ثلوج متأخرة تغمر جنوب أفريقيا بينما أوروبا تحترق
في مفارقة مناخية صارخة، غطت الثلوج المتأخرة أجزاء من جنوب أفريقيا ومملكة ليسوتو في 11 أغسطس 2026، فيما كانت نصف الكرة الشمالي يغلي تحت وطأة موجات حر قياسية وحرائق مدمرة. هذا الحدث، الذي وصفته شبكة الجزيرة الإنجليزية بأنه "تباين مذهل" مع الحرارة الشديدة في أوروبا، لم يكن مجرد فضول جوي عابر، بل إشارة واضحة إلى أن الأنماط المناخية العالمية أصبحت أكثر تطرفاً وتناقضاً مما اعتدنا عليه.
إليكِ القصة كما هي: بينما كان العالم يراقب درجات حرارة تسجل أرقاماً قياسية في تونس وأوروبا، كانت المرتفعات الجبلية في جنوب القارة الأفريقية تستقبل زخات ثلجية غير معتادة في وقت متأخر من الشتاء الجنوبي. لكن المفاجأة الحقيقية تكمن في أن هذه ليست حالة شاذة منعزلة، بل جزء من لوحة أكبر يعيد فيها الاحترار العالمي رسم خرائط الطقس بطرق لم نتوقعها.
ثلوج سبتمبر تعيد رسم خريطة الطقس في الجنوب
لم تتوقف الأمور عند حد الصدمة الأولى. فبعد أسابيع قليلة، وتحديداً في 20 سبتمبر 2026، أصدر موقع SnowReport.co.za المتخصص تنبيهات تحذيرية من تساقط ثلوج "معطلة" للحياة اليومية في ليسوتو وجنوب أفريقيا حتى عطلة نهاية الأسبوع. لماذا هذا مهم؟ لأن ليسوتو دولة جبلية محاطة بالكامل بجنوب أفريقيا، وأي تساقط ثلجي هناك لا يعني فقط جمال المنظر، بل يعني انقطاع طرق، وتأخير في النقل، وتحديات لوجستية حقيقية لسكان يعتمدون على البنية التحتية الجبلية.
التكرار هنا هو مفتاح الفهم. حدوث تساقط ثلجي متكرر في أغسطس وسبتمبر 2026، أي بعد انتهاء الشتاء المناخي نظرياً، يشير إلى اضطراب كبير في توقيت ودورة المواسم. في الماضي، كانت مثل هذه الأحداث نادرة جداً. لنعد بالذاكرة قليلاً إلى ديسمبر 2007، عندما ضربت عاصفة ثلجية جوهانسبرغ، مما أدى إلى إغلاق الممرات الجبلية وتأخير الرحلات الجوية لساعات. كانت تلك أول تساقطات ثلجية كبيرة منذ عام 1981. الآن، ومع تكرار الأحداث في فترة زمنية قصيرة، يصبح السؤال الملح: هل أصبح "الشذوذ" هو القاعدة الجديدة؟
أوروبا بين الجليد والحر: تناقضات حادة
في الجهة الأخرى من العالم، تبدو الصورة أكثر قتامة وتعقيداً. وفقاً لتقرير "حالة المناخ في أوروبا 2025"، شهدت القارة العجوز انخفاضاً حاداً في مساحة الغطاء الثلجي خلال مارس 2025 بنسبة 31% عن المتوسط، وهو ما يعادل فقدان مساحة تعادل مجموع مساحات فرنسا وإيطاليا وألمانيا وسويسرا والنمسا معاً. هذا ليس مجرد رقم إحصائي؛ إنه مؤشر على ذوبان سريع للجليد والثلوج التي تعتمد عليها أنظمة المياه والطاقة الكهرومائية.
والأكثر إثارة للقلق هو التذبذب الحاد. ففي حين تعاني بعض المناطق من نقص الثلوج، تضرب مناطق أخرى عواصف ثلجية كثيفة تتبعها موجات حر مفاجئة. يذكر تقرير الجمعية الأمريكية للأرصاد الجوية كيف جلبت "العاصفة سيرو" في ديسمبر أمطاراً ثلجية كثيفة لألمانيا والنمسا، تلتها موجات برد شديدة في مارس سجلت رقماً قياسياً في ترومسو بالنرويج. ثم فجأة، وفي مايو 2026، توقعت التقارير انتقالاً حاداً من "البرد القطبي" إلى "الحر الشديد" بسبب كتل هوائية ساخنة تجرها أنظمة الضغط العالي من شمال أفريقيا نحو أوروبا.
