ديوان المحاسبة يفتح باب تعويض المثابرة أمام كل المؤسسات العامة

ديوان المحاسبة يفتح باب تعويض المثابرة أمام كل المؤسسات العامة

لم يعد "تعويض المثابرة" حكراً على الموظفين في الإدارات المركزية، فبعد شهور من الجدل والقرارات المتعاقبة، حسم ديوان المحاسبة في لبنان الأمر بإصداره رأياً استشارياً رقم 75/2024 في 16 كانون الأول 2024. القرار الذي يحمل عنواناً واضحاً: "أحقية المؤسسات العامة بالاستفادة من تعويض المثابرة"، يعني عملياً أن الباب قد انفتح على مصراعيه أمام العاملين في كافة المؤسسات العامة اللبنانية، ليس فقط الوزارات، بل أيضاً الهيئات والمجالس التي تتمتع بالشخصية المعنوية العامة.

هنا تكمن أهمية الخبر؛ فهو لا يمثل مجرد زيادة مالية، بل هو اعتراف قانوني ومالي بأن هؤلاء الموظفين شركاء أساسيون في تحمل تبعات الأزمة الاقتصادية التي عصفت بالبلاد منذ عام 2019. لكن، كيف وصلنا إلى هذا القرار؟ ولماذا تأخر؟ وهل سيبقى التعويض قائماً بعد إلغاء الشروط الخاصة به نهاية عام 2025؟ دعونا نفكك هذه القصة خطوة بخطوة.

من مكافأة إلى حق مكتسب: المسار التشريعي للتعويض

القصة بدأت فعلياً في 21 آذار 2024، عندما أصدرت رئاسة مجلس الوزراء التعميم رقم 6/2024. في ذلك الوقت، كان الهدف محدداً: مساعدة الموظفين في الإدارات العامة على تغطية تكاليف المعيشة المرتفعة. حدد التعميم قيم التعويض الشهري بناءً على الفئة الوظيفية، وهو ما شكل حداً أدنى للأمان المالي للعديد من الأسر:

  • الفئة الخامسة والأجراء: 15 مليون ليرة لبنانية شهرياً.
  • الفئة الرابعة (المحررون): 17 مليون ليرة لبنانية.
  • الفئة الثالثة (رؤساء الدوائر): 19 مليون ليرة لبنانية.
  • الفئة الثانية (رؤساء المصالح): 22 مليون ليرة لبنانية.
  • الفئة الأولى (المديرون العامون): 25 مليون ليرة لبنانية.

لكن، كان هناك لبس لغوي وقانوني محوري. هل هذا "مكافأة" يمكن منحها أو سحبها بمزاجية المسؤول؟ أم أنه "تعويض" حق للموظف؟ في 4 نيسان 2024، جاء قرار مجلس الوزراء رقم 9 ليصحح المسار، مغيراً الاسم من "مكافأة" إلى "تعويض". كما يؤكد تجمع موظفي الإدارة العامة في بيان له، فإن هذا التغيير لم يكن شكلياً، بل كان ضرورياً لمنع الاستنسابية وضمان أن يكون التعويض حقاً لكل من يستوفي الشروط، بغض النظر عن العلاقات الشخصية.

شروط صارمة: الحضور مقابل المال

لم يكن التعويض هدية مجانية بلا مقابل. ربطت الحكومة الاستفادة منه بشروط حضور دقيقة، وهي نقطة أثارت جدلاً واسعاً بين الموظفين والإدارات. وفقاً لما نشرته منصة "Lebanon Economy" وبيانات التجمع النقابي، فإن الشروط الأساسية هي:

  1. الحضور الفعلي لمدة 16 يوماً على الأقل في الشهر.
  2. السماح بـ 5 أيام إجازة كحد أقصى (سنوية، مرضية، أو طارئة).
  3. إسقاط التعويض كلياً إذا تجاوز الغياب غير المبرر يوماً واحداً، أو إذا غاب الموظف لأكثر من 5 أيام حتى لو كانت الإجازات مبررة.

هذه الشروط، التي خُففت قليلاً مقارنة بالنسخة الأولى التي كانت تشترط 21 يوماً، تهدف إلى ضمان الانضباط الإداري. ومع ذلك، يرى بعض الخبراء أن ربط الراتب بالحضور اليومي في ظل ظروف النقل الصعبة في لبنان يخلق ضغطاً إضافياً على الموظفين، خاصة في المناطق البعيدة عن بيروت.

