غارات أمريكية سعودية على الحشد الشعبي: 20 قتيلاً ودماء تراق في بغداد

غارات أمريكية سعودية على الحشد الشعبي: 20 قتيلاً ودماء تراق في بغداد

لم تكن ليلة الأربعاء 29 تموز/يوليو 2026 عادية في سماء العراق. قبل شروق الشمس بقليل، اخترقت صافرات الإنذار الهدوء، لتنفيذ غارات جوية مشتركة بين القوات الجوية الأمريكية والسعودية استهدفت مقرات رسمية تابعة لهيئة الحشد الشعبي في عدة محافظات. الحصيلة الأولية كانت مأساوية: مقتل ما لا يقل عن 20 من عناصر الحشد وإصابة 32 آخرين، وفق بيانات رسمية صدرت سريعاً لتؤكد أن الدولة العراقية لم تعد بمنأى عن تصعيد إقليمي مفتوح.

هناك شيء يثير القلق حقاً في هذه التطورات؛ فبغداد ترى في الحشد جزءاً لا يتجزأ من منظومتها الأمنية الرسمية، بينما تنظر إليه واشنطن والرياض كذراع عسكري مدعوم من طهران. هذا التباين الجوهري هو ما جعل من هذه الغارات أكثر من مجرد ضربة عسكرية، بل تحولت إلى أزمة دبلوماسية وسياسية عميقة تضع الحكومة العراقية أمام اختبار حقيقي لسيادتها.

ردود الفعل الرسمية: إدانة واسعة واستنكار حاد

لم تتأخر الردود الرسمية في العاصمة بغداد. أصدرت رئاسة الجمهورية بياناً وصف فيه الضربات بأنها "اعتداء مرفوض" و"انتهاك صارخ لسيادة العراق". لكن اللقمة الأثقل جاءت من مجلس الأمن الوطني العراقي الذي عقد اجتماعاً طارئاً برئاسة رئيس الوزراء والقائد العام للقوات المسلحة، علي الزيدي. في بيانه، أكد المجلس أن هذه الضربات تمثل "عمل عدوان" يقوّض الدولة العراقية، خاصة وأن الحكومة كانت آنذاك "تنخرط بنشاط" مع الأطراف المعنية لمعالجة المخاوف الأمنية عبر القنوات الدبلوماسية.

لم تقتصر الإدانة على المؤسسات الحكومية فقط، بل امتدت لتشمل القيادات السياسية والبرلمانية. هادي العامري، الأمين العام لمنظمة بدر التابعة للحشد الشعبي، خرج بتصريح حاد وصف فيه الهجوم بأنه "جريمة تمثل انتهاكاً لسيادة العراق والقانون الدولي". أما نواب البرلمان، فقد أطلقوا العنان لغضبهم، محذرين من خطورة استهداف مدن مكتظة بالسكان والزوار، مثل كربلاء، حيث أشار بيان نيابي إلى أن ضربة واحدة طالت "مقر الفوج الرابع لواء 30" أدت وحدها إلى استشهاد 10 مقاتلين.

الخلفية المتوترة: اتهامات متبادلة وموقف أمريكي حازم

لكن لماذا الآن؟ ولماذا بهذه الشراسة؟ تشير التقارير الدولية والموسوعية إلى أن التوتر بلغ ذروته بعد اتهامات وجهتها الرياض لفصائل موالية لإيران، وتحديداً "المقاومة الإسلامية في العراق"، بالوقوف وراء هجمات استهدفت الأراضي السعودية. ونفت تلك الفصائل أي علاقة لها بالأمر، واصفة الاتهامات بأنها "مفبركة"، لكن ذلك لم يمنع التحالف الأمريكي السعودي من تنفيذ ضرباته الاستباقية.

الولايات المتحدة، من جانبها، أوضحت أن المستهدفين كانوا "في الواقع يتلقون أوامر من طهران"، وهو تأكيد على النظرة الأمريكية التي تفصل بين المؤسسة العسكرية الرسمية العراقية والفصائل المسلحة المدعومة إيرانياً. هذا الموقف يضع بغداد في زاوية ضيقة: فهي تدافع عن سيادتها وقواتها الرسمية، لكنها في الوقت نفسه تحاول الحفاظ على علاقات مستقرة مع جارها السعودي وداعمها الرئيسي أمريكا.

