أنس الحجي: كارتيلات الحرس الثوري هي من أشعلت حرب إيران 2026

أنس الحجي: كارتيلات الحرس الثوري هي من أشعلت حرب إيران 2026

لم تكن الحرب مجرد صدام بين جيوش، بل كانت معركة على مليارات الدولارات. في تقرير جديد نشرته «منصة الطاقة المتخصصة» يوم الجمعة 17 يوليو 2026، كشف الدكتور أنس الحجي، خبير اقتصادات الطاقة ومستشار التحرير في المنصة والشريك الإداري في شركة Energy Outlook Advisors، عن وجه آخر للصراع الدائر منذ فبراير الماضي. الحجي يرى أن تجدد الحرب لم يكن بسبب سوء الفهم الدبلوماسي فحسب، بل لأن شبكات داخل الحرس الثوري الإسلامي تعمل كـ«كارتيلات» تستفيد من الفوضى.

القصة بدأت بالتصعيد العسكري في أوائل 2026، لكن نقطة الانهيار الحقيقية كانت الهجوم على ناقلة غاز مسال. هذا الحدث، كما يصفه الحجي، تجاوز «خطًا أحمر» غير معلن كان يحافظ على هدنة هشة بين إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب وطهران. النتيجة؟ انهيار التفاهمات الأولية وإعادة فتح باب المواجهة العسكرية بالكامل.

لماذا لا تريد بعض الأطراف السلام؟

هنا تكمن المفارقة الغريبة. عادةً، نسمع أن الحكومات تسعى للسلام لتجنب الكلفة الاقتصادية للحرب. لكن الحجي يطرح سؤالاً مختلفاً: ماذا لو كان هناك من يستفيد مادياً من استمرار الصراع؟

يشير التحليل إلى أن عناصر متشددة داخل الحرس الثوري جمعت ثروات طائلة على مدى ثلاثة عقود من العقوبات الدولية. هذه الشبكات، التي وصفها الحجي بأنها تشبه «كارتيلات المخدرات»، تسيطر فعلياً على تدفق النفط العراقي وكل ما يدخل ويخرج منه. بالنسبة لهم، أي تسوية سلمية شاملة تعني نهاية اللعبة؛ عودة الأمور لطبيعتها تعني فقدان السيطرة والمال والسلطة.

«يتصرفون مثل كارتيل مخدرات، وهم حرفيًا مستعدون للقتال من أجل المال والسلطة» — أنس الحجي

شبكة عابرة للحدود تتجاوز الدولة

لا يمكن فهم هذه الديناميكية بمعزل عن البنية الإقليمية. الحجي يؤكد أن «النظام الإيراني ليس كتلة واحدة». هناك ذراع دولية مرتبطة بـحركة أنصار الله في اليمن، وحزب الله في لبنان، وفصائل مسلحة في العراق. هذه الشبكة تمتد حتى إلى كارتيلات المخدرات في أمريكا الجنوبية.

هذه الأطراف لا تهتم بمستقبل الدولة الإيرانية بقدر اهتمامها بالحفاظ على سيطرتها. تمتلك أسلحة متطورة ودروعاً حديثة، وتخوض معارك مستمرة لحماية مصالحها الاقتصادية. عندما ترسل الولايات المتحدة قواتها البحرية والجوية، فهي تواجه جيشاً نظامياً، لكن خلف الخطوط الأمامية، تخوض حرباً ضد شبكات إجرامية اقتصادية معقدة.

السياق الزمني: من المفاوضات إلى الانفجار

لتفهم الصورة كاملة، يجب النظر إلى التسلسل الزمني للأحداث:

  • فبراير 2026: بدء العمليات العسكرية الأميركية بهدف إجبار إيران على قبول إملاءات نووية وإقليمية.
  • 7 يونيو 2026: إطلاق إيران لصواريخ باليستية استهدفت قاعدة «رامات دافيد» الجوية في إسرائيل.
  • 20 يونيو 2026: إعادة إغلاق مضيق هرمز رداً على الضربات الإسرائيلية على لبنان.
  • يونيو - يوليو 2026: هجوم على ناقلة الغاز المسال الذي أجهض المحاولات الدبلوماسية الأخيرة.

في هذا السياق، أكد نائب الرئيس الأميركي جيه دي فانس في تصريح لـ«عكاظ» بتاريخ 16 يوليو 2026، أن الانقسامات الداخلية بين التيارات المتشددة والبراغماتية في إيران لعبت دوراً حاسماً في تجدد المواجهة. وهو ما يتوافق تماماً مع رؤية الحجي حول وجود أطراف داخلية تعمد لإفشال الدبلوماسية.

تحذيرات عسكرية وأمل دبلوماسي باهت

تحذيرات عسكرية وأمل دبلوماسي باهت

داخل واشنطن، بدأ القلق يظهر. نقلت مصادر مطلعة عن الجنرال دان كين، رئيس هيئة الأركان المشتركة، قوله إن الخيارات العسكرية المتاحة قد تؤدي لنتائج عكسية. القوة الجوية وحدها لا تكفي لمواجهة شبكة تتغذى على الفوضى.

على الجانب الآخر، يرى الخبير ولي نصر من جامعة جونز هوبكنز أن الحرب نشأت لأن التوازن القوى لحظة توقيع مذكرة التفاهم كان هشاً. واشنطن أرادت تغيير الوضع الراهن، بينما أرادت طهران حمايته. النتيجة كانت انتكاسة أميركية تمثلت في سيطرة إيران مؤقتاً على مضيق هرمز، مما أجبر واشنطن على الجلوس للتفاوض مرة أخرى.

