طه حسين: كيف غيّر استشهاد عثمان بن عفان مسار التاريخ الإسلامي؟

طه حسين: كيف غيّر استشهاد عثمان بن عفان مسار التاريخ الإسلامي؟

في يوم المدينة المنورة، وتحديدًا في 17 يونيو من عام 656 ميلادية (35 هجرية)، سقط ثالث الخلفاء الراشدين عثمان بن عفان محاصرًا في بيته. لم تكن هذه مجرد اغتيال سياسي عابر، بل كانت الشرارة التي أشعلت ما يُعرف بـ"الفتنة الكبرىالمدينة المنورة", وهي اللحظة الفاصلة التي أعادت تشكيل الدولة الإسلامية للأبد.

لكن كيف نظر عميد الأدب العربي إلى هذا الحدث الجلل؟ الإجابة تكمن في كتابيه الشهيرين "الفتنة الكبرى: عثمان" الصادر عام 1947، و"الفتنة الكبرى: علي وبنوه" الصادر عام 1953 عن دار المعارف. هنا لا نتحدث عن سرد ديني تقليدي، بل عن قراءة مؤرخة بارعة قدمها طه حسين، الذي حاول تجريد نفسه من العواطف ليكشف عن آليات الانهيار السياسي والاجتماعي.

الثورة الجامحة: كيف انقلبت الموازين؟

يؤكد طه حسين أن السنوات الست الأولى من حكم عثمان شهدت استقرارًا نسبيًا، لكن الأمور بدأت تتعقد في العام العاشر. الاتهامات تلاحقت: تولى الأقارب المناصب، وتدفق المال العام عليهم. النتيجة؟ ثورة بدأت في الكوفة ثم امتدت إلى مصر وغيرها. الغريب أن عثمان استجاب لطلب تغيير والي الكوفة، لكن ذلك لم يهدئ الأوضاع.

يقول المفكر الكبير واصفًا المشهد: "أما مقتل عثمان فكان نتيجة ثورة جامحة وفتنة شُبِّهت فيها على الناس أمورهم... كان نتيجةَ خوفٍ ملأ المدينة كلها أيامًا طوالًا ثم انتشر منها فى أقطار الأرض فاضطربت له النفوس أشد الاضطراب". المأساة الحقيقية؟ الجنود المرسلون لإنقاذه قُتل هو قبل وصولهم، فعادوا وتركوا المدينة تغرق في الذعر.

مشكلتان جسيمتان بعد رحيل الخليفة

بعد سقوط عثمان، واجه المسلمون أزمة مزدوجة خطيرة:

  • أزمة الشرعية: من يخلف الخليفة؟ وكيف تُدار الدولة بدون إمام يدبر شؤونها ويقيم حدود الله؟
  • أزمة النظام: من يحاكم القاتلين؟ وكيف يُنفذ حكم الله فيمن سكبوا دماء الخليفة؟

يصف طه حسين تلك اللحظة بأن المسلمين "أمسوا وليس لهم إمام... يقيم فيهم حدود الله، ويرعى بعد هذا كله أمور هذه الدولة الضخمة". كانت الدولة التي بناها أبو بكر وعمر وتوسعها عثمان مهددة بالانهيار الداخلي.

من هم القتلة حقًا؟

نقطة جوهرية يركز عليها طه حسين: الذين قتلوا عثمان لم يكونوا من كبار الصحابة أو المهاجرين والأنصار الذين بايعوا الخلفاء الأوائل. بل كانوا، كما يصفهم، "شراذمَ من الجيوش المرابطة فى ثغور". هذه التفصيلة تغير النظرة تمامًا؛ فالفتنة لم تبدأ من قلب السلطة، بل من أطرافها العسكرية المتذمرة.

كما يرى طه حسين أن الأزمة أعمق من شخص عثمان نفسه. يقول: "لو ولي غير عثمان الخلافة في تلك الظروف لتعرض لمثل ما تعرض له". المشكلة كانت بنيوية، تتعلق بتضخم الدولة وتعقيد إدارة الثروة والسلطة.

الحياد التاريخي أم التحيز المقنع؟

في مقدمة كتابه، أعلن طه حسين منهجه بوضوح: "لست عثماني الهوى، ولست شيعة لعلي... أريد أن أنظر إلى هذه القضية نظرة خالصة مجردة، لا تصدر عن عاطفة ولا هوى". أراد أن يكون مؤرخًا محايدًا، لا متعصبًا لطرف.

لكن هل نجح؟ هذا محل جدل. بعض النقاد يتهمونه بالمبالغة في نقد الصحابة والتشكيك في الروايات التقليدية. كاتب آخر يرى أنه "سقط في فخ التحيز" وترجيح روايات دون أخرى دون مستندات كافية. ومع ذلك، يبقى عمله مرجعًا أساسيًا لفهم البنية السياسية للفتنة، حتى مع اختلاف الآراء حول درجة حياده.

الأثر طويل المدى: من الجمل إلى النهروان

لم تنتهِ الفتنة بموت عثمان. بل أدت إلى سلسلة من المعارك التي غيّرت وجه التاريخ الإسلامي:

  1. موقعة الجمل: انقسام بين الصحابة أنفسهم.
  2. معركة صفين: صدام عسكري وسياسي كبرى.
  3. التحكيم والنهروان: ظهور الخوارج وانكسار مشروع علي.

النتيجة النهائية؟ توقف الفتوحات لأول مرة، وبداية النزاع المذهبي، وقيام الدولة الأموية بنظام وراثي ملكي. كل ذلك بدأ بحصار بيت في المدينة المنورة.

أسئلة شائعة حول فتنة عثمان بن عفان

ما هي أهم أفكار طه حسين في كتاب "الفتنة الكبرى"؟

يرى طه حسين أن مقتل عثمان كان نتيجة "ثورة جامحة" بسبب سوء الإدارة المالية وتولية الأقارب. يؤكد أن الأزمة كانت بنيوية وليست شخصية، وأن المسلمين واجهوا بعدها مشكلتين: غياب الإمام وضعف النظام القانوني. كما يصنف القتلة كـ"شراذم من الجيوش" وليسوا من كبار الصحابة.

هل كان طه حسين محايدًا في تحليله التاريخي؟

أعلن طه حسين رغبته في الحياد الكامل، لكنه واجه انتقادات من بعض العلماء الذين رأوا تحاملًا على عثمان وتشكيكًا في الروايات التقليدية. رغم ذلك، يعتبر عمله نقلة نوعية في الدرس التاريخي لأنه اعتمد على التحليل السياسي والاجتماعي أكثر من السرد الديني التقليدي.

كيف أثّر مقتل عثمان على مستقبل الدولة الإسلامية؟

أدى إلى توقف الفتوحات، وظهور الانقسامات المذهبية (الخوارج والسبئية)، وسلسلة حروب أهلية (الجمل، صفين، النهروان). في النهاية، مهد الطريق لقيام الدولة الأموية بالنظام الوراثي، مما أنهى نموذج الخلافة الانتخابي المبني على البيعة والرضا الشعبي.

من هم الأشخاص الذين شاركوا فعليًا في قتل عثمان؟

وفقًا لتحليل طه حسين، لم يكن القاتلون من كبار الصحابة أو المهاجرين والأنصار الذين بايعوا الخلفاء السابقين. بل كانوا مجموعات من الجنود المرابطين في الثغور (حدود الدولة) الذين وصلوا إلى المدينة بغضب تراكم بسبب سياسات الوالي المركزية.