بريطانيا تجرم دعم الحرس الثوري الإيراني: السجن 14 عاماً
لم يعد الأمر مجرد عقوبات اقتصادية أو تجميد أصول؛ بل أصبح التعبير عن تأييد الحرس الثوري الإيراني جريمة جنائية في حد ذاته. في خطوة غير مسبوقة، أعلنت الحكومة البريطانية إدراج هذا الفرع العسكري على قائمة الكيانات المحظورة، مما يعني أن أي شخص يقدم دعماً مادياً أو معنوياً له قد يواجه السجن لمدة تصل إلى 14 عاماً.
جاء الإعلان الرسمي يوم الاثنين 13 يوليو/تموز 2026 من العاصمة لندن، لكن القرار لم يدخل حيّز التنفيذ إلا بعد مصادقة البرلمان البريطاني عليه يوم الجمعة 17 يوليو/تموز 2026. هذه الفجوة الزمنية القصيرة تعكس استعجالاً حكومياً واضحاً لتفعيل صلاحيات جديدة ومنحها قوة قانونية فورية ضد ما تصفه لندن بـ"وكلاء الدول الأجنبية".
من العقوبات إلى التجريم: كيف تغيّرت القواعد؟
لطالما اعتمدت بريطانيا على نظام العقوبات المالية لمواجهة التهديدات الإيرانية، حيث فرضت بحلول يناير/كانون الثاني 2025 عقوبات على أكثر من 450 فرداً وكياناً إيرانياً. لكن المشكلة كانت أن هذه العقوبات لا تمنع بالضرورة الأفراد العاديين من تقديم الدعم أو الترويج لهذه الجهات داخل البلاد. هنا يأتي دور قانون الأمن القومي (التهديدات التي ترعاها الدول) لعام 2026، الذي أقر قبل شهرين فقط من هذا القرار، ليملأ هذا الفراغ التشريعي.
القانون الجديد يمنح وزارة الداخلية صلاحية تصنيف كيانات مرتبطة بدول أجنبية كتهديد مباشر للأمن القومي. وبمجرد التصنيف، يصبح "دعم" هذه الكيانات جريمة. وما يعنيه "الدعم" هنا واسع النطاق بشكل مثير للجدل: فهو يشمل ليس فقط التمويل المباشر، بل أيضاً "التعبير عن رأي إيجابي"، أو "الإشادة"، أو حتى قبول منفعة مادية مقدمة نيابة عن المنظمة المحظورة. إنه تحول جذري من مراقبة الأموال إلى مراقبة الكلمات والأفعال اليومية.
صوت وزيرة الداخلية: رسالة واضحة للبرلمان
لم تترك شابةنا محمود, وزيرة الداخلية البريطانية مجالاً للتأويل. في بيان خطي قدمته للبرلمان، حددت بدقة سقف العقوبة والنطاق القانوني للجريمة الجديدة. قالت محمود إن "الدعم للحرس الثوري الإيراني، من التعبير عن رأي إيجابي إلى تقديم المساعدة لهم، سيصبح الآن جريمة يُعاقب عليها بالسجن لمدة تصل إلى 14 عاماً".
هذه الصياغة الدقيقة مهمة جداً للقراء. فهي تشير إلى أن الخط الفاصل بين حرية التعبير العادية والدعاية الجنائية أصبح رفيعاً وموضعاً لرقابة قضائية صارمة. كما أوضحت الوزارة أن الجريمة لا تقتصر على الأفعال المادية البحتة، بل تمتد لتشمل "الدعوة إلى دعم هذه الجماعات" أو "المساعدة في تنفيذ أنشطة ذات صلة ببريطانيا". هذا الوصف الواسع يفتح الباب أمام ملاحقات واسعة النطاق تستهدف شبكات النفوذ الصغيرة والجمعيات الخيرية وحتى الأفراد الذين يعملون كوسطاء ماليين.
