بريطانيا تنتظر ضوءا أخضر أمريكيا للسماح لأوكرانيا بضرب عمق روسيا

بريطانيا تنتظر ضوءا أخضر أمريكيا للسماح لأوكرانيا بضرب عمق روسيا

لم تكن مجرد صواريخ عابرة للحدود، بل كانت رسالة واضحة بأن الحرب دخلت مرحلة جديدة. في منتصف تشرين الثاني/نوفمبر 2024، وبعد أشهر من الترقب والغموض الدبلوماسي، حصلت أوكرانيا أخيرًا على الضوء الأخضر لاستخدام صواريخ "ستورم شادو" البريطانية بعيدة المدى لضرب أهداف داخل العمق الروسي. القرار الذي طال انتظاره لم يكن ليحدث لولا موافقة إدارة الرئيس الأمريكي جو بايدن، التي فتحت الباب أمام استخدام أسلحة غربية متطورة خارج الحدود الأوكرانية لأول مرة منذ بدء الغزو الروسي الشامل.

القصة بدأت قبل ذلك بشهور، وتحديدًا في تموز/يوليو 2024، عندما ألمح رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر, رئيس وزراء المملكة المتحدة خلال قمة حلف شمال الأطلسي (الناتو) في واشنطن إلى إمكانية استخدام هذه الصواريخ. لكن الحقيقة كانت أكثر تعقيدًا؛ فبينما ردد ستارمر أن القرار يعود لكييف، أكد مصدر أوكراني حينها أن لا "ضوء أخضر" رسمي قد صدر بعد. كان هناك عقدة واحدة تحسم كل شيء: المكونات الأمريكية.

عقدة المكونات الأمريكية وتأخير القرار

المشكلة لم تكن تقنية فحسب، بل سياسية بامتياز. صواريخ "ستورم شادو" طُوّرت ضمن مشروع مشترك بين بريطانيا وفرنسا عبر شركة MBDA، لكنها تعتمد على مكونات إلكترونية ونظام توجيه تُصنع وتُورد من شركات أمريكية. هذا يعني قانونيًا أن أي استخدام لهذه الصواريخ ضد أهداف روسية يتطلب موافقة البيت الأبيض، وإلا فقدت لندن حصانتها القانونية والدبلوماسية.

في آب/أغسطس 2024، كشفت صحيفة "ذا تايمز" أن ستارمر طلب رسميًا من إدارة بايدن منح الإذن، لكن الرد تأخر. مصادر حكومية بريطانية وصفت التأخير بأنه جزء من "إجراءات روتينية"، بينما رأت تقارير أخرى أنه نتيجة مخاوف أمريكية حقيقية من التصعيد. كان الخوف السائد في واشنطن هو أن ضرب عمق روسيا سيؤدي إلى رد فعل عنيف من فلاديمير بوتين, الرئيس الروسي، مما قد يوسّع نطاق الحرب بشكل غير محسوب.

التحول المفاجئ في السياسة الأمريكية

لكن الرياح تغيّر اتجاهها في أواخر تشرين الأول/أكتوبر وأوائل تشرين الثاني/نوفمبر 2024. مع اقتراب نهاية ولاية بايدن الرئاسية، بدا أن البيت الأبيض قرر المخاطرة. في 17 تشرين الثاني/نوفمبر 2024، أفادت وسائل إعلام غربية بأن بايدن وافق على استخدام أوكرانيا لصواريخ "ATACMS" الأمريكية الباليستية ضد روسيا. هذا القرار فتح الطريق سريعًا أمام رفع القيود عن الصواريخ البريطانية والفرنسية.

النتيجة؟ أول ضربة موثقة بصواريخ "ستورم شادو" داخل الأراضي الروسية وقعت في 20 أو 21 تشرين الثاني/نوفمبر 2024. استهدفت الضربات مناطق مثل مقاطعة بريانسك، الواقعة على بعد حوالي 110 أميال داخل الحدود الروسية، ومنطقة كورسك. كان هذا التحول نوعيًا؛ فمن الاستخدام الدفاعي داخل الحدود الأوكرانية، انتقلت كييف إلى الهجوم الاستباقي في قلب العدو.

الأثر الميداني والاستراتيجي

الأثر الميداني والاستراتيجي

ما أهمية هذا الأمر فعليًا؟ مدى صاروخ "ستورم شادو" يتجاوز 250 كيلومترًا، مما يسمح بضرب قواعد عسكرية ومستودعات ذخيرة وقواعد جوية كانت تعتبر آمنة سابقًا بسبب بعدها عن خط المواجهة. في عام 2025، أكدت تقارير لاحقة استمرار هذا الاستخدام، حيث ضربت أوكرانيا منشأة بارود داخل روسيا باستخدام نفس النوع من الصواريخ. هذا يدل على أن القرار لم يكن مجرد ضربة واحدة، بل سياسة مستمرة لتغيير موازين القوى في ساحة المعركة.

الخبراء يرون أن هذه الخطوة أزالت طبقة من الحماية الاستراتيجية عن روسيا. فبدلاً من الاكتفاء بالدفاع عن حدودها الغربية، أصبحت موسكو مضطرة لتوزيع دفاعاتها الجوية على مساحة أوسع بكثير، مما يستنزف مخزونها من أنظمة الدفاع الجوي المتطورة.

ماذا يعني هذا للمستقبل؟

ماذا يعني هذا للمستقبل؟

مع استمرار الحرب، يبدو أن عصر القيود المشددة على مدى الأسلحة الغربية قد ولّى. السؤال الآن ليس "هل ستستخدم أوكرانيا هذه الصواريخ؟" بل "كم عدد الأهداف التي ستضربها؟". وبينما تراقب موسكو عن كثب، تبقى العيون مصوبة نحو ما إذا كانت هذه الموافقات ستشهد توسيعًا إضافيًا في المستقبل القريب، خاصة مع تغيّر المشهد السياسي العالمي.

