الإمارات تعيد بناء اقتصادها: اعتماد البرنامج الوطني لتطوير النظام الإحصائي
في خطوة تُعدّ مفصلية في تاريخ البيانات الاقتصادية بالمنطقة، اعتمد صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم, نائب رئيس الدولة ورئيس مجلس الوزراء وحاكم دبي، رسمياً «البرنامج الوطني لتطوير النظام الإحصائي» يوم الخميس 23 يوليو 2026. لم يكن هذا مجرد تحديث إداري روتيني، بل هو إعادة هيكلة شاملة لكيفية قياس حجم الاقتصاد الإماراتي الحقيقي، استجابةً للتحولات الهيكلية العميقة التي شهدتها القطاعات غير النفطية خلال العقد الأخير.
تتمثل جوهر هذه المبادرة في اعتماد عام 2024 كسنة أساس موحدة للحسابات القومية، مع إعادة بناء سلسلة بيانات الناتج المحلي الإجمالي (GDP) لتغطي الفترة الممتدة من 2010 إلى 2026. الهدف؟ ضمان أن تعكس الأرقام الرسمية بدقة متزايدة النمو المتسارع في قطاعات الخدمات، والاقتصاد الرقمي، والتكنولوجيا، والذكاء الاصطناعي، والاستثمار المباشر، وهي المجالات التي كانت قد تظللت جزئياً تحت مظلة التصنيفات التقليدية سابقاً.
لماذا الآن؟ قراءة في التحول الهيكلي للاقتصاد
هنا يكمن السؤال الجوهري: لماذا الحاجة الملحّة لهذا التغيير الآن؟ الواقع أن الاقتصاد الإماراتي لم يعد يعتمد على بنية تحتية صناعية أو نفطية تقليدية فقط، بل تحوّل بشكل جذري نحو اقتصاد المعرفة والخدمات. ومع ذلك، ظل النظام الإحصائي القديم يعالج هذه التغيرات بمنهجيات قديمة لا تلتقط كامل الزخم الاقتصادي الجديد.
يقول معالي عبدالله بن طوق المري, وزير الاقتصاد والسياحة: «اعتماد البرنامج يعكس نضج المنظومة الإحصائية الوطنية وثقتها... إنه سيتيح قياساً أدق لقطاعات النمو الجديدة من الاقتصاد الرقمي والخدمات إلى السياحة والاستثمار». بكلمات أبسط، نحن نتحدث عن الانتقال من «تقدير» حجم الاقتصاد إلى «قياسه» بدقة جراحية، مما يمنح المستثمرين والمؤسسات الدولية قاعدة بيانات أكثر شفافية وقابلية للمقارنة العالمية.
أرقام الإمارات الموحدة: البنية التحتية للقرار الذكي
لا يعمل البرنامج في عزلة؛ فهو تتويج لمسار بدأ قبل عامين. في ديسمبر 2024، أطلقت الحكومة مشروع «أرقام الإمارات الموحدة»، وهو جهد مشترك بين جميع الحكومات المحلية عبر مراكزها الإحصائية. ثم جاء إطلاق المنصة الرقمية الشاملة المدعومة بالذكاء الاصطناعي في نوفمبر 2025، لتوفير بيانات لحظية وموثوقة.
على مستوى إمارة دبي، تلعب دبي الرقمية الدور المحوري من خلال مؤسسة دبي للبيانات والإحصاء، التي تأسست بموجب القانون رقم 24 لعام 2023. يؤكد سعادة يونس آل ناصر, الرئيس التنفيذي لمؤسسة دبي للبيانات والإحصاء أن أهمية الاعتماد تكمن في «إرساء منظومة إحصائية وطنية أكثر تكاملاً وحداثة»، توفر بيانات تدعم اتخاذ القرارات المبنية على الأدلة، لا على التخمين.
آليات التنفيذ: من السجلات الضريبية إلى الذكاء الاصطناعي
كيف سيتم تنفيذ هذا الوعد عملياً؟ تتضمن الخطة الفنية أربع ركائز رئيسية:
- توحيد المنهجيات: القضاء على التباين في طرق جمع البيانات بين الجهات المختلفة لضمان اتساق الأرقام على مستوى الدولة.
- ربط السجلات الإدارية: دمج قواعد البيانات الضريبية والسجلات الحكومية مباشرة مع الحسابات القومية، مما يقلل الاعتماد على المسوحات الميدانية البطيئة ويوفر صوراً فورية للنشاط الاقتصادي.
- المواءمة الدولية: مطابقة النظام بالكامل مع نظام الحسابات القومية للأمم المتحدة (SNA)، مما يسهل تصنيف الإمارات في تقارير التنافسية العالمية مثل تقرير «المرصد العالمي للتنافسية».
- التحول الرقمي الكامل: الانتقال نحو مسوحات رقمية مشتركة ذكية تستخدم تقنيات الذكاء الاصطناعي لتحليل الاتجاهات وتوقع المتغيرات المستقبلية.
هذا الربط بين السجلات الضريبية والحسابات القومية يعني أن أي نشاط اقتصادي مسجل ضريبياً سيظهر فوراً في المؤشرات الاقتصادية الكلية، مما يحارب «الاقتصاد غير المرئي» ويكشف عن الحجم الحقيقي للأنشطة الناشئة.
