الإفتاء توضح حكم العمرة بالتقسيط: جائز بشرط وضوح العقد

الإفتاء توضح حكم العمرة بالتقسيط: جائز بشرط وضوح العقد

هل يجوز أداء مناسك العمرة أو الحج عبر نظام التقسيط مع وجود زيادة مالية؟ هذا السؤال الذي يشغل بال ملايين المسلمين في مصر وخارجها، حصلت عليه دار الإفتاء المصرية مرارًا وتكرارًا، لتؤكد في بيان جديد صدر يوم الأربعاء 22 يوليو 2026، أن الأمر جائز شرعًا طالما استوفى شروطه. الخبر لا يتعلق بمجرد رخصة فقهية، بل يمس واقعًا اقتصاديًا واجتماعيًا يتزايد فيه عدد الراغبين في أداء المناسك ممن لا يملكون المبلغ نقدًا دفعة واحدة.

الحديث هنا ليس عن قرض ربوي خفي، بل عن تفريق دقيق بين «المرابحة» و«الفوائد». فالزيادة التي تدفع مقابل تأجيل السداد، إذا كانت متفق عليها مسبقًا وواضحة في عقد بيع خدمة (رحلة حج أو عمرة)، فهي من قبيل الزيادة المشروعة في الثمن، وليست ربا. لكن متى تتحول هذه المعاملة إلى حرام؟ وكيف يميز المسلم العادي بين الصورتين؟

الموقف الرسمي: مرابحة مباحة وليست ربا

يرأس فضيلة الأستاذ الدكتور شوقي علام, مفتي الجمهورية بـدار الإفتاء المصرية المؤسسة الدينية الكبرى في مصر، وقد كرر في تصريحات سابقة وبيانات رسمية أن التقسيط باتفاق مسبق هو باب «المرابحة» الجائزة. الفكرة بسيطة: أنت تشتري خدمة (رحلة منظمة) بثمن إجمالي محدد، وتقسم دفعاته على فترة زمنية. الزيادة هنا مقابل الأجل، وهي جائزة في الفقه الإسلامي ما دامت معلنة ومحددة قبل التوقيع.

لكن هناك نقطة جوهرية يجب فهمها: ملكية النفقات (الزاد والراحلة) ليست شرطًا لصحة النسك، بل هي شرط لوجوبه. ماذا يعني ذلك؟ يعني أن من لم يملك المال لا يجب عليه الحج أو العمرة أصلًا، لكنه إن أداها بالاستدانة أو التقسيط، فإن نسكه صحيح وتسقط به الفريضة عنه. الشرط الوحيد هو القدرة على السداد لاحقًا دون إضرار بالنفس أو الآخرين.

شروط قبول التقسيط: الوضوح والقدرة

لم تكن الفتاوى غامضة أبدًا، بل وضعت ضوابط صارمة لضمان عدم الانزلاق نحو الربا. في نوفمبر 2025، أوضح الشيخ محمد كمال، أمين الفتوى بدار الإفتاء، أن جواز التقسيط مشروط بتوافر عنصرين أساسيين:

  • وضوح العقد: يجب تحديد قيمة المبلغ الإجمالي، وعدد الأقساط، ومواعيد السداد بدقة تامة دون أي غموض أو جهالة.
  • القدرة على السداد: يجب أن يكون لدى الشخص خطة واضحة لسداد الأقساط بعد العودة، وأن تكون النية صادقة لأداء المناسك وليس للتهرب من الديون.

أضاف الشيخ محمود شلبي، أمين الفتوى السابق، أن هذه المنافع (كالعمرة أو الدراسة) تأخذ حكم «الأعيان»، مما يسمح بالتعامل معها نقدًا أو آجلًا. الفرق الجوهري هو أن القرض يجب أن يكون بدون فائدة، بينما التقسيط في إطار بيع الخدمة قد يشمل زيادة مبررة بالأجل.

وجهة نظر المخالفين: أين يبدأ الربا؟

وجهة نظر المخالفين: أين يبدأ الربا؟

ليس كل العلماء متفقين على التفاصيل الدقيقة، خاصة عندما تختلط الأمور. في سبتمبر 2022، ظهر رأي مخالف من أحد أساتذة الأزهر الشريف (يُشار إليه بلقب «لاشين» في التقارير الإعلامية)، الذي حذر بشدة من صورة «عمرة بالقسط والفوائد». برأيه، إذا كان الاتفاق على رد مبلغ أكبر من المبلغ المستلم أصلاً تحت غطاء «التقسيط»، فهو ربا بعينه.

