العراق وتركيا يوقّعان اتفاق نفط مؤقت بقدرة 750 ألف برميل يومياً

العراق وتركيا يوقّعان اتفاق نفط مؤقت بقدرة 750 ألف برميل يومياً

لم تتوقف قطرات النفط عن التدفق، حتى عندما انقضى الصك القانوني الذي يحكمها. في خطوة تعكس براغماتية نادرة بين بغداد وأنقرة، أكّد مصدران تركيان لـ"رويترز" أن تدفقات الخام من شمال العراق ستستمر دون انقطاع إلى ميناء جيهان على ساحل البحر المتوسط، رغم انتهاء الاتفاقية الأم التي عمرت عقوداً. الأهم من ذلك؟ لقد تم توقيع اتفاقية عبور جديدة لمدة عام واحد فقط، تغطي سعة يومية ضخمة تبلغ 750,000 برميل، لتصبح خط الخلاص الوحيد أمام الحكومة العراقية لتصدير نفطها.

الوضع ليس مجرد تمديد روتيني؛ إنه إعادة هيكلة كاملة للعلاقة النفطية بين البلدين. فبعد قرار تركيا بإنهاء "اتفاقية خط أنابيب النفط الخام تركيا–العراق" رسمياً في 27 يوليو 2026، وجد الطرفان نفسيهما أمام خيارين: إما شلل كامل لمنفذ التصدير الوحيد العامل لدى بغداد، أو ابتكار حل وسط سريع. اختارا الثاني، لكن بشروط.

منذ السبعينيات: نهاية حقبة وبداية أخرى

لنفهم حجم التحول، يجب النظر إلى الوراء قليلاً. الخط الذي يمر عبر أراضي جمهورية تركيا نحو أوروبا والشرق الأوسط كان يعمل بموجب اتفاقيات تعود جذورها إلى سبعينيات القرن الماضي. هذه الاتفاقيات كانت الإطار القانوني الوحيد الذي يسمح بحركة ملايين البراميل سنوياً. لكن الرياح تغيرت؛ ففي يوليو 2025، نشرت الجريدة الرسمية التركية قراراً بإنهاء هذه الاتفاقية وجميع مذكرات التفاهم التابعة لها اعتباراً من 27 يوليو 2026.

كانت الرسالة واضحة من أنقرة: لا مزيد من التمديدات تحت نفس الشروط القديمة. المسؤولون الأتراك، ومنهم مسؤول كبير تحدث بشرط عدم الكشف عن هويته، أوضحوا في يونيو 2026 أن "لا جدوى من تمديد اتفاق خضع لتحكيم دولي". هذا التحفظ التركي خلق فجوة زمنية خطيرة قبل الموعد النهائي، مما دفع بغداد إلى التحرك بسرعة.

الدبلوماسية الطارئة: كيف تم سد الفجوة؟

في 14 يونيو 2026، تقدم علي نزار, رئيس شركة تسويق النفط الحكومية (سومو) بطلب رسمي لتمديد الاتفاق عاماً واحداً على الأقل. الهدف؟ كسب الوقت للتفاوض على عقد جديد وشامل. لكن أنقرة ترددت. ثم جاء الحل الإبداعي: "بروتوكول تنفيذي" مؤقت.

في 3 يوليو، أعلنت الجهات المختصة أن الطرفين اتفقا على توقيع بروتوكول يضمن استمرار الصادرات، بما فيها خام حكومة إقليم كردستان. وأكد أمانج رحيم, سكرتير مجلس الوزراء في حكومة إقليم كردستان آنذاك أن هذا الترتيب هو "جسر" يعبر فوق الهاوية القانونية حتى يتم صياغة اتفاق طويل الأمد.

ثم جاءت اللحظة الحاسمة. في 9 يوليو، وخلال زيارة رسمية لبغداد، أعلن ألب أرسلان بيرقدار, وزير الطاقة التركي أن الاتفاق أصبح في مراحله النهائية. وبعد أيام قليلة من انتهاء الصلاحية القانونية القديمة في 27 يوليو، وفي الأول من أغسطس 2026، وقع الجانبان رسمياً اتفاقية العبور الجديدة. لم تكن مجرد ورقة؛ كانت ضماناً بأن المحركات لن تتوقف.

إقليم كردستان: العودة بعد غياب عامين

إقليم كردستان: العودة بعد غياب عامين

هنا تكمن القصة الأكثر تعقيداً. فالخط لا ينقل النفط من بغداد فقط، بل يعتمد بشكل حاسم على حقول كركوك وإقليم كردستان. في مارس 2026، طلبت بغداد من حكومة الإقليم المساعدة في تصدير ما لا يقل عن 100,000 برميل يومياً، وربما يصل الرقم إلى 200,000 برميل.

