العربية: سرقات النفط في العراق تتجاوز 35 مليار دولار

العربية: سرقات النفط في العراق تتجاوز 35 مليار دولار

تخيلوا أن ثلث إنتاج بلد ما من الذهب يتبخر كل يوم، لا بسبب الكوارث الطبيعية، بل لأن أيدياً خفية تمتد إلى الخزينة. هذا بالضبط ما يحدث في العراق. كشف تقرير حصري نشرته قناة العربية في 27 يوليو 2026 عن شبكة فساد متجذرة في قطاع الطاقة، أدت إلى هدر وسرقات نفطية بقيمة تتجاوز 35 مليار دولار منذ عام 2011.

الأرقام صادمة، لكنها ليست مفاجئة لمن يتابع المشهد العراقي. التقرير الذي استندت إليه منصة Middle East Online الإنجليزية، أوضح أن هذه الشبكة تعمل داخل منظومة النفط الرسمية، محولةً عوائد ما يزيد على ثلث الإنتاج اليومي – أي نحو 1.5 مليون برميل – إلى جهات غير رسمية. والسؤال الأهم هنا: أين تذهب هذه الأموال؟ الجواب يكمن في جيوب الميليشيات والأحزاب السياسية التي وجدت في النفط مصدراً لتمويل نشاطاتها خارج رقابة الدولة.

شبكة الفساد: من دبي إلى بغداد

التقرير حمل ترويسة "دبي/بغداد"، مما يشير إلى تعاون صحفي دقيق بين مكاتب القناة في الإمارات والعاصمة العراقية. المعلومات تشير إلى أن الشبكة لا تعتمد فقط على التهريب البدائي عبر الصهاريج، بل تستخدم عقوداً معقدة لبيع النفط الخام وتوريد الوقود بطرق ملتوية. الموظفون الرسميون والوسطاء والشركات الخاصة تستغل جميعها ثغرات قاتلة في المنظومة الرقابية.

هنا تكمن المشكلة الحقيقية؛ فالأموال لا تختفي ببساطة، بل تعيد تشكيل الخريطة السياسية والأمنية. جزء أساسي من هذه العائدات الضخمة يمول جماعات مسلحة وكيانات سياسية، مما يجعل الفساد النفطي وقوداً للصراع الداخلي وليس مجرد قضية اقتصادية جافة. عندما يتم تحويل مليارات الدولارات بعيداً عن خزينة الدولة، فإن الخدمات العامة، الصحة، والتعليم هي من تدفع الثمن.

فاتورة الفساد الشاملة: أرقام مرعبة

إذا نظرنا إلى الصورة الأكبر، نجد أن رقم الـ 35 مليار دولار ليس إلا قطرة في محيط. تقارير أخرى، مثل تلك المنشورة في يوليو 2026، قدرت إجمالي فاتورة الفساد في العراق منذ عام 2003 بنحو 500 مليار دولار. نعم، نصف تريليون دولار ذهبت أدراج الرياح أو إلى حسابات خارجية.

وزير النفط السابق جبار اللعيبي كان قد صرح سابقاً بأن القطاع يشهد إهداراً مالياً يقارب 50 مليار دولار سنوياً. وللمقارنة، استورد العراق منتجات نفطية بقيمة 30 مليار دولار بين 2003 و2018 رغم أنه منتج ومصدر رئيسي. هذا التناقض الغريب يعكس عمق الخلل الإداري.

  • الموارد المسروقة: تقديرات تشير إلى سيطرة ميليشيات موالية لإيران على نصف الموارد النفطية.
  • التهريب: النائب حاكم الزاملي أكد أن كميات المشتقات المهربة تصل لنصف الحجم الفعلي المصدر.
  • الحقول المشتركة: خسائر تقدر بـ 35 مليار دولار سنوياً نتيجة التداخل الحدودي مع إيران.
البعد الإقليمي والمخاطر الخارجية

البعد الإقليمي والمخاطر الخارجية

لا يقتصر الاستنزاف على الداخل فقط. العوامل الجيوسياسية تلعب دوراً قاتلاً. إغلاق مضيق هرمز، شريان الحياة للنفط العراقي، كبد البلاد خسائر وصلت إلى 37.7 مليار دولار وفقاً لتقارير يونيو 2026. هذا يدفع الخبراء للمطالبة بتسريع مشاريع بديلة مثل "مشروع الشام الجديد" لتنويع مسارات التصدير وتقليل الاعتماد على ممر واحد هش.