من هم الآخرون على القائمة السوداء؟
لم يكن الحرس الثوري الإيراني الضحية الوحيدة لهذا القانون الجديد. فقد شملت القائمة الأولى ثلاث جهات رئيسية تعتبرها لندن امتداداً لتهديدات دولية:
- الحرس الثوري الإيراني: الذراع العسكرية الرئيسية للنظام الإيراني، والمصنف كأول جهة تتبع دولة أجنبية تُدرج بموجب هذا القانون.
- حركة أصحاب اليمين الإسلامية (IMCR): منظمة مرتبطة بإيران أو جهات حليفة لها، وتُعتبر جزءاً من شبكة التأثير الإيراني في المنطقة.
- فيلق المتطوعين الروسي (أو جماعة فاغنر): وهنا تظهر اختلافات طفيفة بين المصادر؛ فبينما أشارت بعض التقارير إلى "فيلق المتطوعين التابع للاستخبارات العسكرية الروسية (GRU)"، ذكرت أخرى "جماعة فاغنر". لكن الاتفاق العام هو تصنيف كيان روسي مرتبط بالدولة كتهديد للأمن القومي البريطاني.
هذا التشابه في التصنيف يكشف عن استراتيجية بريطانية أوسع لمواجهة ما تسميه "الوكلاء المدعومين من دول"، سواء كانوا إيرانيين أو روسيين. فالهدف ليس محاربة دولة بعينها، بل قطع رأس الشبكة الوسيطة التي تنفذ التهديدات على الأرض.
الخلفية التاريخية: من فكرة تشريعية إلى واقع قانوني
لم يأتِ هذا القرار من فراغ. يعود جذره إلى خطاب أدلت به السياسية البريطانية إيفيت كوبر في مايو/أيار 2025 أمام مجلس العموم. آنذاك، تحدثت كوبر عن حاجة ملحة لتطوير تشريع جديد يتجاوز قدرات قانون الأمن القومي القديم، للسماح بحظر كيانات مدعومة من دول مثل الحرس الثوري الإيراني. وصفته آنذاك بأنه رد فعل على "تصاعد التهديدات المعقدة" من دول أجنبية.
على مدار الأشهر التالية، شهدت المملكة المتحدة حملة ضغط سياسي ومجتمعي مكثفة. وفي أبريل/نيسان 2026، أعلنت مجموعات معارضة "النصر" بعد إشارة الحكومة إلى نيتها التحرك لحظر الجماعة. كان ذلك بمثابة الضوء الأخضر لإعداد مشروع الأمر الذي قدمته وزارة الداخلية لاحقاً. وهكذا، تحوّل وعد انتخابي وتشريعي نظري إلى أداة أمنية حادة خلال أقل من عام واحد.
ماذا يعني هذا عملياً للمقيمين والجاليات؟
الأثر الأبرز لهذا القرار يقع على عاتق الجاليات الإيرانية في بريطانيا، وأي أفراد يشتبه في ارتباطهم بشبكات نفوذ قريبة من طهران. تخيل المشهد: شخص يحضر فعالية دعائية، أو يرسل تبرعاً صغيراً عبر وسيط، أو ينشر تغريدة تمدح دور الحرس الثوري في المنطقة. كل هذه الأفعال، وفقاً للقراءة الحرفية للقانون الجديد، قد تصبح مادة لبحث جنائي.
العقوبات ليست هينة. بالإضافة إلى السجن حتى 14 عاماً، يمكن فرض غرامات مالية باهظة، أو الجمع بينهما. والأخطر من ذلك، أن القانون يميز بين "الدعم" وجرائم أشد مثل "التجسس" أو "التخريب" أو "التدخل الأجنبي" لصالح منظمة مصنفة، والتي قد تصل عقوبتها إلى السجن المؤبد. هذا التمييز يضع علامات استفهام كبيرة حول مدى وضوح الحدود القانونية، خاصة عندما يتعلق الأمر بتفسير "التعبير عن اعتقاد يؤيد المنظمة".