أسئلة شائعة حول استخدام صواريخ ستورم شادو

لماذا احتاجت بريطانيا لموافقة أمريكا لاستخدام صواريخها الخاصة؟

السبب الرئيسي هو أن صواريخ "ستورم شادو" تحتوي على مكونات إلكترونية وأنظمة توجيه تُصنع بواسطة شركات أمريكية. بموجب الاتفاقيات الدولية والتشريعات المحلية، يمنع تصدير هذه المكونات أو استخدامها في عمليات قتالية دون إذن مسبق من الحكومة الأمريكية، حتى لو كانت الصاروخ نفسه بريطاني الصنع بالكامل ظاهريًا.

متى استخدمت أوكرانيا هذه الصواريخ لأول مرة داخل روسيا؟

أول استخدام موثق ومعلن حدث في الفترة بين 20 و21 تشرين الثاني/نوفمبر 2024. جاءت هذه الضربات مباشرة بعد أيام قليلة من إعلان الرئيس الأمريكي جو بايدن موافقته على استخدام صواريخ ATACMS الأمريكية، مما يشير إلى تنسيق وثيق بين واشنطن ولندن لكييف.

ما مدى تأثير هذه الصواريخ مقارنة بأسلحة أخرى؟

صاروخ "ستورم شادو" يتميز بمدى يتجاوز 250 كيلومترًا وقدرة على اختراق التحصينات بفضل رأسه الحربي الثقيل. مقارنة بالصواريخ قصيرة المدى التي كانت تستخدمها أوكرانيا سابقًا، يتيح "ستورم شادو" ضرب أهداف استراتيجية كانت بعيدة المنال، مما يقلل من خطر التعرض المباشر للدفاعات الروسية القريبة من الخطوط الأمامية.

هل توقف الولايات المتحدة عن دعم أوكرانيا بعد انتهاء ولاية بايدن؟

حتى تاريخ كتابة هذا التقرير، استمرت السياسة الأمريكية في السماح باستخدام الأسلحة بعيدة المدى. التقارير تشير إلى أن أوكرانيا واصلت استخدام هذه الصواريخ في عام 2025، مما يوحي بأن القرار أصبح جزءًا من السياسة العسكرية الثابتة وليس مجرد إجراء مؤقت مرتبط بفترة رئاسة معينة.

3 التعليقات
  • Shatha Goorm
    Shatha Goorm

    الحقيقة إن القصة دي مش مجرد صواريخ
    هي قصة كيف بيتم تقييد قوة دولة حليفة بسبب مكونات صغيرة من دول تانية
    هذا الأمر يوضح مدى التعقيد في التحالفات العسكرية الحديثة
    نحن نرى هنا كيف أن السياسة تتداخل مع الهندسة بشكل غريب
    القرار الأمريكي كان المفتاح الحقيقي لكل شيء
    بدون موافقة واشنطن كانت لندن عالقاً تماماً
    هذا النوع من الاعتماد المتبادل قد يكون سلاحاً بيد الغرب أيضاً
    أوكرانيا استفادت من هذا التوقيت الدقيق جداً قبل نهاية الولاية
    المستقبل يبدو أكثر وضوحاً في استخدام الأسلحة بعيدة المدى
    لكن السؤال يبقى حول مدى استدامة هذه الدعم

  • latifah rokhmah
    latifah rokhmah

    من المثير للاهتمام حقًا أن نلاحظ كيف أن البنية التحتية للصناعات الدفاعية الغربية، رغم قوتها الظاهرة، تعتمد بشكل حاسم على سلاسل إمداد موزعة جغرافياً، مما يجعل أي قرار عسكري محلي رهينة لاعتبارات جيوسياسية دولية معقدة للغاية، حيث إن وجود مكونات إلكترونية أمريكية في صاروخ بريطاني الصنع لا يعني فقط تعقيدًا تقنيًا بل يعكس عمق التكامل الصناعي الذي يصعب فصله دون تكاليف باهظة، وهذا ما يفسر التأخير الطويل في منح الإذن، إذ كان يجب على صانعي القرار في واشنطن تقييم المخاطر المحتملة للتصعيد ليس فقط على مستوى الساحة الأوكرانية ولكن على نطاق أوسع يشمل استقرار أوروبا بأكملها، خاصة مع اقتراب الانتخابات الأمريكية التي جعلت الإدارة الحالية تبحث عن إنجازات ملموسة قبل انتهاء ولايتها، وهو ما أدى إلى اتخاذ قرار جريء بالسماح بضرب العمق الروسي، مما يمثل تحولًا نوعيًا في العقيدة العسكرية للحلفاء الغربيين الذين كانوا حذرين سابقًا من تجاوز خطوط حمراء معينة خشية من رد فعل روسي غير متوقع، لكن الواقع الميداني أظهر أن هذه الخطوة قد تكون ضرورية لكسر الجمود الاستراتيجي وتغيير موازين القوى لصالح أوكرانيا، مما يضع موسكو أمام تحدي إعادة هيكلة دفاعاتها الجوية على مساحات أوسع بكثير من المعتاد.

  • Essam Hecker
    Essam Hecker

    أظن أن التحليل دقيق جدًا
    لكننا ننسى أحيانًا أن الضغط الشعبي يلعب دورًا كبيرًا
    الدعم المستمر لأوكرانيا لم يكن ليحدث بدون إرادة سياسية واضحة
    هذا القرار يفتح الباب لأسئلة أكبر عن المستقبل

أضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول المطلوبة محددة*