أسئلة شائعة

ما المقصود بـ«كارتيلات» الحرس الثوري؟

تشير العبارة إلى شبكات اقتصادية وأمنية داخل الحرس الثوري استفادت من العقوبات الدولية على مدى 30 عاماً. تجمع هذه الشبكات مليارات الدولارات عبر التهريب والتحكم في الممرات المائية، وتتصرف بمنطق الجماعات الإجرامية حيث تكون مصلحة الحفاظ على التدفق النقدي أهم من المصلحة الوطنية العليا.

كيف أثر إغلاق مضيق هرمز على الاقتصاد العالمي؟

أدى الإغلاق إلى رفع المخاطر الجيوسياسية بشكل كبير وتوتر أسواق الطاقة. رغم أن جزءاً من توقف الصادرات الإيرانية كان «مسعراً» مسبقاً في السوق، إلا أن استهداف ناقلات الغاز المسال خلق حالة من عدم اليقين أدت إلى تقلبات حادة في أسعار النفط والغاز العالمية.

هل لا تزال هناك فرصة للسلام؟

رغم التشاؤم السائد، يرى جيه دي فانس أن هناك فرصة لإحياء المسار الدبلوماسي. الشرط الأساسي لذلك هو التعامل مع الانقسامات الداخلية في إيران وكبح نفوذ العناصر المتشددة داخل الحرس الثوري التي تعمد لإفشال أي اتفاقيات تهدد بمصادر دخلها غير الرسمية.

ما الدور الذي تلعبه الطاقة في هذه الحرب؟

الطاقة هي المحور الاقتصادي للصراع. السيطرة على ممرات بحرية حيوية مثل هرمز وباب المندب تمنح قوة تفاوضية هائلة. كما أن ارتفاع أسعار الطاقة نتيجة التوترات يوفر دخلاً إضافياً للشبكات المرتبطة بالحرس الثوري، مما يجعل حل الأزمة النووية مرتبطاً بتفكيك هذه البنية الاقتصادية المعقدة.

4 التعليقات
  • Shatha Goorm
    Shatha Goorm

    نقطة مهمة جداً لم يلاحظها الكثيرون في التحليلات السابقة
    المشكلة ليست فقط في السياسة الخارجية بل في البنية الاقتصادية الداخلية التي تحولت إلى شبكة مصالح خاصة
    عندما تتحول المؤسسة العسكرية أو الأمنية إلى كارتيل تجاري تصبح مصلحة الدولة الثانوية أمام حماية الأرباح
    هذا النمط رأيناه في دول أخرى حيث تلتهم الفصائل المسلحة جزءاً كبيراً من الناتج المحلي عبر التهريب والفساد
    الحجي أصاب عندما ربط بين استمرار الحرب واستمرار التدفق النقدي لهؤلاء
    السلام يعني الشفافية والشفافية تعني نهاية هذه الممارسات الخفية
    لذلك نجد دائماً عرقلة لأي مفاوضات جادة قد تؤدي إلى تسوية شاملة
    الدول الكبرى تحاول الضغط عسكرياً لكن الحل النهائي يجب أن يكون اقتصادياً وقضائياً أيضاً
    لا بد من تفكيك هذه الشبكات قبل أي حديث عن استقرار حقيقي في المنطقة

  • Abdullah Shaker
    Abdullah Shaker

    التحليل دقيق وصريح بشكل غير معتاد في الإعلام العربي
    غالباً ما نسمع عن الأسباب الجيوسياسية ونغفل البعد الاقتصادي الإجرامي الذي يغذي الصراع
    وصف الحرس الثوري بأنه يشبه كارتيلات المخدرات ليس مبالغة بل واقع مرير يعيشه الاقتصاد العالمي منذ عقود
    السيطرة على مضيق هرمز ليست مجرد ورقة تفاوض بل هي خط دفاع مالي لهذه الشبكات
    إذا انفتح السوق وتوقفت العقوبات ستنهار مصادر الدخل الموازية التي بنوا عليها نفوذهم
    لذا فالخوف الحقيقي ليس من الجيش النظامي بل من هذه الطبقة الطفيلية المرتبطة بالدولة
    يجب على المجتمع الدولي التعامل مع الملف الإيراني كملف فساد مالي عالمي وليس فقط كمشكلة أمنية إقليمية

  • Ahmad Abdullah
    Ahmad Abdullah

    طيب بس مين اللي بيحل المشكلة دي لو كانوا متغلغلين في كل مكان
    يعني حتى لو اتغيرت الحكومة هل هتقدر تقضي عليهم بسهولة
    أنا شايف إن الأمر أعقد من كده لأنهم أصبحوا جزء من النسيج الاجتماعي والاقتصادي نفسه
    بس فعلاً الكلام ده بيفسر ليه المفاوضات بتفشل مرة تانية وتانية
    كان نفسي التقرير يتوسع أكتر في موضوع الدور الأمريكي وهل هيستطيعوا يقاوموا هذا النفوذ أم لا

  • Mohamed El Beheri
    Mohamed El Beheri

    أوافقك الرأي تماماً يا أحمد
    الأمر أشبه بمحاولة اجتثاث الفساد من جذوره وهو أمر صعب لكنه ضروري
    غالباً ما تكون الحلول الدبلوماسية سطحية إذا لم تمتد يد الإصلاح إلى جيوب هذه الشبكات
    نحن بحاجة إلى ضغط دولي منسق يشمل عقوبات مستهدفة على الأفراد وليس فقط الكيانات الحكومية
    بدون ذلك ستبقى إيران مسرحاً لصراعات داخلية تغذيها المصالح الخاصة أكثر مما تغذيه المصلحة الوطنية
    آمل أن تكون هذه التقارير بداية لتغيير في طريقة فهمنا للصراع الإقليمي الحالي :)

أضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول المطلوبة محددة*