ابتكار أمريكي يخفض تكلفة وقود الطيران المستدام بنسبة 35%
في خطوة قد تقلب موازين صناعة الطيران الأخضر، نجح باحثون في الولايات المتحدة في أبريل 2026 من تطوير محفز كيميائي ثوري يحول الإيثانول إلى وقود طيران مستدام في خطوة واحدة فقط. هذا الابتكار ليس مجرد تحسين تقني، بل هو ضربة موجعة للتكاليف الباهظة التي كانت تعيق انتشار هذا الوقود، حيث تشير التقديرات إلى خفض نفقات التشغيل بنسبة 35%.
لكن، لماذا يهمنا هذا الأمر الآن؟ الحقيقة هي أن قطاع الطيران كان دائماً "الطفل المشاكس" في ملف المناخ لصعوبة كهربته، وهنا يأتي دور وقود الطيران المستدام (SAF) ليكون المنقذ. من خلال تبسيط العملية الكيميائية من عدة مراحل معقدة إلى مسار أحادي، أصبحنا أقرب من أي وقت مضى لجعل الوقود البديل منافساً حقيقياً للوقود النفطي التقليدي من حيث السعر والجدوى.
اتفاقيات استراتيجية لتسريع الإنتاج التجاري
لم يبقَ هذا الابتكار حبيس المختبرات؛ فقد سارعت شركة Gevo المتخصصة في الوقود الحيوي إلى الحصول على تراخيص لتقنيتين حاصلتين على براءة اختراع من مختبر أوك ريدج الوطني التابع لـ وزارة الطاقة الأمريكية. الهدف واضح: نقل هذه التقنية من النماذج الحسابية إلى المفاعلات التجريبية الضخمة.
تعتمد هذه العملية على تحويل الكحول الإيثيلي المستخرج من النباتات والنفايات الزراعية إلى "أوليفينات"، وهي اللبنات الأساسية لصناعة وقود الطائرات والبلاستيك. واللافت هنا هو وجود اتفاقية بحثية تمتد لثلاث سنوات تهدف لبناء نماذج دقيقة تتنبأ بالأداء الصناعي، مما يقلل من مخاطر الاستثمار في هذه المحطات الضخمة.
من الجزائر إلى الخليج.. سباق عالمي نحو "السماء الخضراء"
بينما تتقدم أمريكا تقنياً، لا تقف المنطقة العربية مكتوفة الأيدي. ففي الجزائر، كشف نور الدين ياسع، كاتب الدولة لدى وزير الطاقة المكلف بالطاقات المتجددة، عن مشاريع تجريبية لإنتاج الكيروسين الاصطناعي (e-kerosene) والميثانول الاصطناعي (e-methanol). يرى ياسع أن هذه الأنواع من الوقود هي المخرج الوحيد للقطاعات التي يصعب كهربتها، وهو توجه يتماشى مع خطط الجزائر لتحقيق الحياد الكربوني.
أما في منطقة الخليج، فالصورة تبدو أكثر تسارعاً. تخطط الخطوط الجوية القطرية لاستخدام الوقود المستدام في 10% من أسطولها بحلول عام 2030. وفي الإمارات، وصلت الأمور إلى توقيع مذكرة تفاهم مع شركة جنرال إلكتريك للطيران لإجراء رحلة تجريبية تعتمد كلياً على الوقود المستدام. وبالفعل، هناك مشروع إقليمي يهدف لإنتاج أكثر من 130 ألف طن سنوياً، مما يجعل المنطقة لاعباً أساسياً في تزويد السوق العالمي.
كفاءة الكربون: هل يمكننا حقاً الوصول إلى صفر انبعاثات؟
السؤال الذي يطرحه الكثيرون: هل هذا الوقود فعال حقاً؟ الإجابة تكمن في الأرقام. يمكن لوقود الطيران المستدام تقليل الانبعاثات بنسبة تتراوح بين 65% و80% على مدار دورة حياته. وفي حالات معينة، عند استخدام مصادر نقية، قد تصل هذه النسبة إلى 87%.
المثير للاهتمام هو أن هذا الوقود "يسقط' مباشرة في المحركات الحالية دون الحاجة لتغيير مسمار واحد في الطائرة (Drop-in fuel)، وهو ما يجعله الحل الأكثر واقعية. يتم إنتاجه من مواد قد نعتبرها مجرد قمامة: زيوت مستعملة، مخلفات طعام، ونفايات بلدية صلبة. وتطمح الصناعة للوصول إلى تخفيض بنسبة 100% من ثاني أكسيد الكربون مستقبلاً عبر دمج تقنيات احتجاز الكربون.
تحديات الحجم.. الفجوة بين 300 و450 مليون لتر
رغم كل هذا التفاؤل، هناك فجوة رقمية مخيفة. حالياً، يستخدم وقود الطيران المستدام في 0.1% فقط من الرحلات الجوية. ورغم أن الإنتاج العالمي قفز إلى 300 مليون لتر (زيادة 200% عن عام 2021)، إلا أننا نحتاج للوصول إلى 450 مليون لتر بحلول 2050 لتعويض 65% من الوقود الأحفوري.
هنا تظهر تقنية "تحويل الطاقة إلى وقود سائل" (PtL) كرهان مستقبلي، حيث يتم استخدام الهيدروجين الأخضر والكربون المستخلص. لكن هذا يتطلب كميات مهولة من الهيدروجين، تتراوح تقديراتها بين 94.3 و224.5 مليون طن متري بحلول 2050. وبدون استثمارات ضخمة في الطاقة المتجددة، سيبقى هذا الحلم بعيد المنال.
الأسئلة الشائعة حول وقود الطيران المستدام
كيف يقلل الابتكار الأمريكي الجديد من تكاليف الإنتاج؟
يعتمد الابتكار الذي ظهر في أبريل 2026 على محفز كيميائي يدمج عدة خطوات معقدة لتحويل الإيثانول إلى أوليفينات في خطوة واحدة فقط. هذا التبسيط يقلل من استهلاك الطاقةات في المصانع، ويخفض نفقات التشغيل بنسبة 35%، مما يجعل الوقود المستدام منافساً سعرياً للوقود التقليدي.
هل تحتاج الطائرات الحالية إلى تعديلات لاستخدام هذا الوقود؟
لا، وهذه هي الميزة الكبرى. يُصمم وقود الطيران المستدام ليكون "وقوداً بديلاً مباشراً"، مما يعني أنه يمكن خلطه مع الوقود الأحفوري واستخدامه في المحركات وخزانات الوقود الحالية دون إجراء أي تغييرات ميكانيكية أو تقنية في الطائرة.
ما هو دور الهيدروجين في مستقبل وقود الطائرات؟
يلعب الهيدروجين دوراً محورياً خاصة في تقنية (PtL) أو تحويل الطاقة إلى سائل. يُستخدم الهيدروجين المنتج من مصادر متجددة مع الكربون المستخلص لإنتاج وقود اصطناعي بالكامل، ومن المتوقع أن يتطلب هذا المسار ما يصل إلى 224.5 مليون طن متري من الهيدروجين بحلول عام 2050 لتحقيق أهداف المناخ.
ما هي المصادر المستخدمة في إنتاج هذا الوقود؟
يُنتج من مواد وسيطة مستدامة متنوعة تشمل مخلفات الزيوت والشحوم، الكتلة الحيوية، نفايات الطعام، النفايات البلدية الصلبة، وحتى مخلفات الورق والأقمشة التجارية، مما يحول النفايات إلى مورد طاقي ذو قيمة عالية.