ظاهرة النينو تلعب دوراً في اللعبة
لا يمكن فصل هذه الأحداث عن الظاهرة الكبرى التي تسيطر على الطقس العالمي حالياً: ظاهرة النينو القوية. وفقاً لتحليلات المكتب الوطني البريطاني للأرصاد الجوية والمركز الأوروبي للتنبؤات الجوية متوسطة المدى، فإن ظاهرة النينو الحالية وصلت إلى مستوى "سوبر"، وهي تميل إلى جلب أمطار غزيرة لشرق أفريقيا، وجفاف لجنوب أفريقيا، ودرجات حرارة أعلى في معظم أنحاء العالم.
هذا يعني أن جنوب أفريقيا قد تواجه جفافاً في المستقبل القريب رغم الثلوج الحالية، بينما تشهد شرق أفريقيا فيضانات. أما في أوروبا، فتشير التوقعات إلى شتاء أكثر رطوبة وعواصف في الشمال الغربي، مع احتمال برودة متأخرة في الشتاء. إن تداخل ظاهرة النينو مع الاتجاهات طويلة الأمد للتغير المناخي يخلق سيناريوهات طقس يصعب توقعها بدقة، ويجعل التخطيط للمياه والزراعة تحدياً يومياً.
ماذا يقول العلم عن المستقبل؟
تؤكد تقارير الهيئة الدولية للتغيرات المناخية (IPCC) أن ما نشهده ليس صدفة. فالغطاء الثلجي في جبال شرق أفريقيا والهضبة الإثيوبية يتراجع بشكل موثوق بسبب تغير المناخ. وفي أوروبا، من المتوقع أن ترتفع الارتفاعات اللازمة لإنتاج الثلوج صناعياً بمقدار 200-300 متر في جبال الألب بحلول منتصف القرن. هذا يعني أن منتجعات التزلج الشهيرة ستحتاج للصعود أعلى وأكثر برودة للحفاظ على أعمالها.
الأخطر من ذلك هو التوقعات الخاصة بموجات الحر. تشير الهيئة إلى أنه بحلول عام 2050، سيزداد عدد الأيام التي تتجاوز فيها درجات الحرارة القصوى 35 درجة مئوية في أفريقيا بمقدار 50 إلى 100 يوم. وفي غرب ووسط أفريقيا، قد تتجاوز أيام الإجهاد الحراري الخطير (فوق 41 درجة) حاجز 200 يوم إضافية في السيناريوهات عالية الانبعاثات. هذا ليس مجرد ارتفاع في درجة الحرارة، بل تهديد مباشر للصحة العامة والإنتاج الزراعي.
أسئلة شائعة حول الطقس المتطرف
لماذا تتساقط الثلوج في جنوب أفريقيا بينما تعاني أوروبا من الحر؟
يعود السبب إلى اختلاف مواقع نصفي الكرة الأرضية وفصولهما المعاكسة. ففي أغسطس، يكون الشتاء في الجنوب والصيف في الشمال. لكن التغير المناخي يزيد من حدة هذه التناقضات عبر تغيير أنماط دوران الغلاف الجوي، مما يسمح بانتقال كتل هوائية باردة قطبية نحو الجنوب وكتل هوائية استوائية حارة نحو الشمال بشكل أكثر تكراراً وشدة.
هل ظاهرة النينو هي المسؤولة الوحيدة عن هذه التغيرات؟
لا، ظاهرة النينو عامل مؤقت وقوي يؤثر على توزيع الأمطار والحرارة عالمياً، لكنها تعمل فوق طبقة أساسية من الاحترار العالمي طويل الأمد. النينو قد تزيد من احتمالية الجفاف في جنوب أفريقيا والأمطار في شرقها، لكن الاتجاه العام لانخفاض الغطاء الثلجي وزيادة موجات الحر يعود بشكل رئيسي إلى زيادة غازات الدفيئة في الغلاف الجوي.
ما هي التداعيات الاقتصادية لهذه الظواهر على السياحة؟
تواجه صناعة السياحة الشتوية في أوروبا وأفريقيا تحديات وجودية. في جبال الألب والبرانس، ستصبح الثلوج أقل موثوقية عند الارتفاعات المنخفضة، مما يتطلب استثمارات ضخمة في تقنيات التزلج الاصطناعي أو نقل الأنشطة السياحية لارتفاعات أعلى. وفي أفريقيا، قد تؤثر موجات الحر الشديدة على جذب السياح في الأشهر التقليدية، مما يضطر الدول لإعادة جدولة مواسمها السياحية.
كيف يؤثر هذا على موارد المياه في المنطقة؟
تعتمد العديد من الأنهار في جنوب أفريقيا وأوروبا على الذوبان الموسمي للثلوج كخزان طبيعي للمياه. انخفاض الغطاء الثلجي يعني تقليل مخزون المياه المخزنة في الشتاء، مما يؤدي إلى نقص المياه في الربيع والصيف. هذا يهدد الزراعة، توليد الطاقة الكهرومائية، والإمدادات المنزلية، خاصة في السنوات التي تتزامن فيها موجات الجفاف مع درجات حرارة مرتفعة.