بغداد وواشنطن: 30 سبتمبر موعد نهائي لإنهاء مهمة التحالف في العراق
الوقت ينفد. في بغداد، لم يعد الحديث عن انسحاب التحالف الدولي لهزيمة داعش مجرد توقعات سياسية، بل أصبح جدولاً زمنياً صارماً لا يقبل التأجيل. أعلن رئيس الوزراء العراقي علي فالح الزيدي, الذي يشغل أيضاً منصب القائد العام للقوات المسلحة, أن الموعد النهائي لمغادرة القوات الأجنبية هو 30 سبتمبر/أيلول المقبل.
هذه ليست مجرد نهاية لوجود عسكري؛ إنها نقطة تحول جذرية في تاريخ العلاقات الأمنية بين الشرق الأوسط والغرب منذ عام 2014. السؤال الآن ليس "هل ستنسحب؟"، بل "كيف ستتعامل بغداد مع الفراغ الأمني؟".
تأكيدات رسمية من الطرفين: لا رجعة عن القرار
جاء التأكيد الأبرز في اجتماع للمجلس الوزاري للأمن الوطني في العاصمة بغداد. هناك، شدد الزيدي على أن التاريخ المحدد هو "موعد ثابت ونهائي". لم يستخدم كلمات غامضة أو دبلوماسية مرنة، بل أكد أن هذا هو الخط الأحمر الأخير. وفي تصريح نادر باللغة الإنجليزية، قال الزيدي: "سيكون 30 سبتمبر الموعد الثابت والنهائي لإنهاء المهمة العسكرية... واستكمال مغادرة قواته".
من الجانب الآخر، لم تترك وزارة الحرب الأمريكية (البنتاغون) الأمر للصدفة. في بيان صدر في منتصف يوليو/تموز، أكد الوزير الأمريكي التزام واشنطن الكامل بالبيان المشترك الموقع في سبتمبر 2024. الرسالة واضحة: أمريكا تنفذ ما اتفقت عليه، ولا تعتزم التمديد إلا إذا طُلب منها ذلك بشكل رسمي، وهو ما يبدو مستبعداً حالياً.
خلفية الاتفاق: من البيان المشترك لعام 2024 إلى الواقع الميداني
لنعود قليلاً إلى الوراء. في 27 سبتمبر/أيلول 2024، وقّع البلدان على خارطة طريق من مرحلتين. المرحلة الأولى كانت تستهدف إنهاء المهمة القتالية بحلول نهاية 2025، والانتقال إلى "شراكة أمنية ثنائية". لكن التعقيد جاء من ملف سوريا؛ حيث استمر جزء من العمليات انطلاقاً من قاعدة جوية في مدينة أربيل شمالي العراق حتى سبتمبر 2026.
هذا يعني أن الوجود الأمريكي لم يكن موحداً في الانسحاب. بينما بدأت المعدات تتحرك خارج أربيل قبل ثلاثة أسابيع من أغسطس الحالي، تبقى التفاصيل الدقيقة حول إعادة نشر القوات غامضة. مسؤول أمريكي تحدث لوكالة أسوشيتد برس دون الكشف عن اسمه، مؤكداً أن الانسباب سيتم في موعده، لكنه امتنع عن تحديد عدد الجنود المتبقين أو وجهتهم التالية. هذا الغموض مقصود غالباً لتجنب أي ضغوط سياسية داخلية أو إقليمية قد تعقد عملية الخروج.
معادلة السلاح الداخلي: مهلة أخيرة للمسلحين
هنا تكمن المفارقة المثيرة للاهتمام. في حين ترحب الحكومة بانتهاء المهمة الدولية، فإنها تربط ذلك بملف حساس جداً: السلاح المنفلت. حدد الزيدي نفس التاريخ (30 سبتمبر) كمهلة نهائية للجماعات المسلحة غير الحكومية لتسليم أسلحتها. منطق بسيط وحازم: "استمرار حمل السلاح لن يكون مبرراً بعد انسحاب القوات الأجنبية".
هذا الربط الذكي يحول الانتصار الدبلوماسي إلى أداة ضغط داخلية. إذا خرجت أمريكا، فلا عذر لأي ميليشيا تستمر في تحدي سلطة الدولة المركزية. إنه اختبار حقيقي لوحدة الصف السياسي والأمني في العراق، خاصة في ظل وجود فصائل مؤثرة سياسياً وعسكرياً.
ماذا بعد 30 سبتمبر؟ الشراكة الثنائية بدلاً من التحالف متعدد الأطراف
لا يعني الانسحاب قطع العلاقات. بدلاً من إطار التحالف الواسع الذي ضم عشرات الدول، سيتحول التعاون إلى قناة مباشرة بين بغداد وواشنطن. يشمل ذلك استمرار تبادل المعلومات الاستخباراتية والتنسيق المشترك لاستهداف مخلفات تنظيم "داعش".
الخبراء يرون أن هذا النموذج الجديد أقل كلفة سياسياً للعراق، لكنه يضع عبئاً أكبر على الأجهزة الأمنية المحلية. نجاح هذه المرحلة يعتمد كلياً على قدرة الجيش العراقي وقوات الأمن على سد أي فجوة أمنية قد تظهر فور رفع العلم الأمريكي عن القواعد.
أسئلة شائعة حول انسحاب التحالف الدولي من العراق
ما الفرق بين انتهاء المهمة العسكرية والشراكة الأمنية الثنائية؟
انتهاء المهمة العسكرية يعني سحب القوات القتالية وإنهاء العمليات الحربية المشتركة تحت راية الأمم المتحدة أو التحالف. أما الشراكة الثنائية فتعني استمرار التعاون المباشر بين بغداد وواشنطن عبر قنوات دبلوماسية وأمنية مغلقة، تشمل التدريب والاستخبارات والدعم اللوجستي دون وجود قوة قتالية أمريكية ظاهرة.
لماذا تم تمديد الموعد لإقليم كردستان حتى سبتمبر 2026؟
السبب الرئيسي هو استخدام قاعدة في أربيل كنقطة انطلاق للعمليات المرتبطة بسوريا. نظراً للتوترات الجيوسياسية في المنطقة المجاورة، احتاجت الولايات المتحدة لفترة إضافية لضمان استقرار العمليات هناك قبل إغلاق المنصة العراقية بالكامل، مما أدى إلى تأخير الجدول الزمني الخاص بإقليم كردستان مقارنة بباقي مناطق العراق.
كيف سيتعامل العراق مع الجماعات المسلحة بعد خروج الأجانب؟
أعطى رئيس الوزراء علي فالح الزيدي مهلة حتى 30 سبتمبر لتسليم الأسلحة. تشير التصريحات الرسمية إلى أن المبرر السياسي لحمل السلاح (محاربة الإرهاب بجانب التحالف) سيختفي، مما يجعل أي مقاومة للحكومة محض تحدٍ داخلي للسلطة المركزية، وقد يؤدي إلى إجراءات قانونية أو عسكرية ضد من يتجاوز المهلة.
هل انتهى خطر تنظيم داعش تماماً؟
لم ينتهِ الخطر تماماً، لكنه تغير طبيعته. التحول من حرب مفتوحة إلى عمليات استخباراتية دقيقة. يؤكد المسؤولون الأمريكيون والعراقيون أن التنسيق المشترك سيستمر لتفتيت ملاذات التنظيم، مما يشير إلى أن التهديد قائم لكنه أصبح تحت السيطرة ضمن إطار ثنائي أكثر كفاءة ومرونة.