ما الذي يعني هذا للعراق ومستقبله الأمني؟

ما الذي يعني هذا للعراق ومستقبله الأمني؟

الخطوة الأبرز التي أعلن عنها مجلس الأمن الوطني هي وضع "خطة أمنية متكاملة لمسك الأرض والتصدي لأي انتهاك لسيادة العراق". يبدو الأمر منطقياً على الورق، لكن التنفيذ سيكون التحدي الحقيقي. كيف يمكن لبغداد ضبط الحدود ومنع استخدام أراضيها كمنصة لهجمات على دول الجوار، وهي نفسها تحت وطأة ضغط داخلي وخارجي؟

الخبراء يحذرون من أن هذه الغارات قد تكون الشرارة التي تشعل فتيل حرب أهلية جديدة أو تصعيداً إقليمياً أوسع. فالاستهداف المباشر لمؤسسات تعتبرها الدولة الرسمية جزءاً من جيشها، يعد سابقة خطيرة قد تقوض الثقة بين بغداد ومحورها الإقليمي. كما أن وجود ملايين الزوار في كربلاء استعداداً لزيارة الأربعين يزيد من حساسية الوضع، حيث أصبح المدنيون عرضة للخطر بشكل مباشر وغير مباشر.

سؤال المليون دولار: هل انتهى عصر الوساطة الدبلوماسية؟

سؤال المليون دولار: هل انتهى عصر الوساطة الدبلوماسية؟

كانت بغداد تراهن على حل الخلافات الأمنية مع السعودية والولايات المتحدة عبر الحوار والتحقق من الادعاءات. لكن تنفيذ الغارات المشتركة فجر الأربعاء يشير إلى أن نافذة الدبلوماسية قد أُغلقت مؤقتاً. السؤال المطروح الآن ليس فقط حول حجم الخسائر البشرية (والتي أعلنت هيئة الحشد أنها غير نهائية)، بل حول مدى قدرة الحكومة العراقية على فرض إرادتها في ظل هذا الضغط العسكري المباشر.

إذا استمر هذا التصعيد، فإن العراق قد يجد نفسه مجدداً ساحة لتصفية الحسابات الإقليمية، بعيداً عن مصالح شعبه. ومع اقتراب ذكرى الأربعين، تبدو البلاد على حافة الهاوية، حيث تتشابك السياسة مع الدين والأمن في لوحة معقدة يصعب فك طلاسمها بسهولة.

أسئلة شائعة حول الغارات الأمريكية السعودية على العراق

كم عدد القتلى والجرحى في الغارات الأخيرة على الحشد الشعبي؟

بحسب البيانات الرسمية الصادرة عن هيئة الحشد الشعبي، قُتل ما لا يقل عن 20 من عناصر الحشد وأصيب 32 آخرون. وأكد البيان أن الحصيلة "غير نهائية"، مما يعني احتمال ارتفاع العدد مع استمرار أعمال الإحصاء والتدقيق في المواقع المستهدفة بعدة محافظات عراقية.

ما هي أبرز المواقع التي استهدفتها الغارات الجوية؟

استهدفت الغارات عدداً من المقرات الرسمية التابعة لهيئة الحشد الشعبي في مناطق متفرقة. ومن أبرز المواقع المذكورة في البيانات النيابية والرسمية هو "مقر الفوج الرابع لواء 30"، والذي أدى استهدافه لوحده إلى استشهاد 10 مقاتلين وإصابة آخرين، إضافة إلى أضرار مادية كبيرة في المباني والممتلكات التابعة للهيئة.

لماذا نفذت أمريكا والسعودية هذه الغارات المشتركة؟

بررت السعودية والولايات المتحدة الضربات باتهام فصائل موالية لإيران، تُعرف بـ"المقاومة الإسلامية في العراق"، بالوقوف وراء هجمات سابقة استهدفت الأراضي السعودية. ورأت واشنطن أن المستهدفين يتلقون أوامراً مباشرة من طهران، بينما نفت الفصائل العراقية هذه الاتهامات ووصفتها بأنها "مفبركة"، معتبرة أن الضربة انتقامية وغير مبررة.

ما هي الخطوات المقبلة التي أعلنتها الحكومة العراقية؟

قرر مجلس الأمن الوطني العراقي، برئاسة رئيس الوزراء علي الزيدي، وضع "خطة أمنية متكاملة" تهدف إلى مسك الأرض والتصدي لأي انتهاك لسيادة العراق. وتشمل الخطة منع استخدام الأراضي العراقية كمنصة لتهديد دول الجوار، وتعزيز السيطرة الأمنية على الحدود والقواعد العسكرية لمنع تكرار حوادث مشابهة في المستقبل القريب.

كيف وصفت الرئاسة العراقية هذه الضربات من الناحية القانونية؟

وصفت رئاسة الجمهورية العراقية الضربات بأنها "اعتداء مرفوض" و"انتهاك صارخ لسيادة العراق". وأكدت في بيانها الرسمي أن استهداف المؤسسات الأمنية الرسمية يتعارض مع قواعد القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة، مشيرة إلى أن الحشد الشعبي يُعد جزءاً رسمياً من المنظومة الأمنية للدولة العراقية وليس ميليشيات خارجة عن القانون.