانوا أساس دعم فصائل «محور المقاومة».
المستقبل القريب سيشهد إما تصعيداً انتقامياً من طهران، أو تسوية سياسية جديدة تفرضها واشنطن والرياض لإعادة ضبط النفوذ في المنطقة. أما المواطن العراقي، فهو الخاسر الأكبر في حرب بالوكالة تدور فوق رؤوسه، حيث تتحول مدينته إلى هدف عسكري دون أن يكون طرفاً مباشراً في القرار.
أسئلة شائعة حول الغارات الجوية في العراق
كم عدد المستشارين الإيرانيين الذين قُتلوا فعلياً؟
لا يوجد رقم نهائي مؤكد. المصادر العراقية والإيرانية الرسمية تؤكد مقتل خمسة مستشارين، بينما ذكرت وسائل إعلام إيرانية أربعة أسماء محددة. لكن مسؤول أمريكي أشار إلى مقتل نحو 20 مستشاراً، مما يشير إلى احتمال وجود خسائر إضافية لم تُعلن رسمياً أو تم تصنيفها تحت مسميات أخرى مثل «خبراء تقنيين».
لماذا شاركت السعودية في الغارات بدلاً من الاكتفاء بالدعم اللوجستي؟
تشير التحليلات السياسية إلى أن مشاركة السعودية المباشرة هي رسالة ضغط مزدوجة: أولاً، لإظهار وحدة الموقف الخليجي-الأمريكي ضد النفوذ الإيراني. ثانياً، للتأكيد على أن عدم قدرة بغداد على ضبط الميليشيات بات تهديداً أمنياً مباشراً للمصالح السعودية، وليس مجرد شأن داخلي عراقي.
ما هي المحافظات العراقية التي تعرضت للقصف؟
شملت الغارات نطاقاً واسعاً من البلاد، حيث استهدفت مقرات للحشد الشعبي في سبع محافظات رئيسية: بغداد، البصرة، نينوى، ديالى (حيث وقعت الضربة الرئيسية على المستشارين)، كركوك، واسط، وكربلاء. كما استهدفت منطقة آمرلي في محافظة صلاحدين بشدة.
هل تأكدت هوية جميع القتلى الإيرانيين؟
نعم، نشرت وسائل الإعلام الإيرانية أسماء أربعة قتلى هم: علي أصغر آستانه، أبوالفضل موتقي، مرتضى أكبرِي، وأمير عباس درهم فروش. ومع ذلك، أكدت وكالة ميزان القضائية الإيرانية نقل جثامين خمسة أشخاص، مما يعني أن هناك قتيلاً خامساً لم يُعلن عن اسمه رسمياً في التقارير الأولية المتاحة.
ما الهدف الاستراتيجي لهذه الضربات الجوية؟
وفقاً للمسؤولين الأمريكيين، الهدف الرئيسي هو تقويض قدرة الميليشيات المدعومة من إيران على إطلاق الصواريخ والطائرات المسيّرة. الاستهداف الدقيق للمستشارين الفنيين والعسكريين يهدف إلى قطع شريان القيادة والدعم التقني الذي توفره طهران للفصائل العراقية، مما يضعف ترسانتها الهجومية بشكل كبير.
Abdalla Kassim
الحقيقة اننا نعيش في زمن الغموض المطلق. الارقام المتضاربة بين المصادر ليست مجرد خطأ بل هي جزء من الحرب النفسية المعهودة. عندما تتحدث نيويورك تايمز عن عشرين قتيلا بينما تؤكد طهران على خمسة فقط، فإن الفجوة تعكس عمق التلاعب الإعلامي. نحن كمتابعين نحتاج أن نفهم ان كل رقم يحمل رسالة سياسية بحتة. الجانب الأمريكي يريد إظهار الضعف الإيراني بينما تريد إيران الحفاظ على هيبتها أمام شعبها. هذا الصراع ليس عسكريا فقط بل هو صراع سردي بامتياز. علينا أن ننظر إلى الصورة الكبيرة ونفهم ان العراق أصبح ساحة تجريب للقوى العظمى. المواطن العراقي يدفع الثمن مرة أخرى دون أن يكون له صوت مسموع. ربما حان الوقت لنعيد تقييم مفاهيم السيادة الوطنية في المنطقة العربية.
Rawan Halabi
المشهد درامي بامتياز، وكأننا نشاهد فصلًا جديدًا من مسرحية العبث السياسي.
المشاركة السعودية تغيّر قواعد اللعبة تمامًا، فهي لم تعد مجرد مراقب بل شريك فعلي في إعادة تشكيل الخريطة الجيوسياسية.
هذا التحول يعكس استياءً راسخًا من غياب الردع الإقليمي.
لكن السؤال الفلسفي يبقى: هل يمكن للتحالفات العابرة أن تستمر أم أنها مجرد ردود فعل لحظية؟
الدماء تسيل فوق أرض ليست ملكًا لأحد إلا لمن يملك القرار.
والمأساة الكبرى تكمن في تحول بغداد إلى نقطة ارتطام لصراعات لا علاقة لها بها مباشرة.
نحن أمام لحظة فارقة قد تعيد تعريف معنى «الاستقرار» في الشرق الأوسط.
كل ضربة جوية هنا هي رسالة تهديد مبطنة للعالم أجمع.
لا بد من تأمل أعمق في طبيعة هذه التحالفات الهشة.
هل نحن أمام بداية نهاية النفوذ الإيراني أم مجرد استراحة محارب؟
الوقت وحده كفيل بالإجابة عن هذه التساؤلات العميقة.
لكن المؤكد أن الثمن البشري باهظ دائمًا.
والصمت الدولي يزداد غرابة مع تصاعد الأحداث.
يجب أن نتذكر أن التاريخ يكتبه المنتصرون، لكن الحقيقة تبقى مدفونة تحت الركام.
ليتنا نكون أكثر وعيًا بما يدور حولنا.
فهذه ليست مجرد أخبار عابرة بل تحولات جذرية.
نتمنى أن تكون هذه المرة الأخيرة التي يتحول فيها وطننا العربي إلى ساحة حرب بالوكالة.
لكن الأمل وحده لا يكفي بدون فهم عميق للمعادلات الجديدة.
دعونا نتأمل بصمت وعمق ما يحدث.
فالسلام الحقيقي يبدأ من فهم الآخر قبل مواجهته.
Essam Hecker
شكراً على التحليل الدقيق يا صديقي. أتفق معك تماماً بأن الفجوة الرقمية بين التقارير الأمريكية والإيرانية ليست عشوائية بل مدروسة بعناية فائقة. لاحظت أيضاً كيف أن ذكر أسماء القتلى الإيرانيين أعطى مصداقية أكبر لرواية الخمسة قتلى مقارنة بالأرقام الأخرى. من المهم أن نبقى واقعيين في تقييمنا للأحداث ولا نستسلم لأي رواية أحادية الجانب. الوضع في العراق حساس جداً وأي خطوة خاطئة قد تقود إلى كارثة إنسانية جديدة. دعونا نأمل أن تكون هذه الضربات بداية لنهاية مرحلة التصعيد وليس العكس. الدعم النفسي للشعب العراقي الآن أهم من أي تحليل سياسي. شكراً لك على طرح النقطة المهمة حول السيادة الوطنية.