التوتر الدبلوماسي والآثار المستقبلية
لم تكن الخطوة أمنية فحسب، بل دبلوماسية أيضاً. فقد استدعت الحكومة البريطانية السفير الإيراني لدى المملكة المتحدة فوراً لإبلاغه بالقرار ومناقشة تبعاته. هذه الحركة تعكس أن لندن تريد إرسال رسالة قوية: نحن نتحرك، والقوانين سارية، ولا مجال للتفاوض على تفاصيل التطبيق.
يُتوقع أن يؤدي هذا الإجراء إلى مزيد من الاحتقان في العلاقات الثنائية. تاريخياً، استخدمت بريطانيا وإيران أدوات الضغط الاقتصادي والدبلوماسي، لكن دخول البعد الجنائي الداخلي يرفع الرهان. وقد تستخدم الحكومة البريطانية هذه الصلاحيات الجديدة مستقبلاً ضد منظمات أخرى مرتبطة بدول تعتبرها مصادر تهديد، مما يجعل من قانون 2026 أداة مرنة وقابلة للتوسع في ملف الأمن القومي البريطاني لسنوات قادمة.
أسئلة شائعة
ما الفرق بين العقوبات السابقة والحظر الجديد للحرس الثوري الإيراني؟
العقوبات السابقة كانت مالية ودبلوماسية (مثل تجميد الأصول وحظر السفر)، بينما الحظر الجديد بموجب قانون 2026 يجعل "الدعم" نفسه جريمة جنائية. هذا يعني أن الفرد العادي يمكن ملاحقته قضائياً إذا قدم مساعدة مادية أو حتى معنوية (كالتأييد العلني) للمنظمة، بعقاب يصل إلى 14 عاماً سجن.
هل يشمل الحظر التعبير عن الرأي فقط أم الأعمال المادية أيضاً؟
يشمل كلاهما. حسب بيان وزيرة الداخلية شابةنا محمود، فإن نطاق الجريمة يمتد من "التعبير عن رأي إيجابي" أو "الإشادة"، وصولاً إلى تقديم المساعدة المادية أو اللوجستية. أي شكل من أشكال الدعم، سواء كان مالياً أو معنوياً، يدخل ضمن التعريف القانوني للجريمة الجديدة.
ما هي المنظمات الأخرى التي حظرتها بريطانيا بجانب الحرس الثوري؟
إلى جانب الحرس الثوري الإيراني، ضمت القائمة الأولى "حركة أصحاب اليمين الإسلامية" المرتبطة بإيران، وكياناً روسياً يُشار إليه إما بـ"فيلق المتطوعين التابع للاستخبارات العسكرية الروسية" أو "جماعة فاغنر". جميعها صُنفت كتهديدات للأمن القومي البريطاني بموجب القانون الجديد.
متى دخل قرار حظر الحرس الثوري الإيراني حيّز التنفيذ؟
أعلنت الحكومة القرار رسمياً في 13 يوليو/تموز 2026، لكنه لم يصبح نافذاً قانونياً إلا بعد مصادقة البرلمان البريطاني عليه في 17 يوليو/تموز 2026. منذ تلك اللحظة، أصبحت الملاحقات القضائية ممكنة بموجب أحكام القانون الجديد.
ما هي أقصى عقوبة يمكن أن تواجهها لمن يدعم منظمة محظورة؟
بالنسبة لجريمة "الدعم" المباشرة (المادي أو المعنوي)، تصل العقوبة إلى السجن لمدة 14 عاماً أو غرامة مالية أو كليهما. أما إذا ثبت تورط الشخص في جرائم أشد مثل التجسس أو التخريب أو التدخل الأجنبي لصالح المنظمة، فقد تصل العقوبة إلى السجن المؤبد.