أيضاً، هناك ملف الحقول المشتركة مع إيران. الباحث السياسي فادي عيد ذكر أن إيران تستولي على نحو 380 ألف برميل يومياً من الإنتاج العراقي. الخبير الاقتصادي صادق الركابي قدر قيمة المستنزف من هذه الحقول بنحو 35 مليار دولار سنوياً، مشيراً إلى استثمار إيراني ضخم هناك يعكس شهية واضحة لثروات الجار.

ضعف الرقابة وفضيحة "سرقة القرن"

كيف يمكن لهذا الكم من السرقات أن يمر دون رادع؟ الإجابة بسيطة ومؤلمة: ضعف أنظمة القياس. الخبير النفطي وليد خدوري أشار إلى أن غياب المقاييس الدقيقة لتدفق النفط من الآبار سهّل التلاعب بالكميات منذ 2003. المجلس الدولي للاستشارات والمراقبة طالب لسنوات بنظام قياس دقيق، لكن دون جدوى حقيقية حتى الآن.

وفي سياق متصل، تأتي فضيحة "سرقة القرن" في سبتمبر 2024، حيث سُرق مبلغ 2.5 مليار دينار (نحو 2.5 مليار دولار) من أموال الضرائب الخاصة بشركات النفط عبر شركات وهمية وشيكات مزيفة. هذا الحادث يثبت أن الخطر لا يأتي فقط من الأنابيب والصهاريج، بل من الحسابات البنكية والمعاملات الورقية أيضاً.

ما الذي ينتظر العراق؟

ما الذي ينتظر العراق؟

المشهد الحالي يوضح أن الإصلاح الاقتصادي في العراق مرتبط عضوياً بالإصلاح الأمني والسياسي. طالما أن الميليشيات والأحزاب تمتلك "مكاتب اقتصادية" تتغذى على عائدات النفط المهرب، ستبقى الموازنة العامة في حالة عجز مزمن، وستستمر البطالة في الارتفاع فوق 30%، وستتأخر رواتب الموظفين لأشهر.

الحلول التقنية وحدها لا تكفي. نحتاج إلى إرادة سياسية حقيقية لفرض سيادة القانون على قطاع النفط، وتعزيز الشفافية في العقود، وتطوير البنية التحتية للقياس. بدون ذلك، ستظل الثروة الوطنية هدفاً سهلاً للشبكات المحلية والإقليمية على حد سواء.

أسئلة شائعة حول فساد النفط العراقي

كيف تؤثر سرقات النفط على حياة المواطن العراقي العادي؟

تؤثر بشكل مباشر عبر تدهور الخدمات العامة. الأموال المفقودة (أكثر من 35 مليار دولار مؤخراً) كانت كفيلة بتحسين البنية التحتية، المدارس، والمستشفيات. بدلاً من ذلك، يعاني المواطن من انقطاع الكهرباء، نقص الأدوية، وتأخر دفع الرواتب الحكومية، مما يرفع معدلات الفقر والبطالة التي تجاوزت 30% في بعض التقديرات.

ما هو دور الميليشيات في تهريب النفط العراقي؟

تلعب الميليشيات، خاصة الموالية لإيران، دوراً محورياً في التحكم بمسارات التهريب وعقود التوريد. التقارير تشير إلى أنها تستحوذ على نسبة كبيرة من الموارد النفطية (تصل للنصف حسب بعض المصادر)، مستخدمة شبكات صهاريج ومعدات خاصة تحت حماية أمنية وسياسية، مما يجعل عمليات المكافحة الحكومية شبه مستحيلة دون مواجهة عسكرية أو سياسية مباشرة.

هل تقتصر الخسائر النفطية على السرقات الداخلية فقط؟

لا، تشمل الخسائر عوامل خارجية وجيوسياسية. إغلاق مضيق هرمز كلف العراق مليارات الدولارات في فترات سابقة. كما أن النزاعات حول الحقول المشتركة مع إيران تؤدي إلى استنزاف مستمر، حيث تقدر خسائر هذه الحقول بنحو 35 مليار دولار سنوياً، بالإضافة إلى رسوم وعمولات مرتفعة تدفع لشركات عالمية ضمن صفقات مثيرة للجدل.

ما هي "سرقة القرن" وكيف ارتبطت بالنفط؟

"سرقة القرن" هي قضية فساد كبرى كشفت عنها في 2024، تضمنت اختلاس نحو 2.5 مليار دولار من أموال الضرائب المودعة من قبل كبرى شركات النفط في حسابات الدولة. تمت العملية عبر تحالف من خمس شركات وهمية استخدمت شيكات وأوراقاً مزيفة، مما أظهر ثغرات كبيرة في النظام المالي والضريبي المرتبط بقطاع الطاقة.

