منزل في الزرقاء يحفظ ذاكرة الشركس: مشروع عمره 40 عاماً
في قلب مدينة الزرقاء، لا يبدو منزل عدنان بزادوغ مجرد مسكن لعائلة أردنية من أصول شركسية، بل هو قبو زمني يختزن آلاف الحكايا. الرجل البالغ من العمر 70 عاماً حوّل غرف بيته إلى أرشيف حي يوثق تاريخ شعبٍ بأكمله، في مشروع شخصي بدأ قبل أكثر من أربعة عقود ولم يتوقف حتى اليوم.
الحكاية بدأت بصور قديمة جمعها عدنان وهو شاب، لرجال أثرى أجداده الحياة السياسية والعسكرية والثقافية في الأردن. لكن الشغف بالتفاصيل سرعان ما تحول إلى مسؤولية. "هذا ليس هواية شخصية، بل واجب لحفظ الذاكرة الإنسانية والوطنية"، هكذا يرى بزادوغ عمله الذي أصبح مقصداً للباحثين والطلاب والوفود الرسمية.
أرشيف يعيد كتابة التاريخ المحلي
ما بدا في البداية كمجموعة صور فوتوغرافية لشخصيات شركسية بارزة، تطور ليصبح موسوعة مصغرة. يضم المتحف المنزلي، الذي أطلق عليه صاحبه اسم "التراث الشركسي"، آلاف الوثائق والمخطوطات التي تغطي فترات تاريخية حساسة. هنا تجد برقيات تعود لعام 1878، وهي السنة التي شهدت وصول موجات التهجير الكبرى من القوقاز. كما يحتوي الأرشيف على وثائق بريطانية رسمية تتعلق بترحيل الشركس، ومقتطفات صحفية نادرة عن إعلان المملكة العربية الحجازية.
وليس التاريخ السياسي وحده ما يحرسه بزادوغ. هناك قسم مخصص للحياة اليومية: ملابس تقليدية، أدوات طبخ، أسلحة بيضاء كالسيوف والخناجر، وحتى سجلات عائلية ووثائق ملكية أرضية تكشف عن شبكات القرابة والتحالفات الاجتماعية التي نسجها المجتمع الشركسي مع نظيره الأردني الأصلي. المفاجأة الحقيقية تكمن في مجموعة الصور الجوية القديمة لأحياء الزرقاء، والتي يُعتقد أنها التقطت بطائرات استطلاع أسترالية قبل نحو قرن، لتوثيق النشأة الأولى للمدينة.
دعم رسمي وشهادات دولية
لم يكن عمل بزادوغ معزولاً عن الاهتمام الرسمي والشعبي. ففي ديسمبر 2019، افتتحت الأميرة سناء العاصم معرضاً خاصاً بعنوان "شركس الزرقاء: التاريخ والحكاية" في جمعية الشركس الخيرية بالزرقاء. هذا الحدث لم يكن الأول من نوعه؛ فقد أوضح بزادوغ حينها أن هذا المعرض يمثل النسخة العشرين من سلسلة معارض ينظمها، مشيراً إلى أن أول نسخة منها كانت تجربة فريدة وغير مسبوقة أقيمت تحت الماء في العقبة بمساعدة غواصين لعرض القطع الأثرية.
استقبل المنزل أكثر من 1,200 زائر وفقاً لتقارير صحيفة "ذا جوردان تايمز"، مما يعكس شهرة المكان كمرجع ثقافي. يقول خالد مسلماني، أحد زوار المعرض آنذاك: "إنه جهد عظيم يشبه متحفاً يحكي قصة الشركس ليس في الأردن فحسب، بل في العالم العربي بأسره". هذه الشهادات تؤكد أن المشروع تجاوز حدود الهواية الشخصية ليصبح مؤسسة ثقافية قائمة بذاتها.
الجسر بين الأجيال والهوية
السؤال الأهم الذي يطرحه أي باحث أو سائح يزور هذا البيت هو: لماذا كل هذا الجهد؟ يجيب بزادوغ بأن الحفاظ على التراث هو الوسيلة الوحيدة لربط الأجيال الجديدة بجذورهم. في عصر تتلاشى فيه التفاصيل الدقيقة للهويات الفرعية لصالح العولمة، يأتي هذا الأرشيف ليذكر الشباب الشركسي بدور أجدادهم في تأسيس الدولة الأردنية الحديثة ومؤسساتها، خاصة في عهد الملك عبدالله الأول.
ولا يقتصر دور المتحف على العرض الصامت. ينظم بزادوغ أنشطة تعليمية وثقافية تشمل محاضرات، وعروض أفلام وثائقية، وحفلات موسيقية تعيد إحياء الفنون الشركسية. كما يحتفظ بأشرطة تسجيل لغوية تساعد على تعلم اللغة الأم، بالإضافة إلى محاضرات دينية واجتماعية. الهدف واضح: تحويل المعرفة التاريخية إلى هوية معاشة، وليس مجرد معلومات جامدة في أدراج خشبية.
أسئلة شائعة حول متحف التراث الشركسي
من هو عدنان بزادوغ وما هي خلفيته؟
عدنان بزادوغ (أو بزادوغ) هو باحث وكاتب أردني من أصول شركسية يبلغ من العمر 70 عاماً. بدأ نشاطه في جمع المقتنيات منذ أكثر من 40 عاماً، وتحول منزله في الزرقاء إلى متحف وأرشيف مفتوح للجمهور والباحثين، مستقبلاً آلاف الزوار من داخل الأردن وخارجه.
ما هي أبرز المقتنيات الفريدة في المجموعة؟
تشمل المجموعة برقيات تاريخية تعود لعام 1878، ووثائق بريطانية حول تهجير الشركس، وصوراً جوية نادرة للزرقاء التقطتها طائرات أسترالية قبل قرن. كما تضم كتباً ومخطوطات باللغات العربية والإنجليزية والروسية والتركية والشركسية، إضافة إلى سجلات عائلية وأسلحة تقليدية.
هل سبق أن أقيم معرض للشركس تحت الماء؟
نعم، وفقاً لتصريحات بزادوغ لصحيفة "ذا جوردان تايمز" عام 2019، فإن أول معرض أقامه كان تجربة غير مسبوقة في الأردن والشرق الأوسط، حيث عُرضت القطع الأثرية تحت الماء في العقبة بمساعدة فريق من الغواصين، مما جذب اهتماماً إعلامياً واسعاً.
كيف يساهم هذا المشروع في الهوية الوطنية الأردنية؟
يرى بزادوغ أن حفظ التراث الشركسي يوضح الدور المحوري الذي لعبه المهاجرون الشركس في بناء الدولة الأردنية ومؤسساتها العسكرية والأمنية منذ عهد الملك عبدالله الأول. المتحف يساعد الزوار على فهم كيفية اندماج هذه الأقلية في النسيج الاجتماعي والسياسي للمملكة.
هل يمكن للباحثين زيارة المتحف واستخدام مواده؟
نعم، يستقبل المنزل الباحثين والطلاب الجامعيين والوفود الدبلوماسية بانتظام. يوفر الأرشيف مواداً أولية نادرة باللغة الروسية والعثمانية والإنجليزية، مما يجعله مرجعاً أساسياً لدراسة تاريخ القوقاز والهجرات الكبرى وعلاقات الإمبراطورية العثمانية بالدول الأوروبية.