الفرق الذي يحمله هذا الرأي هو التمييز بين «بيع خدمة بثمن أعلى بسبب التأجيل» (وهو مرابحة جائزة)، وبين «قرض نقدي يلتزم صاحبه برد زيادة» (وهو ربا محرم). يرى المخالفون أن بعض الشركات أو البنوك قد تستخدم مصطلح «تقسيط» لتغطية عمليات تمويل تشبه القروض الاستهلاكية بفوائد، وهو ما يجعل الحكم محل جدل عند عامة الناس الذين قد لا يفهمون الفرق الفقهي الدقيق.

خلفية تاريخية: تطور الفتاوى عبر السنوات

خلفية تاريخية: تطور الفتاوى عبر السنوات

لم يكن هذا الموقف مفاجئًا أو حديث العهد. يعود أول تأكيد موثق من دار الإفتاء إلى بيان صادر في 1 يناير 2017، حيث أكدت اللجنة أن التقسيط باجتماع الأطراف جائز. ثم توسعت الفتاوى في 2022 لتشمل التمويل البنكي المباشر للخدمات المجتمعية. وفي يونيو 2024، أقرت دار الإفتاء صراحةً مشروعية اتفاقات الجمعيات المنظمة للحج مع البنوك لتمويل الرحلات بالتقسيط مع زيادة متفق عليها.

هذا التطور يعكس تفاعل الفقه الإسلامي مع الواقع المالي الحديث. فالمسلمون اليوم يواجهون ارتفاعًا في تكاليف السفر والإقامة، مما جعل الحلول التمويلية خيارًا واقعيًا للكثيرين. دور دار الإفتاء كان دائمًا في تقديم إطار شرعي واضح يتيح للمسلم اختيار ما يناسب حالته المالية دون خوف من الإثم، شريطة الالتزام بالضوابط.

أسئلة شائعة حول العمرة بالتقسيط

ما الفرق بين التقسيط الجائز والربا المحرم في سياق العمرة؟

التقسيط الجائز هو عقد بيع خدمة (رحلة) بثمن إجمالي محدد سلفًا، وتُقسم الدفعات على فترة معينة مع زيادة معلنة مقابل الأجل (مرابحة). أما الربا المحرم فهو اتفاق على قرض نقدي يلتزم المستدين فيه برد مبلغ أكبر من المبلغ الأصلي دون أن يكون هناك سلعة أو خدمة محددة القيمة بشكل مستقل. المفتاح هو طبيعة العقد: بيع أم قرض؟

هل تسقط فريضة العمرة إذا أديتها بالتقسيط ولم أستطع السداد فورًا؟

نعم، تسقط الفريضة ويصح النسك. لأن ملكية النفقة شرط وجوب لا صحة. فإذا أحرم المسلم وأدى المناسك، فقد أدى ما عليه شرعًا. الدين المتبقي يصبح التزامًا ماليًا في ذمته يجب سداده حسب الاتفاق، ولا يؤثر على قبول العبادة نفسها ما دامت النية صادقة وكان لديه أمل معقول في السداد.

ماذا يحدث إذا تغير سعر العملة أو ارتفعت التكاليف أثناء فترة السداد؟

بما أن العقد يعتمد على «الثمن المحدد سلفًا»، فإن أي تغيير في الأسعار الخارجية لا يؤثر عادةً على قيمة الأقساط المتفق عليها، إلا إذا نص العقد على بند تعديلي واضح ومقبول شرعًا. القاعدة هي تثبيت الثمن الإجمالي وقت التعاقد، لذا يجب على العميل مراجعة بنود العقد جيدًا قبل التوقيع للتأكد من عدم وجود شروط غير عادلة أو غامضة.

هل يجوز الاقتراض بدون فائدة لأداء العمرة؟

نعم، بل هو أفضل من التقسيط من حيث الخفة الشرعية. أكد الشيخ محمود شلبي أنه يجوز الاقتراض بدون فائدة لأداء العمرة. القرض الحسن (بدون زيادة) هو الخيار الأمثل لمن يجد شخصًا أو مؤسسة مستعدة لتمويله. أما إذا لم يتوفر القرض بدون فائدة، فيجوز اللجوء إلى التقسيط ضمن عقد مرابحة واضح كما أوضحت دار الإفتاء.