غارات أمريكية سعودية على الحشد الشعبي: تصعيد إقليمي يربك التقارب مع بغداد

غارات أمريكية سعودية على الحشد الشعبي: تصعيد إقليمي يربك التقارب مع بغداد

في الساعات الأولى من فجر الأربعاء 29 تموز/يوليو 2026، استيقظ العراقيون على أصوات انفجارات هزت سماء سبع محافظات دفعة واحدة. لم تكن هذه مجرد اشتباكات عابرة، بل كانت غارات جوية مشتركة نفذتها قوات كل من الولايات المتحدة الأمريكية والمملكة العربية السعودية، مستهدفةً مقرات رسمية تابعة لـهيئة الحشد الشعبي. الحدث الذي بدأ حوالي الساعة الثانية بعد منتصف الليل، أدخل البلاد في ما وصفه المراقبون بـ"أخطر تصعيد إقليمي" منذ عقود، مهددًا ليس فقط الأمن الداخلي، بل أيضًا مسار التقارب السياسي الدقيق بين بغداد والرياض.

لحظات الرعب: ماذا حدث فجر 29 تموز؟

بحسب ما نقلته هبة التميمي، مراسلة قناة "القاهرة الإخبارية" من العاصمة العراقية، فإن الضربات جاءت كصاعقة. "بدأت الهجمات فجر اليوم، وتحديدًا منذ الساعة الثانية بعد منتصف الليل"، قالت التميمي، مشيرة إلى أن الاستهداف شمل "عددًا من المقرات الرسمية لهيئة الحشد الشعبي في مناطق ومحافظات متفرقة". النطاق الجغرافي للضربات كان واسعًا ومفاجئًا؛ إذ امتدت من شمال العراق إلى جنوبه، لتطال مقار القيادة في نينوى (ومنها سهل نينوى)، وكركوك، وصلاح الدين، وصولاً إلى البصرة وواسط وكربلاء وديالى.

الأرقام الأولية التي أعلنتها هيئة الحشد الشعبي رسميًا كانت صادمة: مقتل ما لا يقل عن 20 من منتسبيها وإصابة 32 آخرين بجروح متفاوتة. لكن التفاصيل الميدانية كشفت عن أضرار مادية فادحة لحقت بالمقار والآليات العسكرية. فيما قدّرت مصادر أخرى، مثل شبكة "روداو"، عدد القتلى بـ17 شخصًا، وهو تباين يعكس صعوبة التحقق الفوري من الحصيلة النهائية وسط استمرار أعمال البحث والتدقيق الميداني.

خلفية التصعيد: من الحرب مع إيران إلى استهداف الحلفاء

ليست هذه الغارات حدثًا منعزلًا، بل هي الحلقة الأحدث في سلسلة طويلة من التوترات. الخلفية الزمنية تعود إلى أواخر شباط/فبراير 2026، عندما اندلعت حرب مفتوحة بين الولايات المتحدة والجمهورية الإسلامية الإيرانية. ومنذ ذلك الحين، تحول العراق إلى ساحة خفية لهذا الصراع، حيث استُهدفت مقار الحشد الشعبي مرارًا وتكرارًا بطائرات مسيّرة وصواريخ.

في 4 آذار/مارس 2026، تعرض مقران للحشد في الموصل للقصف دون إصابات بشرية كبيرة. وفي 24 آذار/مارس، نفذت ضربة بطائرة مسيرة استهدفت المقر الرئيسي للحشد في نينوى، والذي كان يسكنه أيضًا فالح الفياض، رئيس هيئة الحشد الشعبي آنذاك، مما أسفر عن مقتل 15 مقاتلاً. لكن ضربة 29 تموز/يوليو تختلف في طبيعتها؛ فهي أول هجوم واسع النطاق مشترك أمريكي-سعودي منذ دخول الطرفين في فترة مفاوضات، مما يشير إلى انتقال رقة الحرب من "قتال مركزي مع طهران" إلى استهداف فصائل حليفة لها داخل المنطقة.

ردود الفعل السياسية: إدانات ولجان تحقيق

ردود الفعل السياسية: إدانات ولجان تحقيق

لم تتأخر ردود الفعل السياسية في العراق. أدانت الرئاسة العراقية الضربات رسميًّا، واصفةً إياها بأنها انتهاك لسيادة الدولة، وأعلنت عن تشكيل لجنة برلمانية خاصة للتحقيق في ملابسات استهداف المقار الرسمية. هذه الخطوة تعكس محاولة بغداد لإدارة الأزمة داخليًا قبل الانزلاق نحو مواجهة دبلوماسية مع واشنطن والرياض.

