العراق يعيد رسم خريطته: 48 اتفاقية مع واشنطن وخطوط حمراء أمام طهران
لم يعد الأمر مجرد دبلوماسية عابرة، بل هو إعادة هيكلة جذرية لموقع العراق على الخريطة الجيوسياسية. في قلب هذه المعادلة الجديدة يقف رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي، الذي اختار أن يجعل الاقتصاد هو "الرافعة" الأساسية لعلاقاته الدولية. خلال زيارته الأخيرة إلى واشنطن العاصمة، وقع الزيدي ما لا يقل عن 48 اتفاقية ومذكرة تفاهم مع شركات أمريكية، معظمها في قطاع النفط، في خطوة وصفت بأنها تحول نوعي نحو اعتبار الولايات المتحدة شريكاً استراتيجياً حقيقياً.
لكن هل يعني هذا القطيعة مع الجارة الشرقية؟ الإجابة المختصرة هي: لا. بل إن بغداد ترسم "خطوطاً حمراء" دقيقة تحدد حدود النفوذ الإيراني دون قطع الشريان الاقتصادي والسياسي. إنه توازن دقيق يشبه السير على حبل مشدود بين قوتين كبريين، لكن هذه المرة، يريد العراقيون أن يكونوا هم من يمسكون بزمام الحبل.
من "وصمة عار" إلى زيارة "مفصلية": التباين الإيراني
المشهد الداخلي للنخبة الإيرانية يكشف عن انقسام واضح حول التوجه الجديد لبغداد. عندما سافر الزيدي إلى واشنطن، وصف مسؤول إيراني رفيع المستوى الزيارة بأنها "وصمة عار"، في إشارة ضمنية إلى الخيانة المفترضة للتحالف التاريخي. لكن المشهد تغير تماماً عندما وصل الزيدي إلى طهران في 23 يوليو 2026. هناك، استقبله الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان بحفاوة، واصفاً الزيارة بأنها "مفصلية" لتعزيز الشراكة الاستراتيجية بين البلدين.
هذا التناقض في الخطاب الإيراني يعكس محاولة طهران للتكيف مع الواقع الجديد؛ فبدلاً من فرض التبعية، تحاول الآن تقديم نفسها كشريك متساوٍ يمكن التفاوض معه ضمن إطار مصالح مشتركة، حتى لو كان ذلك يعني قبول وجود أمريكي أقوى في الملف الاقتصادي والأمني للعراق.
الاقتصاد كدرع: 48 اتفاقية تغيّر قواعد اللعبة
التفاصيل الرقمية هنا ليست مجرد أرقام باردة، بل هي مؤشرات على عمق التغيير. الـ48 وثيقة الموقعة تشمل اتفاقيات تعاون وإعلانات شراكة تفتح أبواب السوق العراقية أمام الشركات الأمريكية الكبرى. المحللون يؤكدون أن هذه الاتفاقيات ليست صدفة، بل هي ثمرة خطة مدروسة تربط بين الأمن والاستقرار الاقتصادي. كما أشار تقرير لـ"ذا إيكونوميك تايمز"، فإن التركيز الكبير على قطاع الطاقة يشير إلى رغبة بغداد في تنويع مصادر استثماراتها بعيداً عن الاعتماد الأحادي.
- عدد الاتفاقيات: 48 وثيقة (اتفاقيات، مذكرات تفاهم، إعلانات شراكة).
- القطاعات الرئيسية: النفط والطاقة، البنية التحتية، والدفاع.
- الهدف المعلن: تأمين استدامة الشراكة عبر المصالح الاقتصادية المشتركة.
الضغط الأمريكي: خطوط حمراء واضحة أو لا شيء
على الجانب الآخر، تبدو الولايات المتحدة الأمريكية أكثر صرامة. صحيفة "نيويورك تايمز" كشفت في أبريل 2026 عن توقف مؤقت عن تمويل قوات الأمن العراقية، في رسالة ضغط قوية. نائب المتحدث باسم وزارة الخارجية الأمريكية، توماس بيغوت، كان صريحاً: "لن تقبل الولايات المتحدة بالهجمات على مصالحها... وتتوقع إجراءات سريعة لتفكيك الميليشيات المرتبطة بإيران".