الأثر المتوقع: ثقة المستثمرين ومكانة عالمية
ما الذي يعني هذا للمستثمر العادي أو لصانع القرار الدولي؟ ببساطة، بيانات أكثر دقة تعني مخاطر أقل تقديرية. عندما تكون أرقام الناتج المحلي الإجمالي والتضخم والاستثمار الأجنبي دقيقة وقابلة للمقارنة مع معايير دولية صارمة، فإن الثقة في استقرار الاقتصاد الإماراتي ترتفع تلقائياً.
يشير خبراء الاقتصاد إلى أن هذه الخطوة ستساعد الإمارات على ترسيخ مكانتها ليس فقط كمركز تجاري، بل كمختبر عالمي للحوكمة الرقمية والبيانات. فالقدرة على إنتاج بيانات اقتصادية عالية الجودة أصبحت مؤشراً تنافسياً بنفس أهمية البنية التحتية المادية للطرق والموانئ.
خطوات ما بعد الاعتماد: ماذا ينتظرنا؟
مع اعتماد البرنامج في يوليو 2026، تبدأ مرحلة التطبيق الفعلي. يُتوقع أن نشهد خلال الأشهر المقبلة إصدار أول تحديثات للسلسلة التاريخية للناتج المحلي الإجمالي وفق السنة الأساسية الجديدة (2024). كما ستعمل الجهات الحكومية على توحيد روزنامة النشر الإحصائي، بحيث لا تنتظر المؤسسات الخاصة أسابيع لمعرفة أحدث الأرقام الاقتصادية.
إن هذا البرنامج ليس نهاية المطاف، بل بداية لعصر جديد من «الاقتصاد الاستباقي»، حيث تصبح البيانات وقوداً للاستراتيجيات وليس مجرد سجلات تاريخية. وفي ظل المنافسة الإقليمية والعالمية المحتدمة، تبدو الإمارات عازمة على تحويل دقة أرقامها إلى قوة ناعمة جديدة تجذب رؤوس الأموال العقلاء الباحثين عن الشفافية.
أسئلة شائعة حول البرنامج الوطني لتطوير النظام الإحصائي
ما الفرق بين سنة الأساس القديمة والجديدة في الحسابات القومية للإمارات؟
اعتمد البرنامج عام 2024 كسنة أساس موحدة بدلاً من السنوات السابقة. هذا يعني أن جميع النسب المئوية للنمو الاقتصادي والمقارنات التاريخية ستُحسب بناءً على قيم الأسعار والأوزان الاقتصادية لعام 2024. النتيجة هي صورة أكثر واقعية تعكس هيكل الاقتصاد الحالي المتنوع، بدلاً من هيكل اقتصادي أقدم كان يميل أكثر نحو القطاعات التقليدية.
كيف سيؤثر هذا البرنامج على قياس قطاع التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي؟
سيتيح البرنامج قياساً أدق وأكثر شمولاً لقطاعات النمو الجديدة مثل الاقتصاد الرقمي والذكاء الاصطناعي. من خلال ربط السجلات الإدارية والضريبية بالحسابات القومية، سيتم التقاط قيمة هذه الأنشطة التي كانت قد تضيع في التقييمات العامة سابقاً، مما يعكس الحجم الحقيقي لزخم الابتكار في الدولة ضمن إجمالي الناتج المحلي.
ما العلاقة بين «أرقام الإمارات الموحدة» والبرنامج الوطني الجديد؟
«أرقام الإمارات الموحدة» هو المشروع التمهيدي والبنية التحتية التي انطلق في ديسمبر 2024، والذي توحد جهود الحكومات المحلية. أما البرنامج الوطني المعتمد في يوليو 2026 فهو الإطار التشريعي والفني الأعلى الذي يضع القواعد النهائية لإعادة بناء سلسلة الناتج المحلي الإجمالي وتوحيد المنهجيات، مستفيداً من المنصات الرقمية التي طورها مشروع «أرقام الإمارات الموحدة».
هل ستتغير أرقام الناتج المحلي الإجمالي المعلنة سابقاً؟
نعم، سيتم إعادة بناء السلسلة الزمنية للناتج المحلي الإجمالي للفترة من 2010 إلى 2026. هذا لا يعني بالضرورة تغيير القيمة المطلقة الحالية، ولكن它将 تعكس توزيعاً مختلفاً للأنشطة الاقتصادية داخل الاقتصاد الكلي، مما قد يظهر نمواً أعلى في بعض القطاعات غير النفطية مقارنة بالتقارير السابقة التي استخدمت منهجيات أقدم.
ما دور مؤسسة دبي للبيانات والإحصاء في هذا التحول الوطني؟
تلعب المؤسسة، التابعة لدبي الرقمية، دوراً محورياً كنموذج رائد للتطبيق. فهي مسؤولة عن تطوير أدوات مثل «نظام الإحصاء الرقمي» ودليل بيانات دبي، والتي توفر إطاراً حوكمياً وتقنياً يمكن تعميمه على مستوى الدولة. عملها يضمن أن تكون البيانات قابلة للمشاركة بسلاسة وأمان بين الجهات الحكومية وشركات القطاع الخاص.