على الجانب الآخر، أصدرت فصائل عراقية متحالفة مع إيران بيانات استنكار حادة، معتبرةً أن الضربات تأتي ضمن إطار "استهداف الفصائل القريبة من إيران" في سياق الحرب الأوسع. أما على الصعيد الإقليمي، فقد أثارت الأحداث تساؤلات حول مستقبل العلاقة الثنائية بين العراق والسعودية. صحيفة "النهار" اللبنانية لاحظت كيف أن "نار الحشد" تربك مسار التقارب بين بغداد والرياض، مشيرة إلى أن هذا التطور الأمني ليس مجرد حادث عسكري، بل يحمل تبعات سياسية عميقة على العلاقات الثنائية.

التبعات المستقبلية: هل ينهار التقارب العراقي السعودي؟

التبعات المستقبلية: هل ينهار التقارب العراقي السعودي؟

يضع هذا التصعيد العراق في موقف محرج للغاية. فمن جهة، هو جزء من المنظومة الأمنية الرسمية للدولة، لكنه يضم فصائل تعمل غالبًا خارج سيطرة الدولة المركزية. ومن جهة أخرى، يواجه ضغطًا من حليفين رئيسيين (الولايات المتحدة والسعودية) لاستهداف هذه الفصائل، بينما تحاول الحكومة الحفاظ على توازن دقيق مع إيران.

الخبراء يتوقعون أن تستمر تداعيات هذه الضربات خلال الأشهر القادمة. عمل لجنة التحقيق البرلمانية سيكون مؤشرًا على مدى جدية بغداد في محاسبة المسؤولين عن انتهاك سيادتها، أو في تهدئة الأوضاع. كما أن احتمال ارتفاع حصيلة الضحايا قد يزيد من الاحتقان الشعبي والفصائلي. يبقى السؤال المحوري: هل ستتمكن بغداد من احتواء هذا التصعيد الإقليمي، أم أن نار الحشد ستشعل صراعًا أوسع يهدد استقرار المنطقة بأكملها؟

أسئلة شائعة

ما هي المحافظات العراقية التي استهدفتها الغارات الجوية المشتركة؟

شملت الضربات الجوية التي وقعت في 29 تموز/يوليو 2026 سبع محافظات رئيسية هي: بغداد، نينوى، كركوك، صلاح الدين، البصرة، واسط، وكربلاء، بالإضافة إلى مواقع في ديالى وجنوب العراق. هذا الانتشار الواسع يدل على طبيعة الهجوم المنسق والمستهدف.

من هم الطرفان المنفذان لهذه الغارات الجوية؟

نفذت الغارات قوات كل من الولايات المتحدة الأمريكية والمملكة العربية السعودية بشكل مشترك. وقد وصفت الوكالة الأمريكية للأنباء (AP) هذه الضربات بأنها "انتقامية" واستهدفت قواعد تابعة لفصائل قريبة من إيران لكنها جزء رسمي من قوات الأمن العراقية.

كيف أثر هذا التصعيد على العلاقات بين العراق والسعودية؟

وُصف هذا التطور بأنه يهدد بإرباك مسار التقارب السياسي والاقتصادي بين بغداد والرياض. إذ يضع العراق في موقف صعب بين حليفين رئيسيين (أمريكا والسعودية) وإيران، مما قد يعيد ضبط العلاقات الثنائية ويجعلها أكثر تعقيدًا وحذرًا في المرحلة المقبلة.

ما هي الخطوات الرسمية التي اتخذتها الحكومة العراقية بعد الضربات؟

أدانت الرئاسة العراقية الضربات رسميًّا، وشكل مجلس النواب لجنة تحقيق خاصة للنظر في ملابسات استهداف المقار الرسمية لهيئة الحشد الشعبي. هذه الخطوات تهدف إلى تأكيد مبدأ السيادة الوطنية والتحقيق في أي انتهاكات محتملة للقانون الدولي.

ما الفرق بين هذه الغارات والضربات السابقة ضد الحشد الشعبي؟

تختلف هذه الغارات في كونها مشتركة بين قوتين إقليميتين وعالميتين (أمريكا والسعودية) وبشكل واسع النطاق في وقت واحد. بينما كانت الضربات السابقة (مثل تلك التي وقعت في آذار/مارس 2026) غالبًا منفردة أو أقل اتساعًا جغرافيًا، مما يجعلها تصعيدًا نوعيًا في مستوى المواجهة الإقليمية.

5 التعليقات
  • Shatha Goorm
    Shatha Goorm

    يا جماعة شوفوا الوضع هذا بجد يخلي الواحد يحس إن المنطقة كلها ماشية على حافة سكين


    السعودية وأمريكا مع بعض؟ ده شيء جديد تماماً على المشهد الإقليمي


    أنا كنت أتوقع ان الرياض بتحاول تهدئ الأمور مش تصعدها كذا

  • khalid alazmi
    khalid alazmi

    الحقيقة إن هذا التصعيد العسكري المشترك بين واشنطن والرياض يمثل تحولاً جذرياً في المعادلة الاستراتيجية للمنطقة، حيث انتقلت الرياض من دور الوسيط الدبلوماسي الحذر إلى الشريك الأمني الفاعل في العمليات الحاسمة ضد الفصائل المحورية المرتبطة بطهران.