التوسع العملي: من وزارة التربية إلى مجلس الجنوب

التوسع العملي: من وزارة التربية إلى مجلس الجنوب

قبل صدور رأي ديوان المحاسبة النهائي، بدأت التطبيقات العملية للتوسع تظهر تدريجياً. في قطاع التعليم، مثلاً، أقر مرسوم يمنح موظفي ملاك التعليم الرسمي تعويضاً مؤقتاً يعادل 13 راتباً شهرياً، بالإضافة إلى تعويض المثابرة وفق التعميم 6/2024. وبداية من 1 شباط 2025، أصبح أجر الساعة للمعلمين يساوي 22 ضعفاً من الأجر الأساسي، مما يعكس حجم الدعم المقدم لهذا القطاع الحيوي.

وفي مثال آخر، أصدرت رئاسة مجلس الوزراء المرسوم رقم 14528 في 23 كانون الأول 2024، والذي قضى بمنح مجلس الجنوب سلفة خزينة لتسديد تعويض المثابرة لجميع العاملين فيه عن الفترة من تشرين الأول إلى كانون الأول 2024. هذا الإجراء أكد أن المؤسسات التنموية العامة، مثل مجلس الجنوب، ليست مستثناة، بل هي جزء أصيل من منظومة المستفيدين.

ماذا بعد إلغاء الشروط الخاصة؟

ماذا بعد إلغاء الشروط الخاصة؟

الجزء الأخير من القصة يتعلق بالمستقبل القريب. في 4 كانون الأول 2025، أصدرت رئاسة مجلس الوزراء مذكرة رقم 39 تلغي الشروط والمعايير الخاصة بتعميم 6/2024 اعتباراً من 1 كانون الأول 2025. ماذا يعني هذا؟ ببساطة، يعود العمل بالقواعد القانونية العادية المنصوص عليها في نظام الموظفين (المرسوم الاشتراعي 112/59) والقانون رقم 46 لعام 2019. وهذا يعني أن شرط الحضور الكامل والمنع من الغياب دون مبرر سيظل سارياً، لكن ضمن إطار قانوني أكثر استقراراً وأقل ارتباطاً بالتعاميم المؤقتة.

الخلاصة؟ تعويض المثابرة تحول من إجراء طارئ مرتبط بحكومة معينة وتعاميم مؤقتة، إلى حق شبه دائم ومكرس عبر آراء رقابية عالية المستوى. بالنسبة للموظف العادي في أي مؤسسة عامة في لبنان، هذا يعني استقراراً أكبر في الدخل، لكنه يتطلب في المقابل التزاماً صارماً بقواعد الحضور والانضباط الإداري.

أسئلة شائعة حول تعويض المثابرة

هل يشمل تعويض المثابرة جميع موظفي المؤسسات العامة فوراً؟

نعم، بعد الرأي الاستشاري رقم 75/2024 الصادر عن ديوان المحاسبة، أصبح الحق مضموناً قانونياً لجميع العاملين في المؤسسات العامة ذات الشخصية المعنوية العامة، وليس فقط الإدارات المركزية. ومع ذلك، يجب على كل إدارة تطبيق شروط الحضور المحددة لضمان الاستحقاق.

ما هي القيمة المالية الحالية لتعويض المثابرة؟

تتراوح القيم الشهرية بين 15 مليون ليرة للفئة الخامسة والأجراء، و25 مليون ليرة للفئة الأولى (المديرون العامون). هذه القيم مرتبطة بالفئة الوظيفية المحددة في نظام الموظفين اللبناني، ولا تخضع للزيادة إلا بقرار جديد من مجلس الوزراء.

ماذا يحدث إذا تغيب الموظف يوماً واحداً غير مبرر؟

وفقاً للشروط الأصلية للتعميم 6/2024، يسقط التعويض كلياً في حال التغيّب لأكثر من 5 أيام شهرياً، وحتى لو كانت من ضمن الإجازات المبررة. أما الغياب غير المبرر ولو ليوم واحد فقد يؤدي إلى خصومات أو إسقاط الحق في التعويض عن ذلك الشهر، اعتماداً على تفسير الإدارة للقواعد العامة السارية بعد كانون الأول 2025.

هل تم دمج تعويض المثابرة مع الرواتب الدائمة؟

لا يزال التعويض يُصرف بشكل منفصل ومستقل عن الراتب الأساسي، ويُعتبر تعويضاً مؤقتاً مرتبطاً بالاعتمادات المرصدة في الموازنة. إلا أن إلغاء الشروط الخاصة في نهاية 2025 قد يمهد الطريق لتحويله إلى جزء من الهيكل القانوني الدائم للأجور في المستقبل القريب.

كيف يؤثر هذا القرار على أساتذة الجامعة اللبنانية والتعليم الرسمي؟

انتقل أساتذة التعليم الرسمي والجامعة اللبنانية من نظام "بدل الإنتاجية" بالدولار إلى نظام "تعويض المثابرة" بالليرة اللبنانية. وبداية من شباط 2025، أصبح مجمل أجر الساعة للمعلمين يساوي 22 ضعفاً من الأجر الأساسي، مما يوفر دعماً مادياً كبيراً مقارنة بالوضع السابق.