لكن الطريق لم يكن ممهداً. ذكر بيش هورام, متحدث باسم حكومة إقليم كردستان في وقت سابق أن هناك "جوانب فنية" عالقة. ومع ذلك، وفي 17 مارس، أعلنت شركة نفط الشمال استئناف الصادرات فعلياً. المفارقة؟ هذا الاستئناف جاء في ظل ظروف أمنية متوترة، حيث أدت هجمات بطائرات مسيرة استمرت أربعة أيام إلى تعطيل نصف إنتاج الإقليم تقريباً. ومع ذلك، عاد النفط ليتدفق، وهو ما وصفه مراقبون بأنه انتصار للضغط الاقتصادي على العقبات السياسية.

الأرقام التي تحدد المستقبل

الأرقام التي تحدد المستقبل

  • السعة الجديدة: 750,000 برميل يومياً (حسب تصريح الوزير بيرقدار).
  • مدة الاتفاق المؤقت: 12 شهراً (حتى يوليو 2027).
  • التاريخ الفاصل: 27 يوليو 2026 (نهاية الاتفاق القديم) و1 أغسطس 2026 (بداية الجديد).
  • الحجم المستهدف من كركوك: بين 100,000 و200,000 برميل يومياً كجزء من إجمالي التدفق.

ما يعنيه هذا للأرض الواقع؟ إن العراق، ثاني أكبر منتج في منظمة أوبك، قد تجنب كارثة اقتصادية محتملة بفقدان منفذه البحري الوحيد. لكن السؤال المطروح الآن: هل سيتمكن الطرفان من تحويل هذا "ترتيب العبور" إلى شراكة استراتيجية طويلة الأمد خلال العام القادم؟ أم أننا نشهد مجرد تأجيل للمشكلة؟

أسئلة شائعة حول اتفاق النفط العراقي-التركي

لماذا يعتبر خط أنابيب كركوك-جيهان حيوياً للعراق؟

يعتبر هذا الخط المنفذ التصديري الوحيد العامل حالياً للحكومة الاتحادية العراقية عبر الأنابيب. أي توقف فيه يعني اعتماد بغداد كلياً على المنافذ البحرية الجنوبية أو التخزين المحلي، مما يزيد التكاليف ويقلل المرونة في السوق العالمية. استمرار تشغيله بقدرة 750 ألف برميل يومياً يضمن استقرار الإيرادات النقدية للدولة.

ما الفرق بين الاتفاق القديم والاتفاق المؤقت الجديد؟

الاتفاق القديم كان إطاراً قانونياً شاملاً ومطولاً منذ السبعينيات، بينما الاتفاق الجديد (الموقع في 1 أغسطس 2026) هو "ترتيب عبور" تقني ومدته سنة واحدة فقط. الهدف منه ليس تنظيم العلاقات الاقتصادية الشاملة، بل ضمان استمرار التدفق الفيزيائي للنفط وكسب الوقت للتفاوض على عقد جديد أكثر حداثة وملاءمة للظروف الحالية.

كيف أثر هذا الاتفاق على صادرات إقليم كردستان؟

سمح الاتفاق باستئناف صادرات الإقليم بعد توقف دام عامين. وقد بدأت التدفقات فعلياً في مارس 2026 بمعدل يتراوح بين 100,000 و200,000 برميل يومياً من حقول كركوك والإقليم، وذلك كجزء من السعة الكلية للاتفاق. هذا الاستئناف يمثل نقلة نوعية في العلاقة المالية بين بغداد وأربيل، إذ يوفر سيولة مباشرة للإقليم بدلاً من الاعتماد على الموازنة المركزية فقط.

ما هي التحديات المتبقية أمام تحقيق الاستقرار النفطي؟

أبرز التحديات تتمثل في ضرورة التوصل إلى اتفاق طويل الأمد خلال الأشهر الاثني عشر المقبلة، وإلا سيتكرر سيناريو الأزمة القانونية. كما تبقى المخاطر الأمنية في شمال العراق، مثل هجمات الطائرات المسيرة التي عطلت الإنتاج سابقاً، عقبة فنية وسياسية. بالإضافة إلى ذلك، يجب حل القضايا الفنية المتعلقة بتوزيع العوائد والضمانات الأمنية للشركات الدولية العاملة في المنطقة.