    هذا التحول ليس مجرد تكتيك عسكري عابر بل يعكس إعادة هيكلة عميقة للعلاقات الثنائية العراقية السعودية التي كانت تشهد دفقاً إيجابياً خلال الأشهر الماضية، مما يضع بغداد أمام اختبار صعب لموازنة سيادتها الداخلية مع الضغوط الخارجية المتزايدة.


    من منظور تحليلي أعمق، فإن استهداف مقار الحشد الشعبي بشكل واسع النطاق في سبع محافظات دفعة واحدة يشير إلى نية استراتيجية واضحة لكسر هيبة هذه الكتلة العسكرية التي أصبحت تمثل عقبة حقيقية أمام أي تقدم في ملفات التقارب الإقليمي الأوسع.


    النتيجة المحتملة لهذا التطور قد تكون تأجيجاً لردود فعل شعبية وفصائلية داخل العراق قد تعيد رسم خريطة التحالفات المحلية والإقليمية، مما يجعل المرحلة القادمة أكثر تعقيداً وحساسية من السابق بكثير.

  • latifah rokhmah
    latifah rokhmah

    بعد قراءة التقرير بتمعن ودقة متناهية في التفاصيل نجد أن هناك تناقضاً واضحاً بين ما تم الإعلان عنه رسمياً بشأن عدد الضحايا وما ورد من مصادر ميدانية أخرى مما يثير تساؤلات مشروعة حول شفافية المعلومات المتداولة في مثل هذه اللحظات الحرجة التي تتطلب دقة عالية في نقل الوقائع والأحداث الميدانية دون مبالغة أو تهوين.


    كما أن الإشارة إلى مشاركة القوات السعودية بشكل مباشر في الغارات الجوية المشتركة مع الولايات المتحدة الأمريكية تفتح الباب أمام نقاش قانوني وسياسي واسع حول مدى توافق هذه العمليات مع مبدأ السيادة الوطنية للدولة العراقية المستهدفة وموقف المجتمع الدولي من التدخلات العسكرية المباشرة في شؤون الدول المجاورة دون تفويض أممي واضح وصريح.


    إن تشكيل لجنة برلمانية للتحقيق خطوة ضرورية لكنها لن تكون كافية إذا لم ترافقها آليات رقابية مستقلة تضمن عدم تحيز النتائج لصالح طرف محدد على حساب الآخر خاصة في ظل الانقسامات السياسية العميقة التي تشهدها الساحة العراقية حالياً والتي تجعل من الصعب التوصل إلى موقف وطني موحد ومتوازن إزاء هذه الأزمة الأمنية الراهنة.

  • Essam Hecker
    Essam Hecker

    أتمنى من القلب أن تستقر الأمور بسرعة لأن الشعب العراقي تعب كثيراً من الحروب والصراعات المتكررة


    ربما لو كان هناك حوار أعمق بين الأطراف لما وصلنا لهذه النقطة الصعبة


    الدبلوماسية دائماً أفضل من السلاح حتى لو كان السلاح يبدو قوياً في البداية

  • Rawan Halabi
    Rawan Halabi

    في جوهر الأمر، لا يمكننا فصل هذا الحدث عن الفلسفة الكبرى للصراع الإقليمي الذي يتحول تدريجياً من مواجهة ثنائية بين القوى العظمى إلى حرب بالوكالة متعددة الأطراف تتشابك فيها مصالح اقتصادية وجيوسياسية معقدة تتجاوز حدود الجغرافيا التقليدية لتصل إلى أعماق البنية الاجتماعية والسياسية للشعوب المعنية.


    إن ما يحدث في العراق اليوم هو انعكاس مباشر لفشل المنظومة الدولية الحالية في إدارة التنوع الديني والمذهبي والعرقي بشكل عادل ومنصف، مما خلق فراغاً أمنياً استغلته القوى الخارجية لتحقيق مكاسب استراتيجية قصيرة المدى على حساب الاستقرار طويل الأمد للمنطقة بأسرها.


    التحدي الحقيقي أمام بغداد ليس فقط كيفية التعامل مع الغارات الأخيرة، بل كيف تبني مؤسسات دولة قوية وقادرة على فرض سيادتها الفعلية على كامل أراضيها دون الاعتماد المفرط على الحماية الخارجية أو التبعية الكاملة لأي محور إقليمي محدد.


    إن التاريخ يعلمنا أن الشعوب التي تمتلك وعياً سياسياً راسخاً وإرادة جماعية قوية قادرة على تجاوز أصعب الأزمات وتحويل التحديات إلى فرص لإعادة بناء دولها على أسس أكثر عدلاً واستدامة وديمقراطية، وهذا هو الطريق الوحيد للخروج من دائرة العنف والدمار المستمر منذ عقود طويلة.

أضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول المطلوبة محددة*