العراق وتركيا توقّعان اتفاقاً مؤقتاً لاستمرار تدفق النفط عبر خط جيهان
لم يتوقف قطرة نفط واحدة عن التدفق، حتى بعد انتهاء العقد القديم الذي حكّم العلاقة بين بغداد وأنقرة لعقود. في الأول من أغسطس/آب 2026، وقّعت شركة خطوط الأنابيب التركية (بوتاش) وشركتي سومو وشركة نفط الشمال اتفاقية مؤقتة لمدة عام واحد. الهدف واضح: ضمان استمرار تصدير النفط العراقي عبر خط أنابيب كركوك–جيهان بطاقة قصوى تبلغ 750 ألف برميل يومياً، رغم انتهاء الاتفاقية الثنائية الأصلية الموقعة عام 1973 في 27 يوليو/تموز الماضي.
هنا يكمن المفارقة المثيرة للاهتمام. بينما كانت التوقعات تشير إلى احتمال توقف الخط أو انخفاض التدفقات بشكل حاد بعد انتهاء الصلاحية القانونية للعقد القديم، استمر النفط في الجريان دون انقطاع. كيف حدث ذلك؟ ببساطة، اتفق الطرفان على "ترتيبات عبور" مؤقتة تغطي الفجوة الزمنية أثناء التفاوض على إطار عمل جديد وأوسع. إنه حل عملي يناسب طبيعة العلاقات الطاقية المعقدة بين البلدين.
خلفية الأزمة: من التحكيم الدولي إلى القرار الرئاسي التركي
لفهم أهمية هذا الاتفاق المؤقت، يجب العودة قليلاً إلى الوراء. المشكلة لم تكن تقنية بحتة، بل قانونية وسياسية في جوهرها. في يونيو 2024، أصدرت محكمة التحكيم الدولية حكماً بتغريم تركيا مبلغاً يقدر بـ 1.4 مليار دولار بسبب استخدامها لخط أنابيب كركوك–جيهان لنقل نفط إقليم كردستان دون موافقة الحكومة الاتحادية في بغداد. كان الحكم ضربة قوية للمصالح التركية في الملف.
رد الفعل جاء سريعاً وحاسماً. في 21 يوليو/تموز 2025، أصدر الرئيس التركي رجب طيب أردوغان مرسوماً رئاسياً أعلن فيه انتهاء سريان اتفاقية خط الأنابيب القديمة وجميع البروتوكولات الملحقة بها اعتباراً من 27 يوليو/تموز 2026. الرسالة واضحة: لا فائدة من تمديد اتفاق خضع للتحكيم وخسرته أنقرة. المطلوب هو بناء علاقة جديدة، أكثر شمولاً ومرونة.
خلال الفترة ما بين منتصف 2025 ونهاية 2026، شهدت المفاوضات تقلبات ملحوظة. في يونيو 2026، طلب العراق رسمياً تمديد الاتفاق الحالي لعام آخر، لكن مسؤولاً تركيا رفيع المستوى صرح آنذاك بأن أنقرة لا ترغب في تمديد الصفقة "بشروطها الحالية". بدلاً من ذلك، اقترحت تركيا التوصل إلى اتفاقية جديدة تستغل كامل الطاقة التصميمية للخط، وربما توسيع نطاقه ليشمل حقول جنوب العراق مستقبلاً.
تفاصيل الاتفاق الجديد: أرقام وأسماء رئيسية
الاتفاقية التي وُقّعت في 1 أغسطس/آب 2026 ليست مجرد تمديد روتيني، بل هي خطوة استراتيجية محسوبة. حددت الوثيقة طاقة عبور قصوى قدرها 750 ألف برميل يومياً، وهو رقم يمثل قفزة نوعية مقارنة بالتدفقات الفعلية في الشهر السابق على التوقيع، والتي بلغت حوالي 181 ألف برميل فقط. هذا يعني أن الخط جاهز نظرياً لاستقبال أربعة أضعاف حجم التصدير الحالي إذا توفرت الشروط اللوجستية والتسويقية.
لعب ألب أرسلان بيرقدار, وزير الطاقة التركي دوراً محورياً في دفع هذه الصفقة قدماً. خلال زيارته لبغداد في 9 يوليو/تموز 2026، أكد قرب التوصل إلى تفاهم، مشيراً إلى أن الاتفاق سيُوقَّع "في الأيام القادمة". وبعد التوقيع، صرّح بيرقدار بأن بلاده والعراق يعملان الآن على "اتفاق طويل الأمد" يشمل مجالات متعددة تتجاوز النفط لتشمل الكهرباء وموارد المياه.
على الجانب العراقي، أكد باسم محمد خضير, وزير النفط العراقي نجاح المفاوضات في تأمين استدامة عمليات التصدير لمدة عام كامل. وأضاف المتحدث باسم وزارة النفط العراقية، سليم الركابي، تفاصيل مهمة: الاتفاقية ستُعاد بأثر رجعي إلى 27 يوليو/تموز، تاريخ انتهاء العقد السابق، مما يضمن عدم وجود فراغ قانوني في سجلات الشحن والتصدير.
لماذا يهم هذا الخط للعراق وللعالم؟
قد يبدو الأمر تقنياً للبعض، لكنه يحمل أبعاداً جيوسياسية واقتصادية عميقة. خط أنابيب كركوك–جيهان، الذي يمتد لمسافة تقارب 986 كيلومتراً ويملك طاقة تصميمية تصل إلى 1.5 مليون برميل يومياً، هو حالياً المنفذ البحري الوحيد العامل للحكومة الاتحادية العراقية لتصدير نفطها الخام مباشرة إلى الأسواق العالمية دون المرور عبر مضيق هرمز.
هذا البعد الاستراتيجي يصبح أكثر وضوحاً في ظل التوترات الإقليمية المتكررة حول المضيق. أي إغلاق أو تعطيل لحركة الملاحة في الخليج العربي يؤثر بشدة على صادرات النفط العراقية والخليجية. أما عبر جيهان، فالنفط يصل إلى البحر المتوسط ومن ثم إلى أوروبا وآسيا عبر مسارات أقل عرضة للخطر الجيوسياسي المباشر. لذا، فإن ضمان استمرار عمل هذا الخط ليس مصلحة عراقية فحسب، بل يعزز أمن الطاقة الإقليمي أيضاً.
بالإضافة إلى ذلك، يوفر الاتفاق إطاراً للتعاون الاقتصادي الأوسع. الإشارة إلى إمكانية دمج الجنوب العراقي في شبكة التصدير المستقبلية تعني أن تركيا تسعى لتصبح مركزاً طاقياً إقليمياً حقيقياً، وليس مجرد وسيط لنقل النفط الكردي. هذا التحول يتطلب بنية تحتية إضافية، واستثمارات مشتركة، وتنسيقاً سياسياً دقيقاً بين بغداد وأنقرة.
ما الذي ينتظرنا في الأشهر المقبلة؟
الاتفاقية المؤقتة لعام واحد هي جسراً، وليست الوجهة النهائية. خلال الاثني عشر شهراً القادمة، سيكون أمام الطرفين فرصة ثمينة لصياغة "اتفاقية الإطار" الشاملة التي تحدث عنها المسؤولون. هذا الاتفاق المستقبلي من المتوقع أن يحسم القضايا العالقة المتعلقة بحقوق العبور، وآلية تسعير الرسوم، وتوزيع الإيرادات، بالإضافة إلى آليات حل النزاعات المستقبلية.
كما يتوقع الخبراء أن تشهد هذه الفترة نقاشات جدية حول توسعة سعة الخط أو إنشاء خطوط فرعية تربط حقول الجنوب بميناء جيهان. إذا نجح هذا المسعى، فقد نشهد تحولاً جذرياً في خريطة صادرات النفط العراقية، حيث يصبح البحر المتوسط منافساً قوياً للخليج العربي كمخرج رئيسي للخام العراقي.
لكن التحديات لا تزال قائمة. تحتاج بغداد إلى زيادة إنتاجها من الحقول الشمالية والجنوبية لتصل فعلياً إلى سقف الـ 750 ألف برميل. كما تحتاج الشركات العاملة في القطاع إلى استقرار سياسي وقانوني يسمح باستقطاب الاستثمارات اللازمة لتطوير البنية التحتية. النجاح في هذه المرحلة سيعتمد بشكل كبير على قدرة الجانبين على تجاوز الخلافات السابقة وبناء شراكة طاقوية حديثة ومتوازنة.
أسئلة شائعة حول اتفاق خط أنابيب كركوك–جيهان
ما الفرق بين الاتفاقية المؤقتة الحالية والاتفاقية القديمة المنتهية؟
الاتفاقية القديمة الموقعة عام 1973 كانت عقد نقل بسيطاً انتهى سريانه في 27 يوليو 2026. أما الاتفاقية الجديدة المؤقتة فهي عقد عبور محدداً لمدة عام واحد بسقف 750 ألف برميل يومياً، وتهدف إلى توفير الوقت اللازم للتفاوض على اتفاقية إطار طويلة الأمد تشمل مجالات أخرى مثل الكهرباء والمياه، بدلاً من مجرد تمديد العقد القديم الذي خضع لتحكيم دولي.
هل سيتأثر سعر النفط العراقي بسبب هذا الاتفاق؟
ليس بشكل مباشر فوري، لكن على المدى المتوسط، توفر منفذ إضافي خارج مضيق هرمز قد يمنح العراق مرونة أكبر في التسعير والتسويق. التنويع في مسارات التصدير يقلل من مخاطر التعطل اللوجستي، مما قد يزيد من ثقة المشترين الدوليين في التزامات التوريد العراقية، خاصة مع ارتفاع السعة المتاحة إلى 750 ألف برميل يومياً.
ما هي العوائق الرئيسية أمام الوصول إلى السعة القصوى البالغة 750 ألف برميل؟
العائق الرئيسي هو الإنتاج الفعلي. حالياً، لا تنتج حقول شمال العراق ولا الجنوب الكميات الكافية لملء هذا السقف. تتطلب الوصول إلى 750 ألف برميل استثماراً ضخماً في الحفر والتنقيب، وتحديث البنية التحتية المحلية للنقل الداخلي نحو الخط، بالإضافة إلى استقرار سياسي يسمح للشركات الأجنبية بالعمل بكفاءة. كما تحتاج تركيا إلى التأكد من جاهزية شبكتها الداخلية لاستيعاب هذه الكميات الإضافية.
كيف يؤثر هذا الاتفاق على العلاقات بين بغداد وأربيل؟
يُعتبر هذا الاتفاق انتصاراً دبلوماسياً للحكومة الاتحادية في بغداد، إذ أصبح الخط تحت إدارتها المباشرة عبر شركتي سومو ونفط الشمال، بدلاً من إدارة إقليم كردستان له بشكل منفصل. هذا قد يخفف من حدة التوترات المالية والقانونية بين المركز والإقليم حول عائدات النفط، خاصة مع وجود آلية واضحة للتحصيل والتوزيع ضمن الإطار الاتفاقي الجديد مع تركيا.
ما هي الجدولة الزمنية المتوقعة للاتفاقية الدائمة؟
لا توجد جدول زمني رسمي محدد بعد، لكن المصادر تشير إلى أن المفاوضات على الاتفاقية الدائمة ستستمر طوال فترة سريان الاتفاق المؤقت (حتى صيف 2027). يعتمد التسارع في هذه المفاوضات على تقدم المحادثات الفنية والقانونية، وقد تشهد تقدماً ملموساً قبل نهاية العام الجاري إذا توفرت الإرادة السياسية لدى الجانبين لتسريع وتيرة العمل.
Mohammed Elamin
يا جماعة البسطاء هذي مش مجرد أنابيب دي لعبة كبرى للعظماء :P
بغداد بتلعب شطرنج مع أنقرة وبيكسبوا الرهان على حسابنا نحن العرب اللي ما نفهم في السياسة إلا لما يخلص الكاس
الـ750 ألف برميل ده رقم خيالي ومحدش فاهم إزاي هيتحقق من غير سحر
Dubai Safari Trips
من منظور تحليلي جيو-استراتيجي، نلاحظ أن هذا الاتفاق المؤقت يعكس تبايناً حاداً بين السعة التصميمية البالغة 1.5 مليون برميل والسعة التشغيلية الفعلية المحددة بـ 750 ألف برميل فقط.
هذا الفجوة تشير إلى وجود اختناقات لوجستية عميقة في سلسلة التوريد (Supply Chain) تتطلب إعادة هيكلة شاملة للبنية التحتية قبل أن يتمكن العراق من استغلال كامل القيمة المضافة لهذا الممر البحري.
كما أن الإشارة إلى دمج حقول الجنوب تعني تحولاَ جذرياَ في نموذج الأعمال من مجرد وسيط لنقل الخام الكردي إلى محور طاقة إقليمي متكامل، وهو أمر يتطلب تدفقات رأسمالية ضخمة (CAPEX) وتوافقاً سياسياً دقيقاً بين بغداد وأنقرة لتجنب تكرار أخطاء التحكيم الدولي السابق.
Abdullah Baloch
أرى أن هذا خبر جيد جداً للعراق وتركيا معاً
الاتفاق المؤقت يحافظ على الاستقرار ويمنح الوقت اللازم للتفاوض على شيء أفضل
أتمنى أن تنجح المفاوضات الدائمة قريباً لأن ذلك سيفيد الجميع ويساعد في تقليل التوترات الإقليمية
التعاون بين الجيران دائماً هو الحل الأمثل لأي خلاف
نحتاج إلى المزيد من مثل هذه الخطوات الإيجابية في المنطقة
Ahmed MSAFRI
بالنظر إلى التاريخ القانوني للعقود الثنائية منذ عام ١٩٧٣، فإن العودة إلى ترتيبات عبور مؤقتة بدلاُ من تمديد العقد القديم يمثل اعترافاً ضمنياً بفشل النموذج التقليدي في إدارة العلاقات الطاقوية المعقدة.
إن التراجع عن حكم التحكيم الدولي الذي أغرم تركيا بمبلغ مليار وأربعمائة مليون دولار كان قراراً سياسياً محسوباً بدقة، حيث سعى الرئيس أردوغان إلى تحويل الخسارة القانونية إلى فرصة لإعادة تفاوض شروط العبور بما يتناسب مع المصالح التركية المتغيرة.
ومع ذلك، يبقى السؤال المطروح حول جدوى الوصول إلى سقف الـ ٧٥٠ ألف برميل يومياً في ظل ضعف الإنتاج الفعلي الحالي الذي لا يتجاوز ١٨١ ألف برميل، مما يجعل هذا الرقم أقرب إلى طموح سياسي منه إلى واقع تشغيلي قابل للتحقق في المدى القريب دون استثمارات كبرى في الحفر والتنقيب.
لذا، فإن النجاح الحقيقي لهذا الاتفاق لن يُقاس بمجرد توقيع الوثيقة، بل بقدرته على جذب الاستثمارات الأجنبية المباشرة اللازمة لتطوير البنية التحتية الداخلية العراقية التي لا تزال تعاني من نقص حاد في الكفاءة التشغيلية مقارنةً بالمعايير العالمية للموانئ البحرية الكبرى.