هنا تكمن الخطوط الحمراء التي يتحدث عنها التقرير: حماية المواطنين الأمريكيين، مكافحة الإرهاب، ومنع استخدام الأراضي العراقية ضد المصالح الأمريكية. إذا لم يلتزم العراق بهذه الشروط، فقد تتراجع الدعم الأمني والمالي الأمريكي بشكل كبير، مما يجعل الالتزام بهذا المسار ضرورة اقتصادية بقدر ما هو خيار سياسي.
المستقبل: بين سبتمبر 2026 والتوازن المستدام
أبرز ما يميز السياسة الحالية هو وضع سقف زمني. أكد الزيدي مراراً أن العراق لن يحتاج إلى "فصائل المقاومة" بعد شهر سبتمبر 2026. هذا الإعلان يضع الكرة في ملعب الفصائل المسلحة والحكومة معاً: إما الدمج الكامل في مؤسسات الدولة، أو فقدان الشرعية القانونية. مركز البيان للدراسات يرى أن هذا ليس تحوّلاً كاملاً نحو واشنطن، ولا استمراراً للتبعية لإيران، بل هو "مواءمة" ذكية تهدف إلى تعظيم هامش المناورة الدبلوماسية وتقليل كلفة التنافس الإقليمي على الساحة العراقية.
في النهاية، يبدو أن العراق يخوض اختباراً تاريخياً. نجاح هذه المعادلة يعتمد على قدرة بغداد على تحويل الوعود الاقتصادية إلى واقع ملموم، وضبط النفس الأمني لمنع أي احتكاك قد يهدد الشراكات الجديدة. السؤال المطروح الآن ليس فقط "مع من سيتحالف العراق؟"، بل "هل سيتمكن من الحفاظ على استقلال قراره الوطني وسط هذه الضغوط المتقاطعة؟".
أسئلة شائعة
ما هي طبيعة الاتفاقيات الـ48 الموقعة مع الولايات المتحدة؟
تشمل هذه الوثائق مزيجاً من اتفاقيات التعاون، مذكرات التفاهم، وإعلانات الشراكة. ركزت الغالبية العظمى منها على قطاع النفط والطاقة، مما يتيح للشركات الأمريكية دخول سوق الاستثمار العراقي بمزايا تفضيلية مقارنة بالمنافسين الآخرين، وهو ما يعتبر محركاً أساسياً للشراكة الاقتصادية الجديدة.
ماذا يعني مفهوم "الخطوط الحمراء" في العلاقة مع إيران؟
لا تعني القطيعة، بل تحديد نطاق النفوذ. تشير الخطوط الحمراء إلى منع التدخل الإيراني في الشؤون الداخلية العراقية، خاصة فيما يتعلق بتسليح الفصائل واستخدام الأراضي العراقية لضرب المصالح الأمريكية أو الإقليمية الأخرى، مع الحفاظ على قنوات التواصل الاقتصادي والسياسي الرسمية.
ما هو الهدف الزمني لإنهاء دور فصائل المقاومة؟
حدد رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي شهراً سبتمبر من عام 2026 كسقف زمني لإنهاء الحاجة إلى ما يُسمى بـ"فصائل المقاومة". هذا يعني أن الحكومة تسعى لدمج هذه الكيانات عسكرياً وأمنياً تحت مظلة الجيش العراقي الرسمي قبل نهاية العام، لضمان وحدة القرار الأمني.
كيف تؤثر هذه التطورات على الاقتصاد العراقي؟
تعتبر العلاقات الاقتصادية "الرافعة" للاستقرار. جذب الاستثمارات الأمريكية في الطاقة والبنية التحتية سيخلق فرص عمل ويحسّن الإيرادات غير النفطية على المدى الطويل. كما أن تقليل التوترات الأمنية يجذب المزيد من الاستثمارات الأجنبية المباشرة، مما يساهم في تنويع الاقتصاد وتقليل الاعتماد الكلي على صادرات النفط الخام.
ما رد الفعل الإيراني الرسمي على التقارب العراقي الأمريكي؟
كان هناك انقسام في التصريحات الإيرانية. بينما وصف بعض المسؤولين الزيارة لواشنطن بأنها "وصمة عار"، سارع الرئيس مسعود بزشكيان لوصف الزيارة اللاحقة لطهران بأنها "مفصلية". هذا يشير إلى محاولة النخبة الإيرانية التكيف مع الواقع الجديد وتقديم نفسها كشريك تفاوضي بدلاً من قوة فاعلة تفرض إرادتها بالقوة.