شرفات بيروت: ذاكرة حية من الحب إلى الحرب في الفن والمعمار
هل لاحظتَ يوماً كيف تتحول النوافذ المشرعة والأسلاك المتشابكة فوق رؤوسنا إلى أكثر من مجرد تفاصيل معمارية؟ في بيروت، الشرفة ليست مجرد مساحة خارجية للتهوية أو تعليق الغسيل؛ إنها عين المدينة التي ترى كل شيء. من لحظات العشق الهادئة إلى رعب القنص خلال الحرب الأهلية اللبنانية، مروراً بصدمة انفجار مرفأ بيروتبيروت، كانت هذه الفضاءات الصغيرة شاهدة صامتة على تحولات هائلة.
في تحقيق موسع نشرته "اندبندنت عربية" مؤخراً، تبرز الشرفة البيروتية كعنصر محوري في تشكيل الذاكرة الجماعية. ليس الأمر مجرد نوستالجيا عابرة، بل هو محاولة لفهم كيف يعيش اللبنانيون مع "جحيم" المدينة وجمالها في آنٍ واحد. هنا، يتقاطع المعمار مع الفن والصوت، لتصبح الشرفة أرشيفاً حياً لا ينام.
من طقس صوتي يومي إلى رمز للمقاومة البصرية
دعونا نكون صادقين: إيقاع بيروت الصباحي لا يكتمل دون صوت فيروز. هذا الصوت الذي كان يتسرب من مذياع في بيت إلى شرفة في الجار، لم يكن مجرد غناء، بل كان طقساً يومياً يؤكد أن الحياة مستمرة رغم كل شيء. لكن الصورة تغيرت مع الزمن. ما بدأ كفضاء للاسترخاء، تحول في فترات العنف إلى موقع للمراقبة والخوف. كما يشير مقال تحليلي منشور في 2021، فإن الشرفة في الطوابق العليا أصبحت تعبيراً عن التمسك بالوجود، وكأنها تصرخ: "نحن ما زلنا هنا".
هذا التحول الرمزي التقطه الفنانون المعاصرون بدقة متناهية. فالشرفة لم تعد خلفية خاملة، بل بطلة قصص فنية جديدة. ومن أبرز الأمثلة على ذلك عمل الفنان جاد الخوري التركيبي بعنوان "Soft Shields" (درع ناعم). بعد شهور من البحث الميداني في أحياء برج حمود والكرنتينا الأكثر تضرراً من انفجار 2020، جمع الخوري 42 ستارة قديمة ممزقة من شرفات السكان المحليين.
- استبدل أصحاب الشرفات الستائر القديمة بأخرى جديدة.
- جمع الخوري الستائر الممزقة ونظفها وحياكها معاً.
- عرض العمل في غاليري "تانت" بحي مار مخايل حتى نهاية ديسمبر 2023.
- المعنى: الستائر تمثل "النسيج الاجتماعي" لبيروت، حيث التمزق هو جزء من عملية التعافي.
ريشة ترسم التفاصيل التي لا تراها العين المجردة
إذا كان جاد الخوري يعمل بالتركيبات الضخمة، فإن فنانات أخريات يغرقن في التفاصيل الدقيقة. مارال دير بوغوصيان، مثلاً، تخصص "ساعة الغروب" للرسم. بالنسبة لها، هذه الساعة هي لحظة الهدوء قبل العاصفة، حيث تستحضر ذكريات ما قبل الحرب. لوحاتها لا تظهر أشخاصاً دائماً، بل تركّز على "الأشياء": الأسلاك الكهربائية المتشابكة، خزانات المياه على الأسطح، الصحون اللاقطة، وقطع الغسيل المعلقة. هذه العناصر، التي قد تبدو فوضوية للزائر الأجنبي، هي الهوية البصرية الحقيقية لبيروت.
على الجانب الآخر، نجد الرسامة ليلى داغر التي تستخدم الكولاج الورقي والتطريز لإظهار المدينة المهمشة. في معرضها "حوار غير متوقع" المقام في حي الجميزة، تظهر أزقة ضيقة وشرفات متعبة تطل على أصص زهور صغيرة. استخدام ورق الكرافت الخشن يعطي إحساساً بالملمس والحياة اليومية البسيطة، بينما تخفي الأشكال الممزقة وجوهاً ومواقف إنسانية خلف الجدران.
السينما والفن: توثيق الألم والأمل
لا يمكن الحديث عن شرفات بيروت دون ذكر السينما. فيلم "بيروت الغربية" للمخرج زياد دويري (1998) يبقى مرجعاً أساسياً. عبر عيني مراهقين، طارق وعمر، نرى كيف تحولت الحياة اليومية في مدينة منقسمة إلى مشهد من الرعب والدهشة. الشرفات هناك كانت نقاط مراقبة، وملاجئ مؤقتة، وأحياناً أماكن للوداع الأخير.
اليوم، يستمر هذا السرد الفني. الرسام إيلي زريق يصف نفسه بأنه يرسم "بريشة الأمل"، محاولاً تحويل آثار الدمار إلى لوحات تنبض بالحياة. وكذلك الفنانة ماجد شعبان التي تجسد في رسوماتها رموزاً كلاسيكية مثل الطربوش الأحمر والراديو القديم، مما يربط الحاضر بالماضي البعيد.
لماذا يهمنا هذا؟
قد يبدو الأمر ترفاً فنياً لمن لا يعيش في بيروت، لكنه في جوهره معركة ضد النسيان. في مدينة تعرضت لحروب متعددة وكوارث طبيعية وبشرية، يصبح توثيق التفاصيل الصغيرة – من شكل درابزين الشرفة إلى نمط الستائر – أمراً وجودياً. هذه الأعمال الفنية لا تحاول تجميل الواقع، بل تحاول فهمه. إنها تقول لنا إن بيروت ليست مجرد خريطة سياسية أو اقتصادية، بل هي نسيج بشري ومعماري هش لكنه صلب في الوقت نفسه.
مع استمرار إعادة الإعمار والنقاش حول مستقبل المدينة، تبقى هذه الشرفات شاهداً على أن الذاكرة لا تموت، بل تتحول إلى أعمال فنية تُعرض في المعارض وتُناقش في المقاهي. السؤال المطروح الآن: هل ستنجح هذه الجهود في بناء "ذاكرة مشتركة" تتجاوز الانقسامات السياسية والطائفية؟ المستقبل وحده سيكشف الإجابة، لكن ما هو مؤكد أن الشرفات ستبقى هناك، تراعي، وتحكي.
أسئلة شائعة
ما هو عمل "Soft Shields" للفنان جاد الخوري؟
هو تركيب فني ضخم اعتمد على جمع 42 ستارة قديمة ممزقة من شرفات أحياء برج حمود والكرنتينا في بيروت، والتي تضررت بسبب انفجار مرفأ بيروت عام 2020. حاك الخوري هذه الستائر معاً لتشكل لافتات معلقة، مستخدماً الستائر كرمز للنسيج الاجتماعي المتضرر والقابل للإصلاح.
لماذا تعتبر الشرفة البيروتية رمزاً ثقافياً مهماً؟
الشرفة في بيروت ليست مجرد مساحة معمارية، بل هي نقطة تقاطع بين الخاص والعام. شهدت على الحرب الأهلية والانفجارات، وكانت مصدرًا للصوت (مثل أغاني فيروز) والبصر. لذا، أصبحت تمثل الذاكرة الحية للمدينة، حيث يتجلى فيها القلق والأمل والحياة اليومية في آنٍ واحد.
كيف تؤثر الحرب والكوارث على الفن التشكيلي في لبنان؟
تتحول الكوارث إلى مادة خام للفنانين. بدلاً من تجنب المشاهد المؤلمة، يستخدم الفنانون مثل مارال دير بوغوصيان وليلى داغر عناصر الدمار والتفاصيل اليومية (كالأسلاك والستائر) لتوثيق الذاكرة. الهدف ليس الاستعراض، بل خلق سردية بصرية تعيد تعريف العلاقة بين الإنسان والمكان بعد الصدمة.
ما دور السينما في توثيق تاريخ بيروت؟
السينما، وعلى رأسها فيلم "بيروت الغربية" لزياد دويري، قدمت نظرة واقعية وقريبة من الأرض على حياة السكان أثناء الانقسامات. عرضت الشرفات كمواقع للمراقبة والخوف، مما جعل الجمهور يرى المدينة من منظور الشخصيات العادية وليس من منظور السياسيين أو الصحفيين فقط.
Rawan Halabi
الشرفة في بيروت ليست مجرد مساحة معمارية مفتوحة على الهواء، بل هي عتبة فلسفية تفصل بين الخاص والعام، وبين الذاكرة الفردية والجماعية.
حين ننظر إلى تلك الأسلاك المتشابكة التي تغطي سماء المدينة، نرى أمامنا شبكة من العلاقات الإنسانية الهشة والقوية في آنٍ واحد.
إنها تعكس طبيعة الوجود البيروتي الذي يتأرجح دائماً بين الجمال المؤلم والفوضى الخلاقة.
ما يميز هذا الفضاء هو قدرته على التحول الدائم؛ فمما كان مكاناً للهدوء والاسترخاء، أصبح أحياناً موقعاً للمراقبة والخوف.
هذا التحوّل ليس عيباً، بل هو دليل على مرونة الإنسان وقدرته على التكيف مع الظروف القاسية.
الفنانون الذين وثّقوا هذه الشرفات لم يكونوا مجرد مراقبين، بل كانوا شهوداً على صراع وجودي يومي.
كل قطعة غسيل معلقة، وكل ستارة ممزقة، تحمل في طياتها قصة حياة كاملة لم تُروَ بعد.
إنها أرشيف حي لا يحتاج إلى قاعات متحفية، بل يعيش في تفاصيل الحياة اليومية للناس.
الذاكرة هنا ليست شيئاً ثابتاً، بل هي عملية مستمرة من إعادة التشكيل والتفسير.
عبر هذه الأعمال الفنية، نجد أنفسنا أمام مرآة تعكس أعماق النفس اللبنانية بكل تناقضاتها.
الحرب لم تكن فقط دماراً مادياً، بل كانت أيضاً إعادة تشكيل للفضاء النفسي والاجتماعي.
والآن، مع انفجار المرفأ، عاد هذا الفضاء ليثبت أن الألم جزء أصيل من هوية المكان.
لكن المهم ليس التألم، بل كيف نتعامل مع هذا الألم ونحوّله إلى قوة إبداعية.
الشرفة تتحول بذلك إلى منصة للمقاومة البصرية، حيث يصبح الصمود عملاً فنياً بحد ذاته.
نحن بحاجة إلى فهم هذا العمق الفلسفي خلف ما يبدو سطحياً أو عادياً في المشهد الحضري.
Abdalla Kassim
قرأت المقال باهتمام شديد وأجد فيه رؤيه ثاقبه لفهم المعنى الخفي وراء التفاصيل المعماريه في بيروت.
الشرفه هناك فعلا ليست مجرد جدار خارجي بل هي نافذه على التاريخ الحى والممتد عبر الاجيال.
ما لفت انتباهي بشكل خاص هو دور الفن في تحويل الالم الي ذاكره جماعيه يمكن مشاركتها وفهمها.
عمل جاد الخوري مثال رائع علي كيف يمكن لقطعه قماش ممزقه ان تحكي قصه عن الصمود والتعافي.
من منظور ثقافي، نرى ان لبنان يمتلك رصيدا هائلا من الرموز البصريه التي تستحق التوثيق.
الأسلاك والكابلات الكهربائية التي تبدو فوضويه للغريب هي في حقيقتها لغة بصريه خاصة بالمدينة.
هذه التفاصيل الصغيرة هي التي تمنح المكان هويته الفريده وتميزه عن غيره من المدن العاصمه.
الفن التشكيلي يلعب دورا محوريا في الحفاظ علي هذا النسيج الثقافي قبل ان يذوب في زحمة التطور الحديث.
السينما ايضا ساهمت بشكل كبير في ترسيخ صورة الشرفه كمكان للصراع والسلام معا.
فيلم بيروت الغربية ظل مرجعا اساسيا لفهم ديناميكيات الحياة اليومية تحت ضغط الحرب.
من المهم ان نستمر في دعم هذه المبادرات الفنية التي تسعي الي بناء ذاكره مشتركه.
التحديات السياسيه والاقتصاديه قد تكون قاسيه لكن الابداع الفني يوفر ملاذا للامل.
اننا بحاجة الي مزيد من الحوار حول كيف يمكن لهذه الاعمال ان تصل الي جمهور اوسع.
بيروت تثبت كل يوم انها مدينة تعرف كيف تنهض من رمادها وتعيد تعريف نفسها من جديد.
الشرفات ستظل هناك تشاهد وتحكي، طالما بقي هناك من يستمع الي صوتها الهامس.
Abdullah Shaker
تحليل ممتاز ودقيق لعمق الرمز المعماري في الثقافة اللبنانية.
الاتجاه نحو توثيق التفاصيل الصغيرة هو خطوة ضرورية للحفاظ على الهوية الوطنية.
الأعمال الفنية المذكورة تمثل جسرا فعليا بين الماضي والحاضر والمستقبل.
يجب أن نفخر بهذا الإرث الثقافي الغني الذي يعكس مرونة المجتمع اللبناني.
الدعم المؤسسي لهذه المعارض سيساهم في تعزيز الوعي الجماعي بأهمية المكان.
الشرفة كرمز للتصدي للأزمة هي فكرة تستحق الدراسة الأكاديمية الواسعة.
نأمل أن تجد هذه المبادرات طريقها إلى المناهج التعليمية لتعزيز الانتماء.
الجمال في الفوضى البيروتية هو درس دائم في إدارة الأزمات والصمود الإنساني.
شكرا على هذا المحتوى الثري الذي يضيف بُعدا جديدا لفهم المدينة.