ما الحلول المقترحة للحد من هدر النفط العراقي؟

يقترح الخبراء عدة حلول: أولاً، تركيب أنظمة قياس دقيقة وإلكترونية في جميع مراحل الإنتاج والنقل. ثانياً، تنويع مسارات التصدير لتجنب مخاطر المضائق (مثل مشروع الشام الجديد). ثالثاً، تعزيز استقلال القضاء والهيئات الرقابية لمحاسبة المتورطين من السياسيين والفصائل المسلحة دون خوف أو محاباة.

4 التعليقات
  • Shatha Goorm
    Shatha Goorm

    الأرقام صادمة فعلاً يا جماعة

    لكن اللي يخلي الواحد يحبط هو إننا نعرف هالحقيقة من زمان ومع ذلك ما نشوف تغيير حقيقي على الأرض

    يعني لو صرفوا حتى نص المبالغ المسروقة على التعليم والصحة كان وضع المواطن صار أحسن بكثير

    المشكلة مو بس في السرقات نفسها لكن في غياب الإرادة السياسية للمحاسبة

    كل مرة نسمع عن فضيحة جديدة ونقول هاي المرة الأخيرة بس للأسف ما تخلص

    نحتاج حلول جذرية مو مجرد تصريحات إعلامية

    أتمنى نلاقي خطوات عملية قدام

  • Abdalla Kassim
    Abdalla Kassim

    إنّ هذا المشهد يعكس عمق الأزمة البنيوية التي يعاني منها العراق منذ عقود

    فليس الفساد مجرد انحراف سلوكي فردي بل هو منظومة متكاملة تتغذى على ضعف المؤسسات وهشاشة الرقابة

    حين تمتد الأيدي الخفية إلى شريان الحياة الاقتصادي فإنها لا تسرق المال فحسب بل تسرق المستقبل والأمل

    التحويلات المالية نحو الخارج وإعادة تشكيل الخريطة السياسية عبر تمويل الميليشيات تجعل من محاربة الفساد معركة وجودية وليست اقتصادية فقط

    إنّ استيراد منتجات نفطية رغم كون البلد منتجاً رئيسياً يمثل مفارقة تاريخية تستدعي وقفة تأمل جادة

    الاعتماد على مسار تصدير واحد كهرمز يزيد من الهشاشة الجيوسياسية ويجعل الاقتصاد رهينة للتوترات الإقليمية

    ربما آن الأوان لإعادة النظر في العقد الاجتماعي الذي سمح لهذه الشبكات بالتمدد دون رادع قوي

    فالشعب يدفع الثمن غالياً من استقراره وكرامته بينما تتكدس الثروات في حسابات بعيدة عن الأنظار

    الحل يكمن في سيادة القانون أولاً وأخيراً

  • khalid alazmi
    khalid alazmi

    يا إلهي!!! ثلاثون مليار دولار سنوياً إهدار؟ هذا ليس رقماً إنه كارثة استراتيجية بكل المقاييس!

    غياب أنظمة القياس الدقيقة (Metering Systems) هو الثقب الأسود الذي ابتلع ثروة أجيال كاملة

    نحن نتحدث عن فشل ذريع في الحوكمة المؤسسية (Corporate Governance) وليس مجرد سوء إدارة عادي

    تلك العقود المعقدة والوسطاء الوهميون هم الأدوات المثالية لتبييض الأموال وتحويل الأصول

    مشروع الشام الجديد ضروري جداً لتنويع مسارات التصدير وكسر احتكار المضائق

    لكن بدون إرادة سياسية حقيقية لفرض الشفافية ستبقى الحلول التقنية مجرد ترقيعات مؤقتة

    الفساد هنا أصبح بنية تحتية موازية للدولة العميقة

    نحتاج إلى ثورة في آليات المحاسبة والمراقبة الإلكترونية الفورية

    المواطن العراقي يستحق أن يرى أثر هذه الثروة في حياته اليومية وليس في تقارير القنوات الإخبارية فقط

    الأمل موجود إذا تم تفعيل هيئات الرقابة المستقلة فعلياً

  • Latifah N. Handayani
    Latifah N. Handayani

    صمتكم عن دور إيران الواضح في استنزاف الحقول المشتركة مخجل!!

    هل ننسى كيف تستولي ميليشيات موالية لطهران على نصف الموارد النفطية تحت مسميات مختلفة؟

    هذا ليس فسادا داخليا فقط بل هو نهب إقليمي ممنهج بدعم سياسي واضح.

    على الحكومة العراقية التحرك بحزم أكبر لوقف هذا الاستنزاف المتعمد.

    لا يمكن فصل الأمن عن الاقتصاد في معادلة كهذه.

أضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